الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
العنف بلا وجه: في تحييد الإنسان وتآكل المسؤولية الأخلاقية في الحرب الحديثة

غزة بوصفها اختبارًا فلسفيًا لعلاقة الإنسان بالعنف والآخر والمسؤولية
بقلم: نور نبيه جميل
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
لم يكن العنف يومًا مجرد استخدام للقوة ضد جسد الإنسان، وإن كان الجسد هو أكثر تجلياته وضوحًا. فمنذ أن دخل العنف المجال السياسي أصبح مرتبطًا بالسؤال عن السلطة والإنسان والآخر والحق في إخضاعه، ثم أخذ مع تطور الدولة الحديثة أشكالًا أكثر تعقيدًا تجاوزت لحظة القتل المباشر إلى منظومات قادرة على تنظيم الضرر وتوزيع مسؤوليته وإخفاء آثاره داخل اللغة والمؤسسة والتقنية. ولذلك فإن التفكير في العنف لا يستقيم إذا اقتصر على سؤال كيف يُقتل الإنسان؟ بل ينبغي أن يتجه إلى السؤال الأعمق: كيف يصبح الإنسان قابلًا لأن يُعامل بوصفه موضوعًا للعنف؟
تكمن خطورة الحرب الحديثة في أنها لا تزيد قدرة الإنسان على إلحاق الضرر بالآخر فحسب، وإنما تزيد أيضًا المسافة بين الفعل ونتيجته وبين صاحب القرار وضحيته. فكلما أصبح العنف أكثر تنظيمًا وتقنيةً وبيروقراطية، أصبح من الممكن أن يتحول من فعل يواجهه الضمير مباشرة إلى إجراء تؤديه منظومة واسعة من الفاعلين، بحيث يتراجع حضور الإنسان أمام حضور الهدف والمهمة والضرورة والحسابات الأمنية. وعند هذه النقطة لا يعود السؤال عن العنف سؤالًا عسكريًا فقط، وإنما يصبح سؤالًا فلسفيًا عن المسؤولية وعن حدود قدرة السياسة الحديثة على تحويل الإنسان من غاية إلى وسيلة.
تأتي غزة في هذا السياق بوصفها اختبارًا معاصرًا لهذه الإشكالية؛ لأنها تختصر لا فلسفة العنف، ولا لأن نظرية فلسفية واحدة تستطيع تفسير ما يحدث فيها، وإنما لأن اتساع نطاق الدمار والقتل والنزوح وانهيار شروط الحياة يكشف أن العنف قد يتجاوز فعل إزهاق الحياة إلى إعادة تشكيل المجال الذي تصبح فيه الحياة نفسها ممكنة. ومن هنا يحاول هذا المقال أن ينتقل من العنف بوصفه فعلًا يقع على الإنسان إلى العنف بوصفه منظومة تعيد تعريف الإنسان وموقعه الأخلاقي داخل الحرب، وأن يفحص، عبر عدد من المقاربات الفلسفية والسياسية، كيف يمكن للعنف أن يفقد وجهه الإنساني كلما ازداد تنظيمًا وعقلنةً وقدرةً على الاختباء خلف المؤسسة والتقنية.
لذا يبدأ السؤال الذي سيحكم هذا المقال بأكمله: ماذا يحدث للإنسان عندما تصبح القدرة على إيذاء الآخر أكبر من القدرة على رؤيته بوصفه إنسانًا؟
-
حين يتجاوز العنف الجسد – من الفعل المباشر إلى البنية التي تُنتج الضرر
يبدو العنف في صورته الأولى فعلًا واضح الحدود؛ جسد يُصاب، منزل يُدمّر، سلاح يُستخدم، أو حياة تُنتزع. غير أن هذه الصورة، على وضوحها، تختزل العنف في لحظة ظهوره ولا تكشف كامل بنيته السياسية. فالعنف ليس مجرد قوة تُستخدم لإحداث الأذى، وإنما هو علاقة تُفرض فيها إرادة على إنسان آخر عبر الإكراه أو التهديد أو إلحاق الضرر، ولذلك فإن فهمه يتطلب الانتقال من السؤال عن الفعل الذي وقع إلى السؤال عن الشروط التي جعلت وقوعه ممكنًا واستمرار آثاره قابلًا للتكرار. ومن هذه الزاوية يصبح العنف مفهومًا يتجاوز الجسد إلى المجال الذي يعيش فيه الإنسان، ويتجاوز اللحظة إلى الزمن، ويتجاوز الفاعل المباشر إلى البنية التي قد تجعل الضرر نتيجة طبيعية لمسار سياسي أو عسكري كامل.
وقد ظل الفكر السياسي الكلاسيكي يربط العنف في جانب كبير منه بالقوة والإكراه. غير أن التمييز بين القوة والعنف يكتسب أهمية خاصة عند حنّة آرنت، التي رفضت مساواتهما بصورة مطلقة؛ فالقوة، في تصورها، ترتبط بقدرة البشر على الفعل المشترك، بينما يرتبط العنف بالأدوات التي تستخدم لإخضاع الآخر وإجباره. ومن ثم فإن العنف لا يكتسب معناه من مقدار القوة التي يمتلكها الفاعل فقط، وإنما من الطريقة التي تتحول بها القوة إلى وسيلة لفرض الإرادة. وهذه النقطة تفتح الطريق أمام فهم أكثر تركيبًا للحرب الحديثة؛ إذ إن امتلاك الدولة تفوقًا عسكريًا هائلًا لا يعني أن العنف يختزل في السلاح ذاته، بل يعني أن هناك منظومة سياسية ومؤسسية تحدد متى يستخدم السلاح وضد من وكيف وبأي مبررات، الأمر الذي يجعل العنف جزءًا من بنية القرار السياسي وليس مجرد حدث منفصل عنه.
ومن هنا جاء التوسع المهم في دراسة العنف مع يوهان غالتونغ الذي ميز بين العنف المباشر والعنف البنيوي، ثم ربط به مفهوم العنف الثقافي الذي يفسر الكيفية التي تستطيع بها الأفكار والخطابات والرموز أن تمنح العنف شرعية أو تجعل ممارسته أقل إثارة للاعتراض. ويكشف هذا التصور أن الإنسان يمكن أن يتعرض للعنف من خلال أكثر من طريق؛ فقد يكون العنف مباشرًا حين يُقتل أو يُصاب، وقد يكون بنيويًا حين يعيش داخل شروط اجتماعية وسياسية تحرمه من إمكانات أساسية للحياة، وقد يكون ثقافيًا حين تُبنى صورة تجعل حرمانه أو إخضاعه أو إيذاءه يبدو مبررًا أو ضروريًا أو أقل أهمية من مصالح أخرى. وهذه المستويات لا تعمل بالضرورة منفصلة، بل يمكن أن تتداخل بحيث يصبح العنف المباشر أكثر قابلية للاستمرار عندما تحيط به بنية تسمح له، وخطاب يمنحه تفسيرًا أو تبريرًا.

وتكشف غزة بوضوح أهمية هذا التفريق؛ فالقصف والقتل والإصابة تمثل الشكل المباشر للعنف، لكنها لا تستنفد معناه. فعندما يتعرض المنزل للدمار لا ينتهي أثر العنف عند انهيار البناء، لأن الإنسان الذي كان يعيش فيه يفقد في اللحظة نفسها مكان السكن والأمان والخصوصية وشبكة العلاقات التي ارتبطت به. وعندما تتضرر منشأة صحية فإن الضرر لا يقع على المبنى وحده، وإنما يمتد إلى قدرة المجتمع على علاج المرضى والمصابين، وعندما تتعطل شبكات المياه أو تتضرر البنية التحتية فإن آثار ذلك تنتقل من المجال المادي إلى شروط الحياة اليومية. وبهذا يصبح العنف أشبه بسلسلة تبدأ بفعل مباشر ثم تنتج عنه أضرار متتابعة قد لا يكون لها فاعل مباشر يمكن رؤيته في كل لحظة، لكنها تظل مرتبطة بالفعل الأصلي وبالبنية التي سمحت بوقوعه.
وتؤكد البيانات الأممية الحديثة أن حجم الضرر في غزة لا يمكن فهمه فقط من خلال أعداد القتلى والجرحى. ففي تقييم أممي صدر في حزيران 2026، قُدّر أن نحو 82 في المائة من منشآت غزة تعرضت لأضرار، بينها أكثر من 134 ألف منشأة مدمرة، كما تضررت مئات آلاف الوحدات السكنية. وفي الوقت نفسه ظلت منظومات الصحة والمياه وإعادة التأهيل تعمل تحت ضغط شديد، بينما أظهرت التقارير الإنسانية أن نحو 90 في المائة من السكان واجهوا اضطرابات متكررة في الوصول إلى المياه الآمنة. هذه الأرقام لا ينبغي النظر إليها بوصفها قائمة بالخسائر المادية فحسب، لأنها تكشف شيئًا أعمق يتعلق بطبيعة العنف نفسه؛ فحين تتضرر البنية التي توفر الماء والصحة والسكن فإن العنف لا يعود مجرد فعل يستهدف الإنسان في لحظة معينة، وإنما يصبح قادرًا على التأثير في الشروط التي تسمح له بأن يستمر في الحياة بعد لحظة الإصابة أو النجاة.
لقراءة الورقة التحليلية كاملاً وتحميل الملف أدناه:



