الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

الثالوث الاستراتيجي الإيراني والاجهاد الاستراتيجي الأميركي

قراءة في الحرب الأميركية على الجمهورية الإسلامية في إيران

 

بقلم: حسن فاضل سليم

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

 

على الرغم من مرور أشهر على بداية الحرب ضد الجمهورية الإسلامية في إيران مازالت الولايات المتحدة عاجزة عن تحقيق اهداف الحرب ويرجع سبب ذلك لاعتماد الجمهورية الإسلامية في إيران على ثالوث استراتيجي يضم عناصر ثلاث هي الجغرافية والتكنولوجيا والقدرة على المطاولة، مما أدى لتعرض قدرات الولايات المتحدة لإجهاد عسكري في المعدات والذخائر، تحاول هذه المقالة قراءة الوضع الراهن في الصراع بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية في إيران وقياس مدى الإجهاد الاستراتيجي الذي يتعرض له البلدين.

 

التحول في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية: من الدفاع المتقدم الى وحدة الساحات وتوظيف الثالوث الاستراتيجي

لا تستند قدرة الجمهورية الإسلامية في إيران على مواجهة التفوق العسكري الأمريكي إلى امتلاك قوة تقليدية مماثلة للقوة الأمريكية، وإنما إلى قدرتها على توظيف مجموعة من المزايا النسبية التي تسمح لها برفع كلفة العمليات العسكرية وإطالة أمد الصراع وتقليص فاعلية التفوق التقليدي للخصم. وفي هذا السياق، تطرح بعض التحليلات الحديثة مفهوم «الثالوث الاستراتيجي الإيراني»، القائم على ثلاثة عناصر مترابطة هي: الجغرافيا، والتكنولوجيا غير المتماثلة، والمطاولة الاستراتيجية. ولا تكمن أهمية هذه العناصر في كل منها بصورة منفردة، وإنما في قدرتها على العمل بصورة تكاملية لتحويل نقاط الضعف البنيوية الإيرانية إلى أدوات لزيادة تكلفة الحرب على الخصم.

وتشير بعض التحليلات إلى أن طبيعة الاستراتيجية الإيرانية شهدت تحولاً بعد الحرب، ولا سيما فيما يتعلق بعلاقة الجمهورية الإسلامية بالقوى الحليفة لها في المنطقة. فقد كانت الجمهورية الإسلامية في إيران تعتمد بدرجة كبيرة على مفهوم «الدفاع المتقدم»، الذي يقوم على إبقاء خطوط المواجهة بعيداً عن الأراضي الإيرانية من خلال شبكة من الحلفاء من الفواعل غير الدوليين إلا أن الحرب دفعت، وفق تحليل ولي نصر ونرجس باجغلي، نحو إعادة التفكير في هذه المقاربة، مع ازدياد أهمية البعد القومي في الاستراتيجية الإيرانية وإعادة تنظيم العلاقة مع القوى الحليفة على نحو أكثر مباشرة، بما ينسجم مع مفهوم «وحدة الساحات». ويرتبط هذا التحول، وفق التحليل ذاته، بإعادة تعريف العلاقة بين الجمهورية الإسلامية ومحيطها الإقليمي في ضوء الخبرة التي أفرزتها الحرب.

اما في مواجهة الحرب الراهنة تمكنت الجمهورية الإسلامية في إيران من تجاوز اخفاقها في حرب الـ 12 يوم وعملت من خلال استراتيجية تتكون من ثلاث عناصر تصفها التحليلات الحديث بـ(الثالوث الاستراتيجي الإيراني)، وهو مفهوم طرحته مقالة لموقع اوراسيا ريفيو يمكن ان يشكل اطاراً تحليلاً لفهم كيفية إدارة  الجمهورية الإسلامية في إيران للحرب، حيث اعتبرت المقالة ان الجمهورية الإسلامية في إيران نجحت في إدارة الحرب بواسطة ثلاث عناصر أساسية ضمن استراتيجيتها وهي ([1]):

 

  1. الجغرافيا: من خلال موقعها المميز على مضيق هرمز الي مكنها من التحكم في نقطة الاختناق هذه والعمل على استخدامها كورقة ضغط استراتيجية بوجه الولايات المتحدة مما اجبر الأخيرة على التفاوض من اجل إعادة فتح المضيق وتشير الدراسة الى ان الجمهورية الإسلامية في إيران تعتمد استراتيجية منع الوصول في المضيق وتستغل كافة الجزر الموجودة في المنطقة لتعزيز دفاعاتها العسكرية واستخدامها كمنصات لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، كما انها عملت لسنوات على تهيئة البنية العسكرية واللوجستية في هذه الجزر لغرض هذا النوع من المواجهات ما جعل الجمهورية الإسلامية في إيران تفرض تكلفة عالية على الولايات المتحدة بأبسط الأدوات العسكرية.

  2. التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: تمكنت الجمهورية الإسلامية في إيران من الاعتماد على الابتكار بسبب الحصار الذي تعرضت له على مدى عشرين عاماً الماضية، حيث شجعت الابتكار لاسيما في مجال تطوير الأنظمة العسكرية غير المأهولة والمعتمدة على الذكاء الاصطناعي منذ عام 2005، *وهو امر اكتسب زخماً كبيراً لاسيما في السنوات الأخيرة، لدرجة أن جميع أكاديميات الدفاع الإيرانية تقوم الآن بتدريب الطلاب وتوظيف الباحثين بشكل خاص في التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي. ولم يتم تطوير هذه التقنية كمجرد أداة، بل كمكون أساسي في الاستراتيجية العسكرية لحماية البنية التحتية وتعزيز قوة الردع غير المتماثلة، وهو ما مكنها من تطوير نظم من المركبات  المسيرة الانقضاضية (الطائرات والزوارق) التي تعمل بشكل اسراب تهاجم الأهداف الامريكية الثابتة والمتحركة، وتستند  على بنية تعلم ذاتية تكيفية، مما شكل قدرة حاسمة لدى الجمهورية الإسلامية في إيران على تحييد العديد من قدرات الجيش الأمريكي وبنيته التحتية القريبة من منطقة العمليات ما اضطر الولايات المتحدة الى استخدام قواعدها البعيدة في أوروبا لدعم عملياتها العسكرية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران ما رفع من كلفة العمليات العسكرية من حيث الوقت والكلف اللوجستية.

  3. المطاولة الاستراتيجية: تمثل الركن الثالث من الثالوث، وربما الأكثر أهمية وذلك بفعل تحويل القدرات الإيرانية الأخرى كأداة لإنتاج الاجهاد الاستراتيجي، فالجغرافيا والتكنولوجيا لا تنتجان اثراً استراتيجياً كبيراً إذا تمكن الخصم من تحقيق حسم سريع؛ ولذلك احتاجات الاستراتيجية الإيرانية الى القدرة على امتصاص الضربات، واستمرار العمليات، وإعادة بناء القدرات العسكرية المتضررة، وتحويل الزمن الى عامل يعمل ضد القوة المتفوقة مثل الولايات المتحدة.

وتشمل المطاولة الاستراتيجية في هذا السياق قدرة إيران على حماية جزء من بينتها التحتية العسكرية والصناعية من خلال المنشآت المحصنة وتوزيع القدرات، والمحافظة على قدر من الاستمرارية في انتاج وتعويض الأسلحة والذخائر، فضلا عن قدرتها على استثمار فترات التهدئة لإعادة تنظيم قواتها وقدراتها. وتزداد أهمية هذا العامل في حرب غير متكافئة؛ إذ إن الولايات المتحدة، رغم تفوقها الهائل في القوة النارية، تحتاج إلى تحقيق نتائج استراتيجية خلال فترة زمنية محدودة نسبياً، في حين تستطيع الجمهورية الإسلامية في إيران التركيز على منع الحسم وتحويل الحرب إلى صراع طويل الأمد.

 

 

ولا تقتصر المطاولة على بعدها العسكري والصناعي، وإنما تشمل أيضاً قدرة النظام السياسي على المحافظة على قدر من التماسك الداخلي في مواجهة الضغط الخارجي. وفي هذا السياق، يرى ولي نصر ونرجس باجغلي أن الحرب عززت أهمية البعد القومي في الهوية السياسية الإيرانية، بحيث أصبح الدفاع عن الدولة في مواجهة التهديد الخارجي عاملاً يمكن أن يتجاوز بعض الانقسامات السياسية والاجتماعية الداخلية. ويشير نصر إلى تحول السؤال المركزي في المجال السياسي الإيراني، من سؤال يرتبط بدرجة الالتزام الديني إلى سؤال يرتبط بالهوية القومية والانتماء إلى الجمهورية الإسلامية في  إيران.

ولا يعني ذلك أن المجتمع الإيراني أصبح متجانساً خلف الحكومة أو أن الخلافات الداخلية قد اختفت، وإنما يشير إلى أن التهديد الخارجي يمكن أن ينتج أثراً عكسياً عن ذلك الذي تسعى إليه استراتيجية الضغط العسكري؛ إذ أدى إلى تعزيز التعبئة الوطنية وتقليص قدرة الحرب الخارجية على إنتاج انهيار سياسي سريع. ومن هنا تصبح المطاولة السياسية مكملاً للمطاولة العسكرية، لأنها تمنح الدولة الإيرانية قدرة أكبر على تحمل الكلفة والزمن اللازمين لاستمرار الحرب.

وبذلك لا يعمل الثالوث الاستراتيجي الإيراني بوصفه مجموعة من القدرات المنفصلة، وإنما باعتباره منظومة متكاملة لإدارة عدم التماثل. فالجغرافيا تزيد صعوبة الوصول وتفرض قيوداً على حرية الحركة، والتكنولوجيا غير المتماثلة ترفع تكلفة الدفاع والاعتراض، بينما تمنع المطاولة الاستراتيجية الخصم من تحويل تفوقه العسكري إلى حسم سريع. وعندما تعمل العناصر الثلاثة معاً، فإنها تنتج معادلة يصبح فيها استمرار الحرب نفسه مصدراً للضغط على القوة المتفوقة.

ومن هذه الزاوية، فإن القيمة الحقيقية للثالوث الاستراتيجي لا تكمن في تمكين الجمهورية الإسلامية في إيران من تحقيق تفوق عسكري على الولايات المتحدة، وإنما في منع الولايات المتحدة من تحويل تفوقها العسكري إلى نتيجة سياسية حاسمة، وإجبارها على دفع كلفة متزايدة مع مرور الوقت. وهنا ينتقل أثر الثالوث من المستوى العملياتي إلى المستوى الاستراتيجي، إذ يصبح تراكم الكلفة العسكرية واللوجستية والاقتصادية والسياسية مدخلاً إلى ما يمكن تسميته بـ«الإجهاد الاستراتيجي الأمريكي».

أما على المستوى الاقتصادي والسياسي لما بعد الحرب، فيشير ولي نصر ونرجس باجغلي إلى أن القيادة الإيرانية ستواجه الحاجة إلى معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت بفعل سنوات العقوبات والضغوط، مع احتمال تعميق الشراكة مع الصين بوصفها أحد المسارات الرئيسية لإعادة بناء الاقتصاد الإيراني وتعزيز قدراته على المدى الطويل.([2]) وسيكون السبيل لذلك هو تعميق الشراكة الاقتصادية مع الصين حيث ستكون الصين اللاعب الأبرز في إعادة اعمار إيران وتعزيز قدراتها الاقتصادية والتسليحية.

 

حدود القوة الامريكية والإجراءات المضادة:

تواجه الولايات المتحدة بعد اشهر من الحرب معضلة الاجهاد الاستراتيجي  في عدة مجالات اجهاد اقتصادي يتمثل بارتفاع أسعار النفط وتداعياتها على الاقتصاد الأمريكي من خلال ارتفاع معدلات التضخم نتيجة لارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية لاسيما الغذائية منها، فيما يشهد سوق العمل الأمريكي تراجعاً في معدلات التوظيف حيث فقد الاقتصاد الأمريكي نحو 23 الف وظيفة نتيجة للضغوط المستمرة على الشركات واستمرارها لتقليص العمالة، وقد أدى اضطراب سلاسل التوريد العالمية فضلاً عن الحروب التجارية وارتفاع الرسوم الجمركية الى زيادة كلفة الإنتاج على الشركات الامريكية، مما اضعف قدرتها الاستثمارية والتوظيفية.

كما ارتفع الانفاق العسكري بشكل كبير اذ تشير التقديرات الى ارتفاع الكلفة الاجمالية للحرب على الولايات المتحدة الى تريليون دولار، فضلا عن لجوء الإدارة الامريكية الى طلب الميزانيات الطارئة بشكل متكرر من الكونغرس لتغطية تكاليف الحرب، تتجاوز 87 مليار دولار مخصصة لوزارة الحرب لتأمين الذخائر والصواريخ الاعتراضية، مما رفع من مستوى الدين العام الأمريكي، كل ذلك يؤدي الى خفض توقعات النمو للاقتصاد الأمريكي وتراجع ثقة المستهلكين نتيجة لارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة تكلفة المعيشة والدين العام.

اما عسكرياً فيواجه الجيش الأمريكي اكبر قدر من الاستنزاف في مخزونات الذخائر حيث تشير التقارير الى تراجع المخزونات الصواريخ البعيدة المدى وصواريخ باتريوت الاعتراضية، نتيجة الاستخدام المكثف لها خلال أيام القتال الـ 40 يوماً حيث لا تتمكن القاعدة الصناعية الامريكية من تغطية الاستهلاك الفعلي للقوات الامريكية، فيما تتخوف التقارير الامريكية من ان المخزونات قد لا تكون كافية لاي مواجهة عسكرية مقبلة مع الصين، في حين ان الأخيرة تدخر المزيد من الذخائر والأسلحة، تستنزف الولايات المتحدة ذخائرها التي تحتاج الى عدة سنوات لتعويضها لذلك تنصح دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) الإدارة الامريكية بتعزيز الردع الأمريكي من خلال زيادة التصنيع وتطوير القاعدة الصناعية لزيادة معدلات الإنتاج السنوية للذخائر بما يغطي الحاجة الفعلية للجيش الأمريكي ويمكنه من مواجهة الاستحقاقات العسكرية الراهنة والمستقبلية، حيث دعت الدراسة على سبيل المثال الى زيادة انتاج صواريخ كروز  السنوي الى حوالي 16 ضعفاً عن المعدلات الحالية وكذلك زيادة انتاج صواريخ منظومة ثاد الاعتراضية 4 اضعاف عن المعدلات الحالية([3]).

بالإضافة الى ما سبق تواجه الولايات المتحدة اضراراً بالقواعد العسكرية وخسائر بالمعدات حيث اسفرت الهجمات الصاروخية والهجمات بالطائرات المسيرة عن تدمير القواعد الامريكية في منطقة الخليج بما اخرج الكثير منها من الخدمة، حيث قدرت كلفة اصلاح هذه الاضرار بنحو 5 مليارات دولار إضافية خارج الميزانية التشغيلية، كما تعرض سلاح الجو الأمريكي لخسائر لا يستهان بها ربما لم يتعرض لها منذ الحرب العالمية الثانية، حيث خسر ما لا يقل عن 42 طائرة عسكرية من بينها طائرات ارضاع جوي تم تدميرها خلال التحليق او في القواعد العسكرية، بالإضافة الى طائرات f15  و A10   وطائرات مروحية، فضلا عن الطائرات بدون طيار من طراز MQ9، فضلاً عن مقتل واصابة عدد الجنود الأمريكيين العاملين في هذه القواعد.

وقد أدت هذه الخسائر التي تتعرض لها قوة عظمى مثل الولايات المتحدة الى اجهاد استراتيجي اجبر إدارة ترامب على اللجوء الى التفاوض والبحث عن مخرج من الازمة لاسيما مع تمسك الجمهورية الإسلامية في إيران بمطلب إدارة مضيق هرمز وهو ما يجعل ترامب في مأزق استراتيجي لا يستطيع التخلص منه حيث سيوجه اللوم الى ادارته بانها تسببت بمنح إيران الفرصة للتحكم بمضيق هرمز وتضييق حرية الملاحة فيه، فضلاً عن تدمير القواعد الامريكية في “الشرق الأوسط” ومقتل واصابة العديد من الجنود الأمريكيين حتى باتت وسائل الاعلام الامريكية تتحدث عن هزيمة أمريكية اسوء من هزيمة حرب فيتنام.

جون دانيال كاين رئيس هيئة الأركان المشتركة

الا ان الأهم ان الحرب كشفت بما لا يدع مجال للشك عن حدود القوة الامريكية وعجزها عن تحقيق أي هدف من اهداف الحرب او اجبار الجمهورية الإسلامية في إيران على تقديم التنازلات والاستسلام، حيث ابلغ الجنرال كاين دان رئيس هيئة الأركان الامريكية مستشارين في إدارة ترامب عن ان القوة الجوية وحدها غير كافية لتحقيق الأهداف المعلنة للحرب التي وضعها الرئيس ترامب، كما انه استبعد الحل البري لحسم الحرب لأنه يتطلب عملية برية واسعة النطاق ونشر لأعداد كبيرة من وقوات المشاة مما ينطوي على مخاطر بشرية باهضه وهو امر مرفوض داخل البيت الأبيض، كما حذر الجنرال دان من ان سحب الذخائر الحيوية من الجبهات الأخرى لتغطية الجبهة الإيرانية سيضعف الجبهات الاستراتيجية الأخرى حول العالم ويعرض الجاهزية العسكرية الامريكية للانكشاف امام خصوم الولايات المتحدة لاسيما من الدول الصاعدة، ودعا دان الى بناء جبهة سياسية داخلية بهدف توحيد الرؤية وإيجاد مسار سياسي ودبلوماسي للخروج من الحرب يضمن هدنة او إعادة فتح مضيق هرمز مغلفا ذلك بنصر رمزي يمكن ان يحسب للولايات المتحدة([4]).

 

تداعيات الاجهاد الاستراتيجي واحتمالات إعادة التموضع الأمريكي على توازنات “الشرق الأوسط”

لقد أدى استمرار الحرب وحالة الاجهاد الاستراتيجي التي وصلت اليها الولايات المتحدة الى حث أعضاء الكونغرس من مجلسي الشيوخ والنواب للدعوة الى الانسحاب من “الشرق الأوسط” مستندين الى قانون صلاحيات الحرب، حيث طالب أعضاء الكونغرس من خلال مبادرة قادها 11 سيناتوراً ديمقراطياً مشروع قرار يطالب بسحب القوات المسلحة من أي صراع او عمليات عسكرية غير مفوضة ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، للحد من صلاحيات الرئيس الحربية، فيما نشرت مجلة فورين افيرز مقالة كتبها مايكل فوكس يدعو فيها الى سحب القوات الامريكية من “الشرق الأوسط” معتبراً ان الاستراتيجية الحالية هي استمرار لسياسات فاشلة، ويرى فوكس ان هذا الانسحاب سيساعد الولايات المتحدة على إعادة توجيه مواردها العسكرية لمواجهة الصين وروسيا.([5])

ان هذه الدعوات في حال الاستجابة لها من قبل الإدارة الامريكية الحالية او أي إدارة مقبلة لا تقتصر بتداعياتها على توازنات القوى في “الشرق الأوسط” فحسب بل على توازن القوى العالمي، حيث ان الأهمية الجيوستراتيجية “للشرق الأوسط” تجعله منطقة حيوية بالنسبة للمصالح الامريكية في عملية تطويق ومنع صعود الخصوم من القوى الصاعدة، التي تسعى لتلعب دور اكبر في النظام الدولي، اما على مستوى توازنات “الشرق الأوسط”، فأن غياب الفاعل الأمريكي سيجعل حلفاء واشنطن من دول الخليج من دون مظلة امنية أمريكية  وكذلك “إسرائيل” ستحاول ان تحل محل الولايات المتحدة في التأثير على اقليمها، لكن التوازنات الاستراتيجية ستتغير حينها وهو ما يحصل حاليا حيث تعمل السعودية وتركيا على تشكيل توازن إقليمي  جديد من خلال انضمامهم الى جانب باكستان في تحالف ثلاثي عسكري دفاعي يمكن ان يشكل ركيزة أساسية لتوازنات المنطقة في المرحلة المقبلة التي تلي الانسحاب الأمريكي وهو تحالف لا يمكن ان يصطدم باي نفوذ متنامي للجمهورية الإسلامية في إيران في المنطقة بعد غياب الفاعل الأمريكي بفعل العلاقات المتينة بين باكستان وتركيا من جهة والجمهورية الإسلامية في إيران من جهة أخرى، الا انه يمثل ترتيب إقليمي يتمكن فيه كل طرف من تعزيز ما يحتاجه من موارد فالسعودية تبحث عن حلفاء أقوياء لضمان امنها لكنها تملك الموارد المالية التي تحتاجها كل من تركيا وباكستان، في حين ان تركيا تبحث عن تعزيز قدراتها الصناعية الدفاعية اما باكستان فتبحث عن دور اكبر في المنطقة وتعزيز لقدراتها العسكرية في مواجهة الهند.

كل ذلك سيؤدي لتغيير الترتيبات الإقليمية ويفرز ربما صراعات جديدة او يعزز حالة التعاون في المنطقة التي سيكون غياب الفاعل الأمريكي فيها محفزا للتعاون بين دول العالم الإسلامي، وهو حالة تضعنا امام سيناريوهات مفتوحة حول مستقبل المنطقة ما بعد الولايات المتحدة.

 

خاتمة

بناء على ما تقدم يمكن القول ان الحرب بين الولايات المتحدة الامريكية والجمهورية الإسلامية في إيران كشفت عن مفارقة استراتيجية مهمة تتمثل في أن التفوق العسكري لا يؤدي بالضرورة الى الحسم السياسي، بما معناه ان القدرات العسكرية لا تعد كافية وحدها لتحقيق الأهداف السياسية للحرب، خصوصاً عندما تكون بمواجهة خصم قادر على توظيف بيئته الجغرافية والتكنولوجيا غير المتماثلة وقدرته على التكيف والمطاولة في مواجهة القوة العسكرية المتفوقة مما يمنحه أدوات تمكنه من تقليص فارق القوة، ومن هذا المنظور، لا تتمثل أهمية ” الثالوث الاستراتيجي الإيراني” في كونه عقيدة عسكرية إيرانية مكتوبة ورسمية بقدرة ما يمثل اطاراً تحليلياً لكيفية إدارة الجمهورية الإسلامية في إيران للحرب واستغلالها للأدوات المتاحة في مواجهة التفوق العسكري والإعلامي الأمريكي وتحويل هذا التفوق الى مصادر متزايدة للكلفة والاجهاد الاستراتيجي.

لقد سمحت الجغرافية الإيرانية، لاسيما موقعها المؤثر على مضيق هرمز في تمكين قواتها المسلحة ليس من اغلاق المضيق فحسب بل من استغلال حتى جزره المتناثرة كمنصات إطلاق ومناطق للبنية التحتية اللوجستية للقوات البحرية الإيرانية مما مكنها من السيطرة على خطوط الملاحة ورفع كلفة المرور عبر شواطئها دون اذن مسبق منها وهو ما مكن الجمهورية الإسلامية في إيران من فرض شروطها بخصوص مضيق هرمز في مقابل عجز امريكي واضح عن مواجهة الاغلاق الذي فرضته الجمهورية الإسلامية في إيران.

كما ان الجمهورية الإسلامية في إيران استثمرت في تعزيز قدراتها التكنولوجية العسكرية منذ أكثر من 20 عاماً مما مكنها من الاستعداد بشكل كامل لمواجهة غير متماثلة مع الولايات المتحدة ومكنها من رفع الكلفة العسكرية والاقتصادية على الولايات المتحدة وكذلك الصمود لمدة أطول من الزمن بما يجعل الزمن سلاحاً يضغط على الولايات المتحدة لإنهاء الحرب نتيجة للإجهاد الاستراتيجي بمقابل التفاف الشعب الإيراني حول حكومته بوجه التهديدات الخارجية التي كان لها تأثير عكسي في تعزيز قوة النظام السياسي الإيراني.

لقد أجبرت الحرب الولايات المتحدة للبحث عن مخرج مشرف او نصر رمزي يمكنها من الخروج من الحرب وإيقاف الخسائر والاستنزاف الذي تتعرض له على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، حتى وصلت الدعوات الى مستوى المطالبة بالانسحاب من “الشرق الأوسط” والمحافظة على القدرات الامريكية لمواجهة الصين وروسيا، وهو امر لو تم فسوف يؤدي لتغيير توازنات القوى ليس على مستوى “الشرق الأوسط” فحسب بل على مستوى النظام الدولي ويجعل المنافسة الجيوستراتيجية بين الولايات المتحدة من جهة والقوى الصاعدة من جهة أخرى تدور ربما في مناطق أخرى من العالم غير “الشرق الأوسط”.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى