الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

تفكك النموذج الأمني الروسي في الساحل

قراءة تحليلية في أزمة أفريقيا كور بعد سقوط كيدال

 

بقلم: الباحث كريم هاني عبد الغفار

مصر

 

أواخر عام 2023، حين أُعلن عن تأسيس “أفريقيا كور” خلفًا لفاغنر، قدّمت موسكو الكيان الجديد بوصفه نسخة أكثر انضباطًا ومؤسسية، قادرة على تحقيق أمن يدوم في دول راهنت كليًا على الشريك الروسي البديل. بعد أقل من ثلاث سنوات، في ربيع 2026، انسحبت قوات هذا الكيان من كيدال شمال مالي، المدينة التي استعادتها بمساعدة روسية قبل ثلاث سنوات فقط. هذه الدورة القصيرة هي نقطة الانطلاق لهذا المقال. لا يسعى هذا التحليل إلى الإجابة عن سؤال ضيق من نوع “لماذا سقطت كيدال؟“، بل إلى فحص فرضية أوسع: أن ما جرى تعبير عن تناقضات بنيوية في تصميم النموذج نفسه، عبر وقائع موثقة وبيانات كمية وشهادات باحثين تابعوا الملف من زوايا متباينة.

 

من فاغنر إلى أفريقيا كور: إعادة هيكلة مؤسسية

تمرد يفغيني بريغوجين على القيادة العسكرية الروسية في حزيران 2023، ومات بعدها بشهرين في حادث تحطم طائرة غامض. من رحم هذا الانهيار أعادت وزارة الدفاع الروسية هيكلة الذراع الأفريقية لفاغنر تحت اسم جديد بإشراف الاستخبارات (Robert Lansing Institute, 2025؛ Grey Dynamics, 2025). الفارق ليس شكليًا: فاغنر كانت ذراعًا شبه مستقلة تتيح للكرملين إنكار مسؤوليته، بينما التبعية المباشرة لأفريقيا كور تجعل موسكو مسؤولة صراحة عن أي إخفاق (T2COM, 2025). لكن التبعية المؤسسية شيء، والأداء الفعلي شيء آخر. خبراء عسكريون أمريكيون خلصوا إلى أن ما جرى أقرب إلى تبديل يافطة منه إلى إصلاح: المهمة والمقاتلون أنفسهم، والأولوية الروسية بقيت معلقة على الجبهة الأوكرانية (RFE/RL, 2024). رقم واحد يلخص الانطباع: حين تحوّلت مالي رسميًا من فاغنر إلى أفريقيا كور في يونيو 2025، بقي نحو 70 إلى 80 بالمئة من العناصر القدامى في مواقعهم، ولم يتغير سوى الاسم (Sahel PMC Study, 2026).

ومن مالي امتد الكيان إلى بوركينا فاسو والنيجر وليبيا، وحلّ محل فاغنر بالكامل تقريبًا في أفريقيا الوسطى بحلول منتصف 2025، بعد ضغط روسي مباشر على حكومة بانغي (CNN, 2025).

 

 

سقوط كيدال: تحليل حالة

في 25 نيسان 2026 شنّ تحالف غير متوقع بين جبهة تحرير أزواد الطارقية و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بالقاعدة هجومًا منسقًا على عدة مواقع عسكرية في مالي، من بينها باماكو وكاتي، أسفر عن مقتل وزير الدفاع صادیو كامارا وزوجته وحفيدين له (Al Jazeera, 2026a). لكن الحدث الأكثر دلالة لم يكن أيًا من هذه الخسائر، بل سقوط كيدال، المدينة التي استعادتها القوات المالية بمساعدة روسية في 2023 بعد عقد من سيطرة المتمردين، وحُملت كدليل على نجاح الشراكة. في 2026 انقلبت هذه السردية بالكامل Stimson Center, 2026)).

انسحبت قوات أفريقيا كور من كيدال ومواقع مجاورة كأغيلهوك وتسّاليت وتسّيت وبير، بعد اتفاق تفاوضي مع جبهة تحرير أزواد (Al Jazeera, 2026a؛ SOFX, 2026). “خيانة”، هكذا وصفه مسؤولون ماليون نقلت عنهم الإذاعة الفرنسية الدولية، قالوا إن حاكم الإقليم حذّر من الهجوم قبل ثلاثة أيام دون استعداد كافٍ على الأرض (SOFX, 2026). موسكو لم تعترف بأي انسحاب شامل؛ المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أصرّ على مواصلة “مكافحة التطرف والإرهـ ـاب” في مالي، ورفض مطلب سحب القوات الروسية كليًا SOFX, 2026)).

 

قراءة في المعطيات الكمية

وقائع فردية مهما كانت درامية لا تكفي وحدها، فالأرقام أكثر إفصاحًا. بيانات مشروع “أكليد” (ACLED)، الذي يوثق أحداث النزاعات، تُظهر أن عدد المعارك التي خاضها المقاتلون الروس في مالي تراجع من 537 معركة عام 2024 إلى 402 عام 2025، ليهبط المعدل الشهري منذ 2026 إلى 24 حادثة فقط (Africa Defense Forum, 2026a). جزء من هذا التراجع مقصود؛ فأفريقيا كور تبنّى نهجًا أكثر تحفظًا من فاغنر في الاشتباك البري. لكن الأثر الجانبي كان مساحة أوسع للجماعات المسلحة.

والمفارقة أن تراجع وتيرة الاشتباك لم يعنِ رحمة أكبر بالمدنيين. بين كانون الثاني 2024 وحزيران 2025 خلّف عنف فاغنر أكثر من 1440 ضحية مدنية، أربعة أضعاف ما تسبب فيه تنظيم “نصرة الإسلام والمسلمين” (Africa Defense Forum, 2026a). بعبارة أخرى، لم يكن الثمن الإنساني لوجود المرتزقة الروس أقل من ثمن التمرد الذي جاؤوا لإخماده، بل تجاوزه غالبًا.

 

شهادات باحثين متابعين للملف

إيلاريا أليغروتزي، الباحثة المختصة بملف الساحل في هيومن رايتس ووتش، وثّقت في تقرير أواخر تموز 2026 غارة جوية لأفريقيا كور أسفرت عن ضحايا مدنيين في بلدة كيرنيا، وطالبت باماكو بتحقيق نزيه، محذرة من أن التقاعس يجعلها شريكة في الانتهاكات Al Jazeera, 2026b)). من نيجيريا، جاءت قراءة الباحث إسحاق إيديميتو أقرب إلى الاقتصاد السياسي: الجماعات الجهادية التي جاءت فاغنر لمواجهتها توسعت منذ الوصول الروسي، وانحياز مالي لموسكو أضعف التنسيق الأمني الإقليمي فيما تتقدم هذه الجماعات نحو سواحل جديدة كبنين وكوت ديفوار وتوغو (Africa Defense Forum, 2026a). وفي ألمانيا، رأى أولف لايسينغ من مؤسسة كونراد أديناور أن المشكلة أبسط: المرتزقة الروس لا يملكون معلومات استخباراتية كافية لتوقع الهجمات، ولا حماية المدن حين تُهاجَم، وغالبًا ما يفشلون في التمييز بين المقاتلين والمدنيين فيؤججون النزاع بدل إخماده (QuantoSei News, 2026). حقوقية تراقب من ميدان الانتهاكات، ومحلل يراقب التوازن الإقليمي، وباحث يراقب الأداء التكتيكي. ثلاثتهم يصلون إلى النتيجة نفسها: أفريقيا كور يعرف كيف يقاتل، لا كيف يبني ما بعد القتال.

 

 

العوامل البنيوية لتفكك النموذج

جزء كبير من المشكلة يكمن في تعريف المهمة نفسها. أفريقيا كور لم يُصمَّم لإعادة بناء دولة في أطراف شاسعة كشمال مالي؛ صُمم لحماية القادة في العاصمة وتأمين محاور النقل حولها، وهي مهمة أضيق بكثير مما تحتاجه بلاد بحجم مالي، خاصة أن قوامه لا يتجاوز بضعة آلاف. ثم هناك أوكرانيا، الجبهة التي تبقى الأولوية الحقيقية لموسكو من حيث الأفراد والعتاد، وكل عنصر يُرسل إلى الساحل هو موارد مقتطعة منها. هذا يفسر جزئيًا محدودية الانتشار الروسي في مالي.

وحين اضطر الكيان للتراجع بريًا، اتجه إلى الجو. الضربات الجوية قلّصت خسائره المباشرة، لكنها رفعت الكلفة الإنسانية والسياسية، كما توثقه تقارير حقوقية عن ضحايا مدنيين (Al Jazeera, 2026b). في المقابل، تملك جماعات مثل “نصرة الإسلام والمسلمين” ما لا يملكه المرتزقة الروس: شبكات استخبارية محلية عميقة، وحرية حركة في مناطق ريفية شبه محكومة، واقتصاد تهريب غير رسمي يمنحها صبرًا استراتيجيًا. لا تحتاج إلى كسب كل معركة، يكفيها أن تستنزف خصمها عبر السنوات، فالوقت في صفها.

 

البعد الاقتصادي: معادلة الأمن مقابل الموارد

خلف الواجهة العسكرية لأفريقيا كور معادلة تجارية بسيطة: حماية أمنية مقابل نفاذ إلى موارد التعدين، وفي القلب منها الذهب. بوركينا فاسو، رابع أكبر منتج للذهب في القارة، بات هذا القطاع يشكل نحو 77 بالمئة من صادراتها و16 بالمئة من ناتجها المحلي (Ecofin Agency, 2024). الحاكم العسكري إبراهيم تراوري أعلن سحب تراخيص شركات تعدين أجنبية باسم “السيادة الوطنية”، وهو خطاب يخدم إعادة توزيع الثروة على الشركاء الجدد (Notebookcheck, n.d).

والمشكلة أن هذه المعادلة تعمل في اتجاه واحد ما دام الأمن قائمًا. حين يتراجع، كما حدث في كيدال، تبقى الامتيازات الروسية كما هي، بينما تتحمل الحكومات وحدها الكلفة السياسية. وهذا قد يدفعها إلى إعادة النظر في جدوى صفقة لم تعد تفي بوعدها.

 

التداعيات الإقليمية والدولية

تعثر أفريقيا كور لا يبقى حبيس مالي. تحالف دول الساحل، الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، راهن على الشراكة الروسية كبديل عن الوجود الفرنسي السابق، وأي تعثر في أحد أطرافه يُقرأ حكمًا في العاصمتين الأخريين. وتقرير أممي في تموز 2026 أشار إلى أن أحداث مالي فتحت تساؤلات حول جدوى الاعتماد على شركاء أمنيين خارجيين (Security Council Report, 2026). لكن من المبكر إعلان نهاية النفوذ الروسي في القارة. متحدث باسم الاستخبارات الأوكرانية قال إن الحكم بأن روسيا “تخسر أفريقيا” سابق لأوانه، فموسكو تستثمر في نفوذ هجين يشمل منظمات دعائية وإعلامًا رقميًا في أكثر من عشرين دولة أفريقية (Kyiv Post, 2026). قد يتفكك الذراع العسكري إذن دون أن يعني هذا تفكك النفوذ الروسي ككل؛ ربما تعيد موسكو فقط توزيع رهانها بين القوة الصلبة وأدوات أنعم.

 

إلى أين من هنا؟

أحد الاحتمالات أن ينكفئ أفريقيا كور إلى حماية محاور حول باماكو والمدن الكبرى، متخليًا عن استعادة السيطرة على الأطراف الشمالية، أي يتحول من “شريك أمني شامل” إلى حارس ضيّق المهمة، وهذا بدأ يحدث بعد كيدال. احتمال آخر هو ازدياد اعتماد الكيان على الضربات الجوية؛ تقلّص خسائره لكنها ترفع الكلفة الإنسانية والسياسية، وقد تعمّق عزلة باماكو دون حل جذر المشكلة. يبقى احتمال ثالث، أقل ترجيحًا: أن تعيد حكومات الساحل التفكير في جدوى الاعتماد الحصري على شريك واحد، وتبحث عن توازن يشمل أطرافًا أخرى. غير أن هذا المسار تعترضه حساسية سياسية، إذ بنت هذه الحكومات شرعيتها على خطاب القطيعة مع الغرب.

 

خاتمة

ما تكشفه تجربة أفريقيا كور في مالي أن “الأمن بالوكالة” القائم على مرتزقة محدودين يصطدم بحدود بنيوية لا تحلها إعادة تسمية أو هيكلة إدارية. المشاركة في عملية هجومية شيء، وبناء استقرار يدوم شيء آخر. والولاء الذي تشتريه امتيازات التعدين لا يعادل الشرعية السياسية التي تحتاجها دولة تواجه تمردًا متجذرًا. بهذا المعنى، “نموذج التفكك” الذي حاول هذا المقال رسم ملامحه إطار تفسيري لمسار مرشح للاستمرار طالما بقيت الفجوة بين طموح موسكو في ترسيخ نفوذها الأفريقي ومواردها العسكرية المحدودة، في ظل استمرار أولوية الجبهة الأوكرانية. وستبقى الأشهر المقبلة اختبارًا حاسمًا لمعرفة ما إذا كان بإمكان الكرملين احتواء هذا التفكك.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى