الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

تحركات بكين المقبلة في بحر الصين الجنوبي

كيف ترسّخ الصين سيطرتها وتحوّلها إلى أمر واقع ؟

 

 

بقلم: لين كوك

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

في نيسان 2025 وطئت عناصر من خفر السواحل الصيني جزيرة ساندي كاي وهي لسان رملي غير مأهول في جزر سبراتلي ببحر الصين الجنوبي ونشرت العلم الصيني فوقها، وفي معظم أنحاء العالم مرّ هذا التصرف من دون أن يحظى باهتمام يُذكر، لكنه بوصفه أول إعلان صيني رسمي وميداني للسيادة على معلم بري غير مأهول منذ أكثر من عقد عكس تحولًا أوسع في مساعي بكين لإحكام سيطرتها، إذ عادت الصين إلى منازعة الدول الأخرى على المعالم البرية المتنازع عليها بعد سنوات كانت فيها النزاعات حول الحقوق البحرية المصدر الرئيسي للتوتر.

ويعكس استهداف بكين للمعالم غير المأهولة الذي لا يقتصر على ساندي كاي تحولًا مهمًا منذ آخر حملة كبرى لها في مجال إنشاء الجزر، ففي الفترة الممتدة بين أواخر عام 2013 و2015 عندما تركز الجزء الأكبر من تلك الأعمال جرفت الصين الرمال والشعاب المرجانية لتوسيع سبعة معالم كانت تحتلها بالفعل ثم أقامت عليها منشآت عسكرية ومدنية، ومن خلال توسيع أنشطتها لتشمل المعالم غير المأهولة تضغط بكين على التزام غير ملزم تعهدت به عام 2002 مع أعضاء رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، يقضي بعدم توطين السكان فيها. وفي الوقت نفسه تواصل بكين تحدي ممارسة جيرانها لحقوقهم السيادية في البحر، من خلال عرقلة أنشطة الصيد والطاقة البحرية، وإجراء مسوحات بحرية غير مصرح بها داخل مناطقهم الاقتصادية الخالصة. كما بدأت أساليب بكين تتغير مع تراجع وتيرة الحوادث عالية الحدة رغم أن الاشتباكات التي وقعت هذا الشهر تشير إلى أن هذا التراجع قد لا يستمر، ففي الفترة بين شباط 2023 وتموز 2024 دأبت سفن خفر السواحل الصيني والميليشيا البحرية الصينية على استخدام أشعة الليزر ذات الطابع العسكري وخراطيم المياه وتنفيذ مناورات خطرة وصدم السفن بهدف عرقلة مهام إعادة الإمداد والدوريات وعمليات الصيد الفلبينية، وقد يكون الهدوء الذي ساد النصف الأول من هذا العام قد عكس جزئيًا قرار مانيلا بصفتها الرئيسة الدورية لرابطة آسيان تخفيف سياستها القائمة على “الشفافية الجذرية” أي الكشف المنهجي للرأي العام عن الأفعال الصينية غير القانونية والقسرية في البحر، لكن التراجع الأوسع في حدة المواجهات يُرجح أنه يعكس قرار بكين الحد من المواجهات المباشرة بالتزامن مع مواصلتها الدفع بمطالباتها من خلال مشروعات بنية تحتية واسعة النطاق وأنشطة أكثر هدوءً مثل إجراء البحوث العلمية البحرية وتأكيد السيادة على المعالم البرية بصورة رمزية ووضع منشآت عائمة مؤقتة على المعالم المتنازع عليها أو بالقرب منها. وقد تبدو هذه التحركات الصينية الهادئة كل واحدة على حدة غير ذات أهمية تُذكر لكنها مجتمعة قد تغير المشهد الاستراتيجي، فهي تعقد حسابات الدول الساحلية التي قد ترى أن أي تحرك صيني منفرد أصغر من أن يبرر ردًا قد ينطوي على خطر التصعيد، ويزداد هذا القلق أهمية في ظل مواجهة هذه الدول تداعيات الحرب في “الشرق الأوسط” والتعريفات الجمركية الأمريكية الشاملة وهي ضغوط قد تدفع كثيرًا منها إلى إعادة ضبط علاقاتها مع بكين، وتهدد استراتيجية الصين الرامية إلى ترسيخ سيطرتها وتكريسها كأمر واقع في البحر وعلى اليابسة بإضعاف النظام الإقليمي وتقويض سيادة القانون. كما تهدد إجراءاتها الأقل صخبًا عنصرًا أساسيًا من الاستراتيجية الإقليمية للولايات المتحدة، فقد اعتمدت واشنطن على كشف السلوك الصيني غير القانوني والقسري لحشد الحلفاء والشركاء خلف الجهود الرامية إلى حماية قانون البحار والحفاظ على النفوذ الأمريكي في المنطقة، وإذا أصبح الحلفاء والشركاء أقل استعدادًا أو قدرة على التصدي للتقدم الصيني فإن هذه الاستراتيجية ستتعرض للتعثر.

 

التحدي في البحر

يمتد النزاع في بحر الصين الجنوبي على مدى عقود ووفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تُعدّ أي مساحة من اليابسة تشكّلت طبيعيًا وتظل فوق سطح الماء عند أعلى مستوى للمدّ جزيرةً ويحق لها بحر إقليمي يمتد لمسافة تصل إلى 12 ميلًا بحريًا، وإذا كانت قادرة على إعالة سكان بصورة دائمة أو الحفاظ على حياة اقتصادية مستقلة فإنها قد تنشئ أيضًا منطقة اقتصادية خالصة تمتد لمسافة تصل إلى 200 ميل بحري، أما الصخور غير القادرة على ذلك فيمكنها إنشاء بحر إقليمي لكنها لا تمنح حق إنشاء منطقة اقتصادية خالصة. ويمكن للمعالم التي تبقى فوق سطح الماء عند أعلى مستوى للمدّ أن تكون موضع مطالبات سيادية مستقلة حتى إذا كانت تقع ضمن المناطق البحرية التابعة لدولة أخرى، في المقابل لا يجوز المطالبة بالمرتفعات التي لا تظهر إلا عند انخفاض المدّ أو بالمعالم المغمورة بالكامل الواقعة خارج البحر الإقليمي بوصفها أراضي ذات سيادة، وإذا كانت هذه المعالم تقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة أو الجرف القاري لدولة ساحلية فإن تلك الدولة تتمتع بحقوق سيادية وولاية قضائية عليها. وتطالب كل من بروناي والصين وماليزيا والفلبين وتايوان وفيتنام بالسيادة على بعض معالم بحر الصين الجنوبي أو جميعها، كما تؤكد هذه الدول إلى جانب إندونيسيا حقوقها السيادية وولايتها القضائية في مناطقها الاقتصادية الخالصة التي تتداخل مع المطالبات البحرية الصينية، وتنفي جاكرتا وجود نزاع بينها وبين الصين وفي الوقت نفسه لا تزال الصين والولايات المتحدة وقوى بحرية أخرى على خلاف بشأن حقوق المرور وحرية الملاحة في البحار.

قبل عشرة أعوام أصدرت هيئة تحكيم في لاهاي حكمًا منح الفلبين انتصارًا قانونيًا واسعًا، فقد انعقدت الهيئة للنظر في دعوى رفعتها الفلبين بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ورفضت أي مطالبة صينية بحقوق تاريخية داخل “خط النقاط التسع” وهو ترسيم حدودي على شكل حرف U يشمل جزءًا كبيرًا من بحر الصين الجنوبي من دون أن تقدم بكين في أي وقت إحداثيات تحدد هذا الخط، كما أوضحت الهيئة الاستحقاقات البحرية لمعالم جزر سبراتلي وضفة سكاربورو وهي جزيرة حلقية تقع غرب جزيرة لوزون الفلبينية الرئيسية وضفة ريد وهي جزيرة حلقية مغمورة تقع داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين وخلصت إلى أن أيًا من هذه المعالم لا ينشئ منطقة اقتصادية خالصة، أما المعالم التي تبقى فوق سطح الماء عند أعلى مستوى للمدّ فلا تستحق في أقصى الأحوال سوى بحر إقليمي، وتشكل ضفة ريد جزءًا من المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري للفلبين. وعلى الرغم من أن الحكم كان ملزمًا قانونًا للفلبين والصين وحدهما فإنه عزز موقف الدول الساحلية الأخرى في جنوب شرق آسيا إذ أكد أن مطالبة الصين بحقوق تاريخية، أو أي منطقة اقتصادية خالصة يمكن أن تنشأ عن المعالم التي نظرت فيها الهيئة،لا يمكن أن تتجاوز حقوق تلك الدول السيادية في مناطقها الاقتصادية الخالصة، ولم تفصل الهيئة في مسألة السيادة على المعالم البرية المتنازع عليها لعدم امتلاكها الاختصاص القضائي اللازم للنظر في هذه المسألة. ورفضت الصين الحكم فور صدوره لكنها أوقفت لفترة أكثر ممارساتها تعارضًا معه بصورة واضحة، بما في ذلك التدخل في حقوق جيرانها المتعلقة بالموارد ومنع الصيادين غير الصينيين من الوصول إلى ضفة سكاربورو، وما إن تراجع الاهتمام الدولي بالقضية حتى استأنفت الصين تجاوزاتها.

ومنذ ذلك الحين أصبحت النزاعات المتعلقة بالحقوق السيادية والولاية القضائية في البحر المصدر الرئيسي للتوتر، وسعت بكين في البداية إلى ردع الدول الساحلية عن ممارسة حقوقها وكان أبرز مثال على ذلك تحذيرها هانوي من التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة لفيتنام عامي 2017 و2018، ولم تتدخل واشنطن ثم مضت بكين خطوة أبعد فأرسلت سفنًا إلى المناطق الاقتصادية الخالصة التابعة لجيرانها لإجراء مسوحات زلزالية. وأصبحت مواقع الطاقة البحرية بؤرًا متكررة للتوتر ففي عام 2019 تسببت سفينة مسح صينية ترافقها سفن من خفر السواحل الصيني في مواجهة استمرت أشهرًا مع سفن خفر السواحل الفيتنامي وسفن مراقبة مصائد الأسماك عند ضفة فانغارد وهي منطقة مغمورة بعدما اتخذت السفينة مسارًا متعرجًا داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لفيتنام على نحو يتوافق مع عمليات المسح، وخلال أسابيع من عام 2020 ظلت سفن صينية تلاحق سفينة الحفر “ويست كابيلا” التي تعاقدت معها شركة الطاقة الماليزية المملوكة للدولة كما تحافظ الصين على وجودها حول ضفة ريد حيث تسعى مانيلا إلى تطوير موارد الطاقة، وأدى الصيد بدوره إلى احتكاكات مماثلة ولا سيما عند ضفة سكاربورو رغم أن هيئة التحكيم أكدت تمتع الصيادين من الصين والفلبين وتايوان وفيتنام بحقوق الصيد التقليدية هناك.

وتصاعدت المواجهات البحرية بصورة حادة منذ أوائل عام 2023 ولا سيما حول ضفة توماس الثانية وهي منطقة لا تظهر إلا عند انخفاض المدّ وتقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين حيث أكدت هيئة التحكيم حقوق الفلبين السيادية وولايتها القضائية، وفي عام 1999 تعمدت مانيلا إرساء سفينة تابعة للبحرية الفلبينية هي «BRP Sierra Madre» على الضفة للحيلولة دون احتلال الصين لها، ومنذ ذلك الحين ظلت مجموعة صغيرة من مشاة البحرية الفلبينية على متن السفينة معتمدة على بعثات دورية لإعادة الإمداد، ونظرًا إلى أن السفينة لا تزال في الخدمة فإن أي هجوم مسلح عليها أو على أفرادها قد يستدعي التزامات الولايات المتحدة بموجب معاهدة الدفاع المشترك بين الولايات المتحدة والفلبين لعام 1951. وأدت المحاولات الصينية لعرقلة هذه البعثات إلى اشتباكات عالية الحدة مع الفلبين رغم أن وتيرة هذه الاشتباكات تراجعت بعد توصل مانيلا وبكين إلى ترتيب مؤقت في تموز 2024، وحتى آذار أفادت مانيلا بأن 13 مهمة لإعادة الإمداد وتناوب الأفراد نُفذت من دون حوادث غير اعتيادية، ومع ذلك لا تزال المخاطر قائمة ويرجع ذلك جزئيًا إلى اختلاف الجانبين بشأن نطاق هذا الترتيب، وأفادت السلطات الفلبينية هذا الشهر بأن عناصر من خفر السواحل الصيني ضربوا بحارًا فلبينيًا بعصا خشبية خلال مواجهة متقاربة بين سفن صينية وفلبينية. ويقول مسؤولون فلبينيون إن بكين تستخدم سفن الأبحاث بصورة متزايدة لتعزيز مطالباتها مستشهدين بمسح صيني غير مصرح به أُجري في ضفة ريد في أيار، كما تنشر الصين سفن أبحاث في المناطق الاقتصادية الخالصة لماليزيا وفيتنام، ووفقًا للسلطات الفلبينية تعمل هذه السفن بصورة متزايدة داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين من دون مرافقة من خفر السواحل أو الميليشيا البحرية وعادة ما تنسحب عند اعتراضها.

 

لقراءة المقال المترجم كاملاً وتحميل الملف أدناه:

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى