الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

انهيار الذكاء الاصطناعي العالمي.. ما الذي سيصمد بعد انتهاء الطفرة؟ 

بقلم: روشير شارما

ترجمة: صفا مهدي

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

قلّما يشكّ أحد في أن الذكاء الاصطناعي يُعدّ من أكثر التقنيات إحداثاً للتحولات في القرن الماضي فهو ينتشر، وفقاً لمقاييس عديدة، بوتيرة أسرع وعلى نطاق أوسع من أي ابتكار ظهر منذ انطلاق الثورة الصناعية فقد شاع استخدام المحركات البخارية في القرن التاسع عشر، والكهرباء في مطلع القرن العشرين، لكن الاستفادة الكاملة من إمكاناتهما لم تتحقق إلا بعد عقود، مع استكمال شبكات السكك الحديدية والطرق السريعة وشبكات الكهرباء كذلك، ظهرت الحواسيب المخصصة للاستخدام التجاري في خمسينيات القرن العشرين، لكنها لم تُحدث أثراً ملموساً في نمو الاقتصاد قبل أن تربطها شبكة الإنترنت في تسعينيات القرن نفسه.

على النقيض من ذلك، ظهر الذكاء الاصطناعي التجاري وانتشر في غضون فترة وجيزة للغاية، ليصل إلى شاشات المستخدمين في مختلف أنحاء العالم، في وقت كانت فيه الغالبية العظمى من البشر تمتلك بالفعل إمكانية الوصول إلى حاسوب أو هاتف ذكي وبعد أقل من أربع سنوات على إطلاق (تشات جي بي تي)، بات نحو 30 في المئة من الأمريكيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي، أي خمسة أضعاف نسبة الأمريكيين الذين كانوا يستخدمون الهواتف الذكية أو الإنترنت أو الكهرباء في مراحل مماثلة من تطورها كذلك، تبلغ إيرادات شركات الذكاء الاصطناعي ثلاثة أضعاف الإيرادات التي حققتها التقنيات الرقمية السابقة، بما فيها الإنترنت والحوسبة السحابية وتطبيقات الهواتف المحمولة الأولى، خلال سنواتها الأولى ويعوّل صانعو السياسات والمستثمرون وقادة الأعمال على الذكاء الاصطناعي باعتباره حلاً سحرياً لمشكلات تمتد من تصاعد الدين العام إلى التكاليف المتزايدة الناجمة عن شيخوخة السكان وحتى بعض أبرز المستثمرين الذين اعتادوا مخالفة الاتجاهات السائدة، وحققوا ثرواتهم من المراهنة على عكس التوقعات الشائعة، باتوا يتبنون الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي قد يحقق مكاسب أكبر وبوتيرة أسرع من أي تقدم تكنولوجي سابق.

لكن هذه النشوة لا تشمل الجميع فثمة أقلية من المشككين، يتناقص عدد أفرادها باستمرار، ترى أن صعود الذكاء الاصطناعي، على الرغم من سرعته الاستثنائية الظاهرة، لا يعدو كونه تكراراً لنمط تاريخي يمتد لقرون فقد اقترنت الثورات التكنولوجية الكبرى دائماً بدورات حادة من الازدهار والانهيار إذ سرعان ما تستولي الحماسة المفرطة على الناس إزاء الابتكارات الجديدة، فيندفعون إلى ضخ استثمارات واسعة وغير مدروسة في الشركات التي تقود مسيرة الابتكار وقد خلص فريق من الباحثين في جامعة تكساس التقنية وجامعة تكساس إيه آند إم وكلية فيليريك لإدارة الأعمال في بلجيكا، في دراسة نُشرت عام 2018، إلى أن جميع الابتكارات التكنولوجية الأشد تأثيراً خلال القرنين الماضيين أدت إلى نشوء فقاعات كبرى في الأسواق، اتسمت بارتفاع سريع في أسعار الأسهم أعقبه هبوط حاد وغالباً ما توحي كلمة (فقاعة) بشيء هشّ وخاوي المضمون غير أن الابتكارات التي تقف وراء طفرة الذكاء الاصطناعي الراهنة حقيقية، شأنها شأن الفقاعات التكنولوجية السابقة، كما أن الحماسة المحيطة بها تستند إلى إمكانات واعدة بالفعل لكن هذه الإمكانات نفسها هي التي تغذّي الفقاعة وتدفعها إلى التضخم وعندما يبدأ هذا الهوس بالانحسار، وهو أمر لا مفر منه، ستمتد الصدمة من الأسواق المالية إلى الاقتصاد العالمي، الذي تزداد تبعيته للذكاء الاصطناعي بوصفه محركاً للنمو ولن تقتصر التداعيات على الدول الرائدة في تطوير هذه التكنولوجيا، بل ستطال أيضاً دولاً عديدة تتنافس اليوم على توفير المدخلات اللازمة لها وستخرج الجهات الأضعف من السوق، فيما يعزز الناجون مواقعهم ويوسعون تفوقهم وفي نهاية المطاف، ستنبثق من أنقاض هذه الطفرة منظومة أكثر استقراراً للذكاء الاصطناعي.

 

المراهنة بكل شيء

تعيد المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي بالفعل تشكيل النظام الاقتصادي العالمي. وتتصدّر هذا النظام الولايات المتحدة، حيث وصل نموذج الذكاء الاصطناعي التأسيسي (تشات جي بي تي) إلى المستخدمين في أواخر عام 2022، والصين، التي ظهر فيها نموذج (ديب سيك) بعد نحو عام ومنذ ذلك الحين، أصبح السباق على الهيمنة في هذا المجال محركاً رئيسياً لاقتصادات البلدين ففي الولايات المتحدة، جاء النمو مدفوعاً أساساً بمئات المليارات من الدولارات التي تستثمرها شركات التكنولوجيا الكبرى في مشروعات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن إنفاق المستهلكين الذي تعزّزه المكاسب المحققة في سوق الأسهم، التي تهيمن عليها شركات الذكاء الاصطناعي وتعمل الشركات العشر صاحبة أكبر الأوزان في مؤشر (ستاندرد آند بورز 500) جميعها في مجال الذكاء الاصطناعي أو تستثمر فيه بكثافة، وتمثل مجتمعةً نحو 40% من المؤشر، وما يقارب نصف عوائده منذ بداية العام.

 

أما الصين، فعلى الرغم من إنفاقها مبالغ أقل بكثير على الذكاء الاصطناعي، فإن اقتصادها بات يعتمد عليه اعتماداً كبيراً فبعد تراجعها خلال العقد الماضي، أصبحت الصادرات الصافية، التي تتألف أساساً من السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تسهم بنحو ثلث النمو الاقتصادي الصيني

 

وفي المقابل، يعاني الاقتصاد المحلي ركوداً، بفعل الديون المتعثرة وتقلّص القوى العاملة كما تقدم بكين دعماً كبيراً لتصدير نماذج الذكاء الاصطناعي المطوّرة محلياً، التي تكتسب انتشاراً متزايداً لأنها أقل تكلفة من النماذج الأمريكية المتقدمة، مع اقتراب أدائها من مستواها ولم تعد الحماسة المحيطة بالذكاء الاصطناعي مقتصرة على واشنطن وبكين؛ إذ يضخ المستثمرون أموالاً طائلة في الشركات التي تزوّد عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين بالقدرات الحاسوبية وأشباه الموصلات وغيرها من المكونات الأساسية التي يحتاجون إليها، ما يغذّي موجات صعود أسواق الأسهم في مختلف أنحاء العالم ففي آسيا، على سبيل المثال، جنت ثلاث شركات كبرى لأشباه الموصلات مكاسب كبيرة: شركة (تي إس إم سي) في تايوان، وشركتا (إس كيه هاينكس) و(سامسونغ) في كوريا الجنوبية وتمثل هذه الشركات حصة من مؤشرات أسواق الأسهم المحلية تفوق، حتى، حصة شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى في المؤشر الأمريكي وقد أحدث الهوس العالمي بالذكاء الاصطناعي، في هذه الاقتصادات الصغيرة نسبياً، صدمات اقتصادية أشد مما أحدثه في الولايات المتحدة فقد قفزت القيمة الإجمالية لسوق الأسهم الكورية الجنوبية من 1,5 تريليون دولار في مطلع عام 2025 إلى أكثر من 5 تريليونات دولار في صيف العام نفسه وحقق المستثمرون الأفراد، خلال 18 شهراً، مكاسب في ثرواتهم المستثمرة في الأسهم تفوق ما راكموه على مدى حياتهم وفي تايوان، دفعت صادرات الرقائق الإلكترونية النمو الحقيقي إلى الاقتراب من معدلات ثنائية الرقم في بعض الأرباع الأخيرة، وهي وتيرة نادراً ما تحققها الاقتصادات.

 

لقراءة المقال كاملاً وتحميل الملف، أدناه:

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى