الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

العلاقة بين الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة

بقلم: أ.د. عبير سهام مهدي

 

نظراً لمعاناة الكثير من دول العالم من مشاكل تغير المناخ والاحتباس الحراري واستخدام الوقود الحيوي في انتاج الطاقة والتأثير السلبي على انتاج الغذاء بالإضافة الى إهدار الموارد الطبيعية والفجوة بين الأغنياء والفقراء والنقص الشديد في المياه بحلول 2050، فضلاً عن الأزمة المالية العالمية التي اجتاحت العالم 2008 ومع تزايد الضغوط على البيئة نتيجة الالتزامات والنشاطات المختلفة التي تخدم الاقتصاد خاصة في الدول الصناعية الكبرى.

كل هذه المظاهر جعلت دول العالم في حاجة ماسة إلى تغيير بيئة الاقتصاد (البني او الأسود) واتخاذ ما يلزم من تدابير للحد من مخاطر الازمات والصدمات التي تزداد تأصلاً فى النموذج التقليدي الحالي المتبع في التنمية  والذي أهمل المنظور البيئي في التنمية الاقتصادية.

وقد حمل برنامج الأمم المتحدة للبيئة لواء التغيير فكانت مبادرته الخاصة عام 2008 بالتوجه نحو الاقتصاد الأخضر الذي يعد نموذجاً جديد من نماذج التنمية الاقتصادية ويمثل محركاً جديد لتعزيز النمو الاقتصادي والتنمية وخلق فرص عمل جديدة وتدعيم المساواة الاجتماعية والاعتماد على الطاقة المتجددة والنظيفة التي تحافظ على البيئة من التلوث والمحافظة على حق الأجيال القادمة في التنمية وتعزيز كفاءة استخدام الموارد الاقتصادية، وتوفير مناخ آمن خالي من الكربون يحقق الرفاهية للبشرية وأصبح هذا التوجه الجديد الذى يربط بين الاقتصاد والبيئة والإنسان مطلب أساسي وضروري.

 

عليه قسمت هذه الورقة الى 3 محاور
تناول المحور الاول، مفهوم الاقتصاد الاخضر واهميته  / أ
ما المحور الثاني فقد كرس لمناقشة متطلبات التحول الى الاقتصاد الاخضر / فيما يتناول المحور الثالث العلاقة بينهما.

 

المحور الأول: مفهوم الاقتصاد الاخضر

يعرف برنامج الامم المتحدة الاقتصاد الاخضر بانه: الاقتصاد الذي يؤدي الى تحسين رفاهية الانسان، وتحقيق الانصاف الاجتماعي مع العناية في الوقت نفسه بالحد من المخاطر البيئية، وحالات الشح الايكولوجي، ويؤكد برنامج الامم المتحدة للبيئة من خلال تعريفه للاقتصاد الاخضر على ضرورة مراعاة التفاعلات بين الاقتصاد الاخضر والمجتمع والبيئة، وهذا يعني انه يمكن النظر للاقتصاد الاخضر في ابسط  صورة على انه اقتصاد تقل فيه انبعاثات الكاربون وتزداد فيه كفاءة استخدام الموارد كما يستوعب جميع الفئات الاجتماعية، وفي الاقتصاد الاخضر يجب ان يكون النمو في الدخل وفرص العمل مدفوعاً من جانب الاستثمارات العامة والخاصة التي تعمل على تقليل انبعاثات الكاربون والتلوث البيئي (1).

ظهر المصطلح لأول مره عام 1989 في تقرير من قبل مجموعة من الاقتصاديين البيئيين الرائدين في المملكة المتحدة بعنوان مخطط للاقتصاد الاخضر واصبح لاحقاً احد فروع الاقتصاد.

جرى احياء المصطلح عام 2008 في سياق المناقشات حول استجابة السياسات للازمات العالمية المتعددة وحدد برنامج الامم المتحدة للبيئة المجالات المحددة التي يمكن ان يطلق فيها الاستثمار العام الواسع النطاق للاقتصاد الاخضر وهي ستة قطاعات: الطاقة المتجددة، المباني الخضراء، النقل المستدام وادارة المياه وادارة النفايات(2) .

 

تكمن اهمية الاقتصاد الاخضر(3) في:

  1. تعزيـز النمـو الاقتصادي وخلـق فـرص العمـل: يسـهم الاقتصاد الأخضر في تعزيـز النمـو الاقتصادي مـن خلال تطويــر قطاعــات جديــدة تعتمــد علــى التكنولوجيــا البيئيــة والاســتدامة، ممــا يخلــق فــرص عمــل جديــدة ويســهم في تحســين الاستقرار الاقتصادي.

  2. حمايــة البيئــة والتغلــب علــى التحديــات البيئيــة: يقلــل الاقتصاد الأخضر مــن انبعاثــات الغــازات الدفيئــة ويســاهم في مكافحــة التغيــر المناخــي والحفــاظ علــى البيئــة الطبيعيــة.

  3. المحافظــة علــى التنــوع البيولوجــي: يســاعد الاقتصاد الأخضر في الحفــاظ علــى التنــوع البيولوجــي والحفــاظ علــى النظــم الإيكولوجية الحيويــة.

  4. زيـادة كفـاءة اسـتخدام المـوارد والحـد مـن التلـوث: يشـجع الاقتصاد الأخضر علـى اسـتخدام المـوارد بكفـاءة أعلــى ويقلــل مــن الإنفاق الزائــد علــى مــوارد محــدودة، كمــا يســهم في تقليــل التلــوث البيئــي.

  5. تحســين صحــة ورفاهيــة الســكان: يســهم الاقتصاد الأخضر في تحســين جــودة الهــواء والميــاه والغــذاء، ممــا يــؤدي الى تحســين صحــة ورفاهيــة الســكان.

 

المحور الثاني: متطلبات التحول الى الاقتصاد الاخضر

هناك مجموعة من الخطوات الواجب اتباعها للوصول الى الاقتصاد الاخضر لعل اهمها:(4)

  1. تهيئة استراتيجية شاملة للتحول نحو الاقتصاد الاخضر بمساهمة القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني بأهداف واضحة ومحدداً ومؤشرات قابلة للقياس.

  2. تحقيق اهداف التنمية المستدامة من خلال الاهتمام بتنمية المناطق الريفية وتحقيق التنمية المتوازنة بين المدن والاطراف وخلق فرص عمل لتلك المناطق.

  3. اعادة النظر ومراجعة السياسات الاقتصادية بما يحقق التحول الى انماط مستدامة في الانتاج والاستثمار والاستهلاك.

  4. تطوير الاليات والاجراءات الادارية والاقتصادية والمالية بما يتناسب مع تنفيذ برامج ذات الاولوية كالترشيد في استخدام المياه ورفع مصادر الطاقة والتحول الى الطاقة النظيفة والنقل المستدام والابنية الخضراء ومكافحة التصحر.

 

المحور الثالث: العلاقة بين الاقتصاد الاخضر والتنمية المستدامة

يرتبط الاقتصاد الأخضر ارتباطًا وثيقًا بالتنمية المستدامة، حيث يهدف كلاهما إلى تحقيق التنمية الاقتصادية بطريقة مستدامة، ويعتمد الاقتصاد الأخضر على التنمية المستدامة لتحقيق أهدافه، حيث أن التنمية المستدامة توفر الإطار العام لتطبيق الاقتصاد الأخضر.(5)

تعتمد فلسفة الاقتصاد الأخضر على استخدام مصادر الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة، وتعزيز الكفاءة في استخدام الموارد وإعادة التدوير والحفاظ على التنوع البيولوجي. يركز الاقتصاد الأخضر على تطوير القطاعات الخضراء مثل الطاقة المتجددة، والزراعة العضوية، والنقل العام، وإدارة النفايات، وغيرها من القطاعات التي تعزز الاستدامة وتحقق التوازن بين الأبعاد الاقتصادية والبيئية.

 فالتنمية المستدامة تمثل الهدف الأسمى الذي تسعى الدول لتحقيقه بينما يمثل الاقتصاد الاخضر الاداة العملية التي تساعد في الوصول لتنمية مستدامة لا يعتبر بديل عنها كون الاقتصاد الاخضر يمثل الانتقال من عموميات التنمية المستدامة الى التخصيص إذ يتحدد من خلال القطاعات المستهدفة، والسياسات، والاستراتيجيات التي تعمل عمل على تحضير هذه القطاعات، وآليات التمويل لتحضير تلك القطاعات والنتائج المترتبة عمى ذلك التحول.

 

ويمكن أن يحقق الاقتصاد الأخضر عدداً من الفوائد المهمة في سياق التنمية المستدامة، مثل:(6)

  • الحفاظ على الموارد الطبيعية: يساهم الاقتصاد الأخضر في الحفاظ على الموارد الطبيعية المحدودة من خلال استخدامها بشكل مستدام وفاعل، وتحقيق الكفاءة في استخدام الموارد.

  • الحد من التلوث والانبعاثات الضارة: يعمل الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة على تقليل التلوث والانبعاثات الضارة، مما يسهم في الحفاظ على جودة الهواء والماء والتربة، ويحمي البيئة وصحة الأفراد.

  • التوفير في التكاليف: يمكن أن يؤدي الاقتصاد الأخضر إلى توفير في تكاليف الإنتاج والاستهلاك، حيث يستخدم مصادر طاقة أقل تكلفة ويقلل من الاعتماد على المصادر الأحفورية التي تكلف باهظة.

  • خلق فرص عمل جديدة: يمكن للانتقال إلى الاقتصاد الأخضر أن يفتح أبواباً لخلق فرص عمل جديدة في القطاعات الخضراء والمستدامة، مما يساهم في تحسين الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

  • تعزيز الابتكار والتنمية التكنولوجية: يحفز الاقتصاد الأخضر الابتكار والتطوير التكنولوجي في مجالات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة، مما يسهم في تطوير حلول جديدة وفعالة للتحديات البيئية والاقتصادية.

  • تعزيز استدامة النمو الاقتصادي: بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي الاقتصاد الأخضر إلى تعزيز استدامة النمو الاقتصادي على المدى الطويل، حيث يقلل من التبعات البيئية السلبية للنمو الاقتصادي التقليدي ويحقق توازناً بين احتياجات الجيل الحالي واحتياجات الأجيال القادمة.

 ويواجه التحول نحو الاقتصاد الأخضر بعض التحديات، مثل الحاجة إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية والتكنولوجيا الحديثة، وضرورة تطوير التشريعات والسياسات الداعمة، بالإضافة إلى أهمية نشر الوعي المجتمعي بأهمية الاستدامة البيئية. ومع ذلك، فإن الفوائد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية طويلة المدى تجعل من هذا التحول استثماراً استراتيجياً في المستقبل.(7)

وفي هذا الإطار، تلعب المؤسسات التعليمية والبحثية دوراً مهماً في نشر ثقافة الاقتصاد الأخضر وإعداد كوادر بشرية قادرة على قيادة التحول نحو التنمية المستدامة. كما أن تعزيز الشراكة بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني يمثل عاملاً أساسياً لتحقيق النجاح في تطبيق مبادئ الاقتصاد الأخضر على أرض الواقع.

ختاماً يعد الاقتصاد الأخضر أحد المسارات المستقبلية المهمة لتحقيق التنمية المستدامة، اذ يسهم في بناء اقتصاد قوي قادر على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة وضمان رفاهية الأجيال القادمة.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى