الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

قمة الولايات المتحدة والصين.. إدارة التنافس الاستراتيجي وحدود الاستقرار بين القوتين الكبريين

بقلم: نور نبيه جميل

باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

تأتي القمة الأمريكية–الصينية التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن في 24 أيلول 2026 في لحظة تختلف عن كثير من اللقاءات السابقة بين القوتين. فالعلاقة بين الولايات المتحدة والصين لم تعد محكومة بإمكانية نشوء منافسة مستقبلية، وإنما أصبحت المنافسة نفسها هي الإطار الناظم للعلاقة، فيما باتت إدارة مخاطر هذه المنافسة تمثل هدفاً استراتيجياً قائماً بذاته. وقد اكتسبت القمة أهمية إضافية لأنها جاءت بعد أشهر قليلة من اللقاء السابق بين الزعيمين وفي ظل استمرار التوترات التجارية والتكنولوجية والأمنية حول تايوان وتنافس متصاعد على الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة وسلاسل الإمداد، فضلاً عن اختلاف المقاربات تجاه الحرب الأمريكية–الإيرانية والحرب الروسية–الأوكرانية وأمن شرق آسيا. وقد أظهرت نتائج القمة أن الطرفين يمتلكان مصلحة واضحة في منع العلاقات من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، إلا أن هذه المصلحة لم تؤدِ إلى إزالة مصادر التنافس البنيوي بينهما. فقد اتفق الجانبان على مواصلة الحوار الاقتصادي والتجاري وتمديد الهدنة التجارية، كما أبديا استعداداً لمواصلة الحوار حول الذكاء الاصطناعي، إلا أن الملفات التي تمس توزيع القوة بصورة مباشرة بقيت دون تسوية نهائية.

وعليه فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بما إذا كانت القمة قد حققت انفراجاً سياسياً، وإنما بما تكشفه عن طبيعة النظام الدولي في المرحلة الراهنة:

 

هل تتجه الولايات المتحدة والصين نحو صيغة مستقرة لإدارة التنافس، أم أن التفاهمات المؤقتة ليست سوى آلية لاحتواء الصراع إلى أن تتغير موازين القوة أو تتوافر ظروف جديدة لإعادة التفاوض؟

 

وتزداد أهمية هذا السؤال لأن العلاقة الأمريكية–الصينية أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في التجارة العالمية والتكنولوجيا والأمن البحري وسلاسل الإمداد والتحالفات الآسيوية وحتى الأزمات الواقعة خارج منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ومن ثم فإن القمة ينبغي قراءتها بوصفها اختباراً لقدرة قوتين كبريين على إدارة انتقال القوة دون تحويله إلى صراع مفتوح. وتبرز اهم المرتكزات على النحو الآتي:-

 

أولاً: القمة بين خفض التصعيد وإعادة تنظيم التنافس الاقتصادي والتجاري

أظهرت القمة أن الاقتصاد لا يزال يمثل المجال الأكثر قابلية لتحقيق تفاهمات بين واشنطن وبكين، لكنه في الوقت نفسه أصبح أحد أهم ميادين الصراع الاستراتيجي بينهما. فقد جرى تمديد الهدنة التجارية التي كان مقرراً أن تنتهي في تشرين الثاني، وهو ما يمنح الطرفين فترة إضافية للتفاوض بشأن التعرفة الجمركية والمشتريات الصينية والمعادن النادرة والقيود المفروضة على التكنولوجيا. غير أن هذا التمديد لا يرقى إلى مستوى التسوية التجارية الشاملة، لأن القضايا التي سببت التوتر أصلاً ما زالت قائمة، الأمر الذي يجعل الهدنة أقرب إلى أداة لإدارة عدم الاستقرار الاقتصادي منها إلى تسوية نهائية للخلاف. وقد أكدت رويترز أن الاتفاق الجديد دفع القضايا الأساسية، ومنها التعرفات والمعادن النادرة والقيود التكنولوجية، إلى جولة تفاوضية لاحقة بدلاً من حسمها بصورة دائمة.

وتكشف هذه النتيجة عن تحول جوهري في طبيعة الحرب التجارية بين الطرفين. فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على التعامل مع الصين بوصفها مجرد مصدر لواردات يمكن الضغط عليه من خلال الرسوم الجمركية، والصين من جانبها لم تعد تتعامل مع السوق الأمريكية باعتبارها المجال الوحيد الذي يتوقف عليه نموها التجاري. فقد أصبحت بكين تمتلك شبكة أوسع من العلاقات التجارية والأسواق الخارجية، في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة تقليل اعتمادها على الصين في القطاعات الحساسة. ولذلك أصبح الصراع التجاري جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية وتوزيع القدرة على الإنتاج والتصدير والوصول إلى المواد الحيوية.

في ضوء ماسبق تظهر المعادن النادرة بصورة خاصة بوصفها نموذجاً لهذا التحول. فالقضية لم تعد تتعلق بتبادل تجاري بين دولتين، وإنما بالقدرة على التحكم في مدخلات تستخدم في الصناعات الإلكترونية والعسكرية والطاقة والتقنيات المتقدمة. وهذا يمنح الصين ورقة ضغط تختلف في طبيعتها عن الأدوات التجارية التقليدية، بينما يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى البحث عن مصادر بديلة وبناء قدرات معالجة محلية. وبذلك تتحول التجارة من مجال للتبادل إلى مجال لإعادة توزيع القوة.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم استمرار الهدنة التجارية بصورة مختلفة. فهي لا تعني انتهاء الحرب التجارية، وإنما تعكس إدراك الطرفين أن التصعيد الاقتصادي غير المنضبط يمكن أن يرتد على الطرفين. الولايات المتحدة تحتاج إلى تجنب اضطرابات تضغط على المستهلكين والشركات وسلاسل التوريد، والصين تحتاج إلى الحفاظ على الوصول إلى الأسواق الخارجية والاستفادة من قدراتها التصديرية في ظل تحدياتها الداخلية. لذلك فإن ما ظهر في القمة هو نوع من الاعتماد المتبادل المقيد بالمنافسة؛ أي أن الاعتماد الاقتصادي لم يعد كافياً لمنع الصراع، لكنه لا يزال قوياً بما يكفي لجعل إدارة الصراع ضرورة مشتركة.

وتزداد دلالة هذا الأمر إذا وضعنا القمة في سياق النظام الاقتصادي العالمي. فاستمرار التنافس بين أكبر اقتصادين في العالم يعني أن الاقتصاد الدولي لن يعود بسهولة إلى مرحلة العولمة القائمة على افتراض أن الكفاءة الاقتصادية هي المعيار الأساسي لتوزيع الإنتاج. الاتجاه الجديد هو الجمع بين الكفاءة والأمن، وبين الانفتاح التجاري وتقليل المخاطر، وبين حرية السوق وحماية القطاعات الاستراتيجية. وهذا التحول ستكون له انعكاسات على أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية والهند ودول جنوب شرق آسيا، لأنها ستجد نفسها مضطرة إلى إعادة تحديد مواقعها داخل سلاسل إمداد أصبحت مرتبطة بالاعتبارات الجيوسياسية أكثر من أي وقت مضى.

 

ثانياً: التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتايوان بوصفها جوهر التنافس على القوة المستقبلية

إذا كان الاقتصاد يمثل المجال الذي يستطيع فيه الطرفان إدارة الخلافات، فإن التكنولوجيا تمثل المجال الذي يصعب فيه الفصل بين الاقتصاد والأمن القومي. وقد ظهر الذكاء الاصطناعي في صلب المحادثات بين ترامب وشي، إذ أشار الرئيسان إلى ضرورة استمرار الحوار حول المخاطر المرتبطة بهذه التكنولوجيا، فيما أكدت بكين أهمية إبقاء تطوير الذكاء الاصطناعي تحت السيطرة البشرية. وفي الوقت نفسه، تبقى المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على امتلاك القدرات المتقدمة في الذكاء الاصطناعي مرتبطة بالقدرة على الوصول إلى أشباه الموصلات والقدرات الحاسوبية والبيانات ورأس المال والموارد البشرية.

وهنا تتجاوز المسألة حدود تنظيم التكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي أصبح مرتبطاً بالقدرة العسكرية والاستخبارية والسيبرانية والاقتصادية، ولذلك فإن امتلاك التفوق فيه يمكن أن يغير طبيعة القوة الوطنية خلال السنوات المقبلة. الولايات المتحدة تحاول الحفاظ على تفوقها في التقنيات المتقدمة من خلال القيود على تصدير بعض التقنيات والمعدات، بينما تعمل الصين على تطوير قدراتها المحلية وتقليل اعتمادها على المدخلات الأجنبية. ولذلك فإن الحديث عن التعاون في سلامة الذكاء الاصطناعي لا يلغي حقيقة وجود سباق استراتيجي حول من يمتلك القدرة على تطويره واستخدامه بصورة أكثر تقدماً.

وتكشف هذه المفارقة عن إحدى أكثر سمات العلاقة الأمريكية–الصينية تعقيداً: الطرفان قد يتعاونان في إدارة مخاطر التكنولوجيا في الوقت الذي يتنافسان فيه على امتلاك التكنولوجيا نفسها. ومن ثم فإن أي تعاون محتمل في الذكاء الاصطناعي سيكون محدوداً على الأرجح بالمجالات التي تخدم مصلحة مشتركة، مثل منع الحوادث الخطيرة أو وضع قنوات اتصال للأزمات، بينما ستبقى التطبيقات العسكرية والصناعية المتقدمة مرتبطة بحسابات الأمن القومي.

أما تايوان فتظل القضية الأكثر حساسية في العلاقة الثنائية لأنها تمثل نقطة التقاء مباشرة بين الجغرافيا السياسية والقوة العسكرية والمصداقية والتحالفات والتكنولوجيا. وقد ضغط شي خلال القمة على واشنطن بشأن موقفها من تايوان، داعياً الولايات المتحدة إلى التعامل مع القضية بحذر ومعارضة استقلال الجزيرة، بينما لا توجد مؤشرات على أن واشنطن غيرت بصورة أساسية موقفها القانوني والسياسي تجاه تايوان. وتكمن خطورة تايوان في أنها ليست مجرد نزاع إقليمي بين الصين والجزيرة، بل تقع عند تقاطع شبكة تحالفات أمريكية آسيوية تشمل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، كما ترتبط بصناعة أشباه الموصلات التي تمثل عنصراً أساسياً في الاقتصاد العالمي. ولذلك فإن أي أزمة في مضيق تايوان يمكن أن تتحول سريعاً إلى أزمة ذات تداعيات دولية في التجارة والتكنولوجيا والملاحة والأمن.

ومن هنا يصبح موقف واشنطن تجاه تايوان جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بمصداقية التحالفات الأمريكية في آسيا. وفي المقابل ترى بكين أن استمرار الدعم العسكري والسياسي الأمريكي لتايوان يمثل عقبة أمام إعادة ترتيب البيئة الأمنية المحيطة بالصين. ولهذا فإن التفاهم الاقتصادي بين ترامب وشي لا يلغي احتمال استمرار التوتر في المجال الأمني، بل يمكن أن يؤدي في بعض الحالات إلى فصل نسبي بين المجالين: تهدئة اقتصادية تسمح للطرفين بتجنب صدمة مباشرة، مع استمرار المنافسة الأمنية والتكنولوجية.

 

 

ثالثاً: القمة في البيئة الدولية الأوسع وإعادة تعريف العلاقة بين القوى الكبرى

لا يمكن فهم القمة بمعزل عن التحولات التي تجري خارج العلاقة الثنائية. فقد ناقش ترامب وشي أيضاً أزمات “الشرق الأوسط” وأوكرانيا وشبه الجزيرة الكورية، وهو ما يعكس اتساع نطاق العلاقة الأمريكية–الصينية من مسألة ثنائية إلى علاقة ذات تأثير في مجموعة من الأزمات الدولية. وأكدت وزارة الخارجية الصينية أن الزعيمين تبادلا وجهات النظر بشأن “الشرق الأوسط” والأزمة الأوكرانية وشبه الجزيرة الكورية، إلى جانب الاتفاق على دعم استضافة اجتماعات مجموعة العشرين ومنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ.

وتبرز الحرب الأمريكية–الإيرانية هنا بصورة خاصة. فواشنطن تنظر إلى بكين باعتبارها طرفاً يمتلك قدرة اقتصادية وسياسية على التأثير في طهران، بينما لا تبدو الصين مستعدة لتحويل علاقتها مع الجمهورية الإسلامية في إيران إلى أداة لتنفيذ المطالب الأمريكية. وفي الوقت نفسه فإن استمرار الحرب يخلق بالنسبة إلى بكين فرصة ومشكلة في آن واحد. فهو يتيح لها توسيع هامش المناورة في الشرق الأوسط ويزيد أهمية الصين بالنسبة إلى الدول الباحثة عن شريك اقتصادي وسياسي خارج الإطار الأمريكي، لكنه في المقابل يرفع مخاطر اضطراب الطاقة والتجارة العالمية التي تعتمد عليها الصين. وقد أشارت رويترز إلى أن واشنطن كانت تأمل في أن تضغط بكين على طهران، لكن لم تظهر خلال القمة مؤشرات على استعداد صيني للقيام بذلك بالشكل الذي تريده الولايات المتحدة.

وهذا يكشف أن العلاقة بين واشنطن وبكين أصبحت جزءاً من لعبة أوسع حول النفوذ الدولي. فالولايات المتحدة تريد من الصين أن تتحمل جزءاً من أعباء إدارة الأزمات الدولية عندما يخدم ذلك المصالح الأمريكية، بينما تحاول الصين استخدام موقعها الدولي بصورة انتقائية من دون أن تتحول إلى شريك في الاستراتيجية الأمريكية. ومن هنا تظهر حدود فكرة أن العالم يتجه نحو إدارة مشتركة أمريكية–صينية للنظام الدولي. فالقوتان تتفاوضان على إدارة علاقتهما، لكن ذلك لا يعني أنهما تتقاسمان قيادة النظام الدولي.

وينطبق الأمر نفسه على الحرب الروسية–الأوكرانية. فالصين تمتلك قدرة على التأثير في الاقتصاد الروسي وعلى شبكة العلاقات التجارية التي تساعد موسكو على تحمل العقوبات، بينما تحتاج الولايات المتحدة إلى تعاون صيني أكبر في أي مسار تفاوضي طويل الأمد. لكن المصالح الصينية لا تتطابق مع المصالح الأمريكية في طريقة إنهاء الحرب أو في مستقبل الأمن الأوروبي. ولذلك فإن التنافس الأمريكي–الصيني لا يتوقف عند شرق آسيا، بل يمتد إلى كيفية تعريف النظام الأمني العالمي.

أما في شبه الجزيرة الكورية، فإن بقاء كوريا الشمالية خارج إطار تسوية أمنية شاملة يضيف بعداً آخر إلى الحسابات الصينية–الأمريكية. فواشنطن تحتاج إلى تعاون بكين في منع التصعيد، بينما تنظر الصين إلى الاستقرار في محيطها الإقليمي باعتباره مصلحة مباشرة. وبالتالي فإن القمة لم تكن مجرد تفاوض على التجارة، وإنما محاولة لتحديد حدود التعايش بين قوتين تتداخل مصالحهما في عدد متزايد من الأزمات.

وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن «الاستقرار الاستراتيجي» بحاجة إلى قدر من التحفظ. فالاستقرار لا يعني غياب المنافسة، بل قد يعني في الحالة الأمريكية–الصينية القدرة على منع المنافسة من التحول إلى حرب. وهذا اختلاف مهم. فإذا كانت القوتان قادرتين على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة وإدارة الأزمات ومنع سوء التقدير، فإن ذلك يمثل استقراراً على مستوى إدارة الصراع. أما إذا ظلت القضايا التي تحدد توزيع القوة، مثل تايوان والتكنولوجيا والقدرات العسكرية وسلاسل الإمداد، تتجه نحو مزيد من التنافس، فإن الاستقرار سيكون مؤقتاً ومحدوداً وليس تسوية استراتيجية شاملة.

وهذه النقطة تتفق مع تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الذي يرى أن العلاقة ليست صيغة قيادة مشتركة للنظام الدولي، بل علاقة تنافس بين قوتين تتأثر بالاعتماد المتبادل وبحاجة كل طرف إلى إدارة بعض جوانب العلاقة دون أن يتحولا إلى شريكين في إدارة النظام العالمي.

 

تايوان – صورة من الأقمار الاصطناعية

 

البعد المستقبلي: إلى أين تتجه العلاقة الأمريكية–الصينية؟

المسار الأول يتمثل في استمرار إدارة التنافس. وهو السيناريو الذي تستطيع فيه واشنطن وبكين تمديد التفاهمات التجارية بصورة دورية وإنشاء قنوات اتصال عسكرية وتكنولوجية لمنع الأزمات، مع استمرار التنافس في تايوان والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة وسلاسل الإمداد. وفي هذا المسار لا تختفي المنافسة، لكنها تصبح أكثر انضباطاً. وستكون المؤشرات الدالة عليه استمرار اللقاءات الرئاسية والوزارية، وتوسيع الاتصالات العسكرية، وتثبيت بعض التفاهمات التجارية، وعدم حدوث تغييرات حادة في الوضع القائم حول تايوان.

المسار الثاني هو عودة التوتر الاقتصادي والتكنولوجي بصورة تدريجية. وهذا يمكن أن يحدث إذا فشلت الهدنة التجارية في معالجة قضايا المعادن النادرة والمشتريات والقيود التكنولوجية، أو إذا اتسعت القيود الأمريكية على التقنيات المتقدمة، أو استخدمت الصين صادرات المعادن النادرة بصورة أكثر صراحة كأداة ضغط. وفي هذه الحالة قد تعود العلاقة إلى دورة جديدة من العقوبات والرسوم الجمركية والقيود على الشركات والاستثمارات. والخطر هنا أن الاقتصاد العالمي سيكون أمام كتلتين تكنولوجيتين وتجاريتين أكثر انفصالاً، الأمر الذي سيرفع تكلفة الإنتاج ويزيد الضغوط على الدول المتوسطة.

أما المسار الثالث فيتعلق بتايوان، وهو الأكثر قدرة على تغيير طبيعة العلاقة بصورة مفاجئة. فإذا بقي الوضع القائم مستقراً، يمكن أن يستمر التنافس دون مواجهة مباشرة. لكن أي تغير كبير في الوضع السياسي للجزيرة أو في مستوى الدعم العسكري الأمريكي أو في النشاط العسكري الصيني يمكن أن يحول القضية إلى أزمة تتجاوز الطرفين. ولهذا فإن تايوان ستظل الاختبار الحقيقي لأي حديث عن استقرار استراتيجي بين واشنطن وبكين.

وهناك مسار رابع أكثر تعقيداً يتمثل في انتقال المنافسة إلى شبكة من الأزمات الإقليمية. ففي “الشرق الأوسط” قد تتقاطع المصالح الأمريكية والصينية حول الطاقة وإيران وأمن الملاحة، وفي أوروبا قد يتقاطع الطرفان حول الحرب الروسية–الأوكرانية، وفي شرق آسيا يتداخل التنافس حول كوريا الشمالية واليابان وكوريا الجنوبية. وفي هذه الحالة لن يكون السؤال فقط من يمتلك القوة الأكبر، وإنما من يستطيع تحويل قوته إلى نفوذ سياسي عبر أقاليم متعددة.

ومن المرجح أن تصبح الدول المتوسطة والصاعدة أكثر أهمية في هذا السياق. فالهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ودول جنوب شرق آسيا والاتحاد الأوروبي لن تكون مجرد أطراف هامشية في المنافسة الأمريكية–الصينية، بل ستملك قدرة متزايدة على التأثير في نتائجها من خلال تنويع العلاقات التجارية والتكنولوجية والأمنية. وكلما زادت رغبة هذه الدول في عدم الارتهان الكامل لأي من القوتين، أصبح النظام الدولي أكثر تعقيداً وأقل قابلية للاختزال في ثنائية أمريكية–صينية بسيطة.

ومن هنا فإن المستقبل لا يبدو أقرب إلى انتقال مباشر من هيمنة أمريكية إلى هيمنة صينية، ولا إلى تقسيم كامل للعالم إلى معسكرين مغلقين. المسار الأكثر قابلية للاختبار هو ظهور نظام تنافسي متعدد المستويات؛ الولايات المتحدة والصين في مركزه، لكن مع احتفاظ قوى أخرى بمساحات مستقلة للمناورة، ومع انتقال الصراع من السيطرة على المجال الجغرافي وحده إلى التنافس على التكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد والموارد الاستراتيجية والمؤسسات الدولية.

 

خاتمة

تكشف قمة الولايات المتحدة والصين في أيلول 2026 أن العلاقة بين القوتين دخلت مرحلة جديدة لا يمكن وصفها بدقة بمنطق التعاون أو الصراع وحده. فالطرفان توصلا إلى تمديد الهدنة التجارية وأبديا استعداداً لمواصلة الحوار في الذكاء الاصطناعي وإدارة بعض الخلافات، إلا أن القضايا التي تمس توزيع القوة بصورة مباشرة بقيت مفتوحة. ولذلك فإن ما تحقق في واشنطن يمكن فهمه بوصفه إدارة للتنافس أكثر منه تسوية للتنافس.

وتتمثل الدلالة الأوسع للقمة في أن الولايات المتحدة والصين أصبحتا تدركان أن تكلفة الصدام المباشر مرتفعة، لكنهما في الوقت نفسه لا تزالان تتحركان وفق حسابات قوة متعارضة. واشنطن تسعى إلى الحفاظ على تفوقها التكنولوجي والعسكري وشبكة تحالفاتها، بينما تعمل بكين على توسيع قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية وتقليل نقاط تعرضها للضغط الأمريكي. وبين هذين المسارين يظهر الاقتصاد بوصفه مجالاً للاعتماد المتبادل، والتكنولوجيا بوصفها مجالاً للصراع على المستقبل، وتايوان بوصفها أخطر نقطة تماس عسكري، والمعادن النادرة وسلاسل الإمداد بوصفها أدوات جديدة لممارسة القوة.

وبذلك فإن مفهوم «الاستقرار الاستراتيجي» الذي ظهر في الخطاب الصيني والأمريكي لا ينبغي تفسيره على أنه نهاية للتنافس، بل باعتباره محاولة لإيجاد قواعد تمنع التنافس من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. نجاح هذه الصيغة سيعتمد على قدرة الطرفين على الفصل بين الملفات التي يمكن التفاوض عليها والملفات التي تعتبرها كل دولة جزءاً من أمنها القومي الأساسي. فإذا تمكنتا من الحفاظ على هذا الفصل فقد تدخل العلاقة مرحلة طويلة من المنافسة المنضبطة، أما إذا انهارت الحدود بين التجارة والتكنولوجيا والأمن وتايوان فقد تعود العلاقة إلى التصعيد بصورة أكثر حدة.

وعليه فإن أهمية القمة لا تكمن في أنها أنهت مرحلة من التنافس الأمريكي–الصيني، وإنما في أنها قدمت مؤشراً على أن إدارة التنافس أصبحت جزءاً من التنافس نفسه. فكل طرف يحاول الحفاظ على مصالحه وتقليل تعرضه للخسائر مع إبقاء الطرف الآخر ضمن حدود يمكن التعامل معها. وهذا يعكس تحولاً أوسع في النظام الدولي نحو بيئة لا تختفي فيها الهيمنة الأمريكية ولا يتوقف فيها صعود الصين، وإنما تتوزع أدوات القوة بصورة أكثر تعقيداً بين القوى الكبرى والمتوسطة. ومن ثم فإن مستقبل النظام الدولي لن يتحدد فقط بمن يمتلك القوة الأكبر، بل بمن يستطيع تحويل القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية والتحالفية إلى نفوذ مستدام دون دفع المنافسين إلى تشكيل ترتيبات مضادة له.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى