الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
فخ الاستنزاف الأميركي.. الجيش بحاجة إلى تعزيز قدرته على الصمود

بقلم: ناديا شادلو
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
يمثل الاستنزاف السمة المميزة للصراعات الراهنة، فقد تحولت الحربان في أوكرانيا و”الشرق الأوسط” إلى صراعين مرهقين حول قدرة كل طرف على إنهاك القدرات العسكرية والموارد الاقتصادية والإرادة السياسية للطرف الآخر، وبالطبع لكل منهما خصائصه الفريدة غير أن مساريهما المتشابهين يعكسان تحولاً أعمق في الكيفية التي تدور بها الحروب اليوم. فعلى امتداد الحرب في أوكرانيا امتلكت أطقم المدفعية مراراً المدافع وتمكنت من تحديد مواقع أهدافها لكنها افتقرت إلى القذائف اللازمة لإطلاق النار، كما اكتشف المهندسون الأوكرانيون أن الأنواع الجديدة من الطائرات المسيّرة تواجه إجراءات مضادة روسية في غضون أسابيع ما يقوض أي ميزة تحظى بها لفترة وجيزة، وفي إيران تمكنت الولايات المتحدة من إضعاف القدرات العسكرية لخصمها وتدمير منشآت نووية عميقة التحصين لكنها أخفقت في حل المشكلة السياسية التي جعلت تلك الأسلحة مصدر تهديد في المقام الأول.
وتوضح كل واحدة من هذه الديناميات فجوة مختلفة تساعد في تفسير سبب لجوء الدول بصورة متزايدة إلى استراتيجيات الاستنزاف أو وقوعها في شركها، تتمثل الفجوة الأولى في الفرق بين القدرات العسكرية التي تمتلكها الدول على الورق والقوة التي تستطيع فعليًا نشرها والحفاظ عليها، أما الثانية فتتمثل في الفجوة بين المبادئ التقليدية للحرب وساحة المعركة الحديثة حيث تجعل التكنولوجيا تحقيق اختراقات حاسمة أمرًا متزايد الصعوبة، وتتمثل الثالثة في الفجوة بين الوسائل العسكرية والغايات السياسية التي يُفترض أن تحققها. وتدفع هذه الاختلالات مجتمعةً الحروب نحو الاستنزاف فعندما تعجز الدول عن توليد قدر كافٍ من القدرات العسكرية وتجديدها بما يمكّنها من التغلب على العدو تتحول الحرب إلى اختبار للقدرة على التحمل، وعندما تصبح الاختراقات الحاسمة بعيدة المنال يصبح السعي إلى تحقيق مكاسب تدريجية وتدمير قدرات العدو بصورة مطردة أمرًا أكثر جاذبية، وعندما تكون الأهداف السياسية النهائية للأطراف المتحاربة غامضة للغاية أو قصوى قد يبدو الاستمرار في إلحاق الخسائر بالطرف الآخر إلى أجل غير مسمى الخيار الوحيد المتاح بدلًا من الاستسلام. ويمثل ذلك تحديًا خاصًا للولايات المتحدة، فمع تزايد سعي القادة الأمريكيين إلى تنفيذ عمليات عسكرية قصيرة وحاسمة قد تجد الولايات المتحدة نفسها بصورة متزايدة في مواجهة خصوم يرون في إطالة أمد الصراعات ميزةً لهم، وقد لا تختار الولايات المتحدة خوض حروب استنزاف لكنها يجب أن تكون مستعدة للقتال والانتصار في حروب يختار خصومها خوضها على هذا النحو.
الطريق الطويل والمرهق
تقاس القوة العسكرية تقليدياً بما تمتلكه الدول من قدرات مثل القوات والمنصات القتالية ومخزونات الذخائر، غير أن الحروب الأخيرة كشفت عن فجوة بين القوة العسكرية الاسمية والقدرة العسكرية القابلة للاستخدام، ففي كتابه الصادر عام 2015 بعنوان “كيف انتُصرت الحرب” جادل المؤرخ فيليب أوبراين بأن الانتصار في المعارك الكبرى التي استحوذت على خيال الرأي العام حتى خلال الحرب العالمية الثانية أصبح أقل أهمية من السيطرة على ما أسماه “ساحة المعركة الكبرى” أي الامتداد الهائل من المصانع وخطوط الإمداد التي تُنتج القوة العسكرية وتنقلها، ومنذ تلك الحرب ازدادت أهمية القدرة على توليد القوة العسكرية والحفاظ عليها، فالجيوش الحديثة تستهلك المعدات والمواد بوتيرة هائلة فيما أصبحت خصومها أكثر قدرة على تعطيل شبكات الإنتاج والإمداد اللازمة لتعويض ما يُستهلك منها.
عندما غزت روسيا أوكرانيا مجددًا في أوائل عام 2022 بدا أنها تمتلك تفوقًا عسكرياً ساحقاً، وقبل أيام من الغزو أبلغ رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية المشرعين بأن كييف قد تسقط في غضون 72 ساعة من بدء هجوم واسع النطاق وقال قادة أوكرانيون لصحيفة “نيويورك تايمز” إنهم يعتقدون أن قواتهم لا تملك فرصة تُذكر في مواجهة أكثر من 100 ألف جندي روسي احتشدوا على حدود بلادهم، غير أن روسيا لعجزها عن تحويل مواردها الهائلة سريعًا إلى قوة قتالية مستدامة على الجبهة أخفقت في توظيف قدراتها العسكرية بفاعلية والاستيلاء على كييف. لكن احتياطياتها من المعدات والقوى البشرية مكّنت روسيا من تجاوز انتكاساتها المبكرة فقد استطاعت حشد مزيد من الأفراد والاستفادة من مخزونات كبيرة من الذخائر وزيادة إنتاج الأسلحة واللجوء إلى شركاء مثل كوريا الشمالية لمواصلة القتال، وطورت روسيا نظرية للنصر تقوم على أنها لا تحتاج إلى هزيمة أوكرانيا بصورة حاسمة إذا تمكنت من التفوق عليها في القدرة على التحمل وإنهاكها بمرور الوقت ريثما يضعف الالتزام السياسي لأوروبا والولايات المتحدة، وقد منح الاستنزاف روسيا ميزة عسكرية كما كشف عن مشكلة مختلفة لدى داعمي أوكرانيا الأقوياء في حلف شمال الأطلسي: فالقوة العسكرية الإجمالية لا تتحول بالضرورة إلى قدرة على خوض حرب طويلة الأمد عالية الاستهلاك والحفاظ عليها.
تمتلك الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي قوة اقتصادية وعسكرية أكبر بكثير من روسيا غير أن حرب الاستنزاف تقيس القوة بطريقة مختلفة، فلا يمكن إطلاق الناتج المحلي الإجمالي من فوهات المدافع كما أن إجمالي الإنفاق الدفاعي لا يستطيع بحد ذاته اعتراض الصواريخ، ولم تُبنَ الصناعات الدفاعية لشركاء أوكرانيا على أساس الإنتاج السريع للذخائر وتعويض المستهلك منها بل نُظمت وفق متطلبات الإنتاج في زمن السلم، ولذلك واجهت صعوبة في تحويل إمكاناتها الكامنة بالسرعة الكافية إلى قذائف وصواريخ اعتراضية وغيرها من القدرات العسكرية القابلة للاستخدام. وهكذا واجهت روسيا وحلف شمال الأطلسي فجوة القدرة العسكرية بطرائق متناقضة تقريبًا، فقد امتلكت روسيا في البداية القدرة العسكرية من دون فعالية تتناسب معها، في حين امتلك داعمو أوكرانيا الفعالية العسكرية من دون عمق كافٍ يتيح لهم خوض حرب طويلة الأمد.
وقد قدم الصراع بين القوات الأمريكية و”الإسرائيلية” ** وإيران تجسيدًا مختلفًا لهذه الدينامية فلم تكن القوة العسكرية التقليدية لإيران تضاهي قوة “إسرائيل” أو الولايات المتحدة لكن طهران أمضت عقودًا في بناء قدرات عسكرية تمكنها من تعويض تفوق خصومها التقليدي من خلال إنشاء قدرات عسكرية خارج أراضيها، فقد أتاحت شبكة الوكلاء التابعة لإيران التي تُسمى أحيانًا “حلقة النار” لطهران ممارسة الضغط على جبهات متعددة وإجبار “إسرائيل” والولايات المتحدة على استنزاف الصواريخ الاعتراضية والحفاظ على وتيرة عملياتية مرتفعة، كما كشف استخدام إيران للطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة عن حدود الصواريخ الاعتراضية الباهظة الثمن والسفن المكلفة والطائرات المتطورة، وفي استراتيجية الاستنزاف هذه لا تحتاج إيران سوى إلى مواصلة إيقاع الخسائر بخصومها وتجديد قدراتها التي تفقدها.

التكيّف أو الموت
عشية الغزو الروسي لأوكرانيا أشاد أحد الجنرالات الأمريكيين بـ”قوة موسكو المتعلمة والقادرة على التكيف”، وأثبتت أوكرانيا قدرتها على التكيف بوتيرة أسرع حتى من ذلك غير أن سرعة التكيف لدى البلدين أفضت إلى مفارقة إذ أصبحت المزايا التي كان يمكن أن تتيح في السابق تحقيق اختراق حاسـم مؤقتة، ولم يتمكن أي من الطرفين من الحفاظ على تفوقه لفترة تكفي لتحقيق نتائج حاسمة. وهذه هي الفجوة الثانية. فمع تغير ساحات المعارك بفعل التكنولوجيا أصبح تطبيق المبادئ التقليدية لتحقيق التفوق العسكري – مثل تحريك القوات وحشد القوة القتالية – أكثر صعوبة بما يدفع الحروب نحو الاستنزاف، ففي عصر الطائرات المسيّرة قد تجعل حشود القوات اكتشافها وتدميرها أكثر سهولة كما يمكن رصد تجمعات القوات والإمدادات اللازمة للمناورة واسعة النطاق واستهدافها قبل تحقيق أي اختراق، وأصبح عنصر المفاجأة أكثر صعوبة في ساحة معركة تخضع للمراقبة المستمرة، ويتيح التقدم التكنولوجي فرصاً جديدة بصورة متواصلة لكن التكيف المضاد سرعان ما يلغي هذه المزايا.
وبالطبع فإن سرعة التكيف أثناء الحرب ليست أمراً جديداً لكن المتغير هو السرعة التي يمكن بها جعل التكتيكات والعمليات المبتكرة غير فعالة، ففي أوكرانيا تمتد حلقة التعلم مباشرة من ساحة المعركة إلى المهندسين والمصنعين ثم تعود مجددًا إلى ساحة المعركة، وتتيح رموز الاستجابة السريعة للقوات على الأرض نقل مشكلات مثل أعطال الطائرات المسيّرة مباشرة إلى فرق الدعم لدى الشركة المصنعة للطائرات المسيّرة التي يمكنها بعد ذلك تعديل عمليات الإنتاج بسرعة. وقد وصف مصنعو الطائرات المسيّرة الأوكرانيون دورات البحث والتطوير بأنها تستغرق أسابيع فمع نجاح التشويش الروسي والطائرات المسيّرة الأسرع في التغلب على الأنظمة القائمة يعمد المصنعون إلى تغيير الترددات وهياكل الطائرات وأنظمة الدفع ثم يدفعون بالأنظمة المعدلة نحو الإنتاج، وكما لاحظ الخبير الاستراتيجي في شؤون الدفاع جان كاسابوغلو في تموز “اندُمجت الأنظمة غير المأهولة وبيانات القتال والقيادة البشرية في سلاسل قتل تعمل بسرعة غير مسبوقة”، ما يعني أن الحرب في أوكرانيا “تطورت من تنافس ضيق بين المنصات إلى معركة تدور بسرعة الآلة وتوجهها الخوارزميات”.
كما تغير التكنولوجيا طريقة تطبيق المبادئ التقليدية للحرب في “الشرق الأوسط” ولنأخذ الحشد مثالاً على ذلك، فقد استخدمت “إسرائيل” والولايات المتحدة المعلومات الاستخبارية والأسلحة الدقيقة والضربات بعيدة المدى لحشد التأثيرات دون الحاجة إلى حشد القوات فعلياً، أما إيران فقد طبقت المبدأ نفسه بطريقة مختلفة مستخدمة رشقات كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة لإغراق الدفاعات المتطورة، وبما أن كلا الطرفين قادر على إحداث تأثيرات مركزة بصورة مستمرة من دون حشد القوات يصبح تدمير قدرة العدو على مواصلة القتال أكثر صعوبة، ومن ثم يتحول الصراع نحو عمليات تبادل متكررة وإعادة الإمداد والقدرة على التحمل وبهذا المعنى يمكن أن يؤدي التكيف السريع إلى تعزيز الاستنزاف.
تغيير الأهداف
تتمثل الفجوة الاستراتيجية الثالثة وربما الأصعب في أن الوسائل العسكرية المستخدمة في الحروب الراهنة لا تحقق النتائج السياسية المنشودة، وينطبق ذلك على كل من الحرب الروسية ضد أوكرانيا والمواجهة الأوسع في “الشرق الأوسط” التي تشمل الولايات المتحدة و”إسرائيل” وإيران وحلفاء إيران في المنطقة ففي هذه الحروب لا تسعى الأطراف المتحاربة إلى إجراء تعديلات محدودة على الحدود الإقليمية أو إحداث تغييرات محدودة في سلوك الخصم بل تدور الحروب حول أهداف طموحة لا تقبل المساومة، فروسيا ترفض قبول أوكرانيا خارج نطاق سيطرتها فيما تقاتل أوكرانيا دفاعًا عن حقها في الوجود دولةً مستقلة وتواجه “إسرائيل” خصومًا ينكرون حقها في الوجود، وترى الولايات المتحدة و”إسرائيل” في امتلاك إيران سلاحًا نوويًا تهديدًا جوهريًا لتوازن الأمن الإقليمي في حين ترى إيران أن برنامجها النووي ودورها الإقليمي يمثلان عنصرين أساسيين لأمنها وقوتها. وتترك هذه الرهانات الهائلة مجالًا ضيقًا للتسوية ما يجعل الحروب عصية على الحل بدرجة كبيرة فالاستنزاف يفرض تكاليف بشرية ومادية باهظة من دون أن يؤدي على ما يبدو إلى تضييق هوة الخلافات السياسية، ومع اقتراب عام 2022 كانت أوكرانيا غارقة أصلًا في الصراع الممتد الذي بدأ عام 2014 عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم والذي كان قد وصل إلى حد كبير إلى حالة من الجمود فلم يتخذ حلف شمال الأطلسي قراراً بدفع روسيا إلى العودة إلى حدود ما قبل عام 2014، وبعد الغزو الروسي في عام 2022 لم تجعل أوروبا والولايات المتحدة إخراج روسيا من الأراضي الأوكرانية هدفاً سياسياً صريحاً كما لم تحددا تسوية سياسية بديلة، وبدلًا من ذلك غالباً ما عبّرتا عن أهدافهما في صورة مبادئ مثل دعم سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها “ما دام ذلك ضرورياً” ورفض مكافأة العدوان الروسي غير أن الاستراتيجية العسكرية تحتاج لكي تكون فعالة إلى أن تستند إلى حالة نهائية سياسية محددة وقابلة للتحقيق. وكان هذا الغموض مفهوماً إذ إن تحديد هدف ملموس والالتزام بالوسائل العسكرية اللازمة لتحقيقه كان ينطوي على خطر دفع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، لكن النتيجة تمثلت في استراتيجية عسكرية منفصلة عن الاستراتيجية السياسية، أي الاكتفاء بمنع هزيمة أوكرانيا وفرض تكاليف على روسيا إلى أجل غير مسمى.
وفي “الشرق الأوسط” ظهرت مشكلة مماثلة فقد فرض استخدام القوة العسكرية تكاليف هائلة على كل من حماس وإيران وألحق دمارًا بمنشآتهما العسكرية وقتل قادتهما، لكنه لم يدفع أيًا منهما إلى الاستسلام وفي بدايات الحرب “الإسرائيلية” ضد حماس جادل غراهام أليسون وعاموس يادلين في مجلة “فورين أفيرز” بأن “إسرائيل” هزمت حماس لأنها قتلت معظم قادتها العسكريين وأكثر من نصف مقاتليها، غير أن تدمير القدرة العسكرية للعدو لا يساوي تهيئة الظروف السياسية اللازمة لإنهاء الصراع بصورة مستدامة.
وقد استخدمت إيران السياسة – وفي هذه الحالة الضغط الدولي – أداةً في حربها القائمة على الاستنزاف وسعت إلى إضعاف الدعم الدولي “لإسرائيل” وإنشاء حلقة سياسية من الضغط حول خصمها، وكشفت أفريل هاينز مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية في عهد الرئيس جو بايدن في تموز 2024 أن جهات مرتبطة بالحكومة الإيرانية كانت تنتحل صفة ناشطين على الإنترنت وتشجع الاحتجاجات المتعلقة بغزة وتقدم دعمًا ماليًا للمتظاهرين في الولايات المتحدة، وقد زادت المؤسسات الدولية والعديد من الحكومات الأوروبية والرأي العام في مختلف أنحاء العالم الضغط على “إسرائيل” فيما تعمقت عزلتها، وكان لذلك تداعيات استراتيجية فعلى الرغم من أن “إسرائيل” أثبتت قدرتها على تحقيق تفوق عسكري فإنها واجهت صعوبة في تحويل تلك الانتصارات إلى بيئة سياسية إقليمية أكثر ملاءمة، وتدهورت علاقاتها مع الحكومات الأوروبية وحكومات أجنبية أخرى وأصبحت هذه الانقسامات تعقد النقاشات الدولية بشأن ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.
كسر النمط
تفرض حروب الاستنزاف على الولايات المتحدة معضلة استراتيجية خاصة فقد خططت وزارة الدفاع الأمريكية لعمليات عسكرية قصيرة وحاسمة وغالبًا ما يتعهد القادة السياسيون في واشنطن بتنفيذها، غير أن خصوم الولايات المتحدة اليوم يمتلكون الوسائل والحوافز اللازمة لمنعها من خوض هذا النوع من الحروب وإطالة أمد الصراعات، على أمل أن يتمكنوا من إعادة بناء قدراتهم العسكرية وفرض تكاليف والتفوق على الإرادة السياسية الأمريكية في القدرة على التحمل. وفي الوقت نفسه بنت الولايات المتحدة قوة عسكرية تعتمد بدرجة كبيرة على أعداد محدودة نسبيًا من منظومات الأسلحة المتطورة والمكلفة وعلى قاعدة صناعية لا تستطيع استبدال كثير من هذه المنظومات بسرعة وعلى استراتيجيات تترك في كثير من الأحيان الظروف السياسية اللازمة لتحقيق النصر من دون معالجة، ويبذل مخططو الدفاع الأمريكيون بعض الجهود لتغيير الوضع العسكري لكن ذلك سيستغرق وقتاً، ولا يكمن الخطر في عجز الولايات المتحدة عن الانتصار في حرب استنزاف بل في أنها لا تزال تنظم قواتها وقدراتها العسكرية على أساس افتراض أنها لن تضطر إلى خوض مثل هذه الحرب.
وقبل نحو أربعة عقود اقترح المفكر العسكري إدوارد لوتواك استراتيجية أطلق عليها “المناورة العلائقية” تركز على مهاجمة التماسك الداخلي للعدو وقدرته على العمل بدلًا من مجرد إنهاك قواته، ومؤخراً ألمحت إدارة ترامب إلى أنها قد تحاول تبني استراتيجية من هذا النوع في مواجهة إيران، وتهدف عملية “الضغط الاقتصادي” التي أُطلقت حديثاً إلى شن ما وصفه وزير الخزانة سكوت بيسنت بأنه “هجوم اقتصادي واسع على الروابط المالية لإيران في مختلف أنحاء العالم”. وتأمل ان يؤدي هذا الضغط الأوسع إلى إضعاف القدرات الايرانية أو التسبب في تراجع صمود النظام السياسي الايراني في نهاية المطاف إذا امتلكت الولايات المتحدة الإرادة السياسية اللازمة لمواصلة هذا الضغط، غير أنه لا يمكن افتراض أنها ستفعل ذلك إذ ستختبر ارتفاعات أسعار الطاقة وغيرها من التكاليف الاقتصادية استعداد واشنطن لمواصلة الضغط بمرور الوقت، وقد تكون النتيجة الأكثر واقعية في إيران هي استمرار حالة الجمود من دون حسم.
ويتطلب كسر هذا النمط تغييراً في طريقة التفكير في واشنطن فعلى القادة العسكريين الأمريكيين بناء القوات والمفاهيم العسكرية على افتراض أن الحروب المستقبلية من غير المرجح أن تُحسم بسرعة في حين يتعين على القادة السياسيين أن يكونوا أكثر واقعية بشأن إمكانية تحقيق الأهداف التي يحددونها باستخدام القوة العسكرية وحدها وفي إطار زمني قصير ولن تكون هذه التعديلات سهلة، أما الاحتمال الأكثر خطورة فهو أن تواصل الولايات المتحدة الانزلاق إلى صراعات استنزاف لأن تكلفتها تبدو في البداية قابلة للتحمل حتى في الوقت الذي تتراكم فيه التكاليف البشرية والاقتصادية، وقد يرفض الأمريكيون فكرة “الحروب التي لا تنتهي” لكن خصوم الولايات المتحدة لديهم كل الحوافز لمنعها من خوض الصراعات القصيرة والحاسمة التي تفضلها وحتى الحروب التي تبدو قابلة للاستمرار نسبيًا قد يكون من الصعب جدًا وضع حد نهائي لها.



