الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

موقف القانونين الدولي والعراقي من القصف الصهيو أميركي السعودي على العراق – ج 2

وتقييم الإجراءات العراقية الرسمية

الجزء الثاني / بقلم: د. مصدق عادل

كلية القانون – جامعة بغداد

 

بعد أن بيّنا في الجزء الأول من الدراسة التكييف القانوني الدولي لجريمة العدوان العسكري الذي نفذه التحالف الصهيوامريكي السعودي ضد العراق يوم 29 تموز 2026 فانه سنتناول في هذا الجزء من الدراسة استعراض موقف القانون العراقي والسعودي من القصف، فضلاً عن استعراض صور المسؤولية القانونية المترتبة على هذا الانتهاك السافر للسيادة العراقية الكاملة من قبل الجانب السعودي وذلك في البنود الاتية:

 

اولاً: موقف الدستور العراقي من العدوان الصهيوامريكي السعودي على العراق

بالرجوع الى دستور جمهورية العراق لسنة 2005 فانه قد أحاط السيادة العراقية بسياج منيع من النصوص الدستورية التي توجب على جميع السلطات العامة في العراق حمايتها والذوذ عنها.

ولهذا تنص المادة (1) من الدستور العراقي “جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة” كما اوجب الدستور على رئيس وأعضاء مجلس النواب بالحفاظ على السيادة الوطنية، حيث تنص المادة (50) من الدستور “يؤدي عضو مجلس النواب اليمين الدستورية أمام المجلس”، قبل أنْ يباشر عمله، بالصيغة الآتية:

 

(أُقسم بالله العلي العظيم.. أن أُحافظ على استقلال العراق وسيادته.. وأسهر على سلامة أرضه وسمائه ومياهه وثرواته ونظامه الديمقراطي الاتحادي”.

 

وينطبق التزام المحافظة على السيادة الوطنية بالنسبة لرئيس الجمهورية، حيث تنص المادة (71) من الدستور “يؤدي رئيس الجمهورية اليمين الدستورية أمام مجلس النواب بالصيغة المنصوص عليها في المادة (50) من الدستور”.

وكذلك الحال بالنسبة لرئيس مجلس الوزراء والوزراء الذين الزمت المادة (79) من الدستور التزامهم بالمحافظة على السيادة الوطنية بالنص “يؤدي رئيس وأعضاء مجلس الوزراء اليمين الدستورية أمام مجلس النواب بالصيغة المنصوص عليها في المادة (50) من الدستور”.

وجاءت المادة (109) من الدستور العراقي صريحة في مسألة الحفاظ على السيادة العراقية الكاملة بالنص “تحافظ السلطات الاتحادية على وحدة العراق وسلامته واستقلاله وسيادته ونظامه الديمقراطي الاتحادي”.

وبهذا يتضح ان الدستور العراقي اقر مبدأ التضامن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في التزامها بالحفاظ على السيادة الوطنية الكاملة في مواجهة العدوان الصهيوامريكي السعودي ضد العراق وكل ما من شأنه المساس بالعراق أو العراقيين.

وعلى الرغم من ذلك غير ان المسؤولية الدستورية والقانونية المباشرة عن انتهاك السيادة الوطنية الكاملة يتحملها رئيس مجلس الوزراء بصفته القائد العام للقوات المسلحة استناداً للمادة (78) من الدستور التي اعتبرته المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، والتي من بينها السياسة العسكرية الدفاعية أو الهجوية في مواجهة العدوان السعودي وغيره من صور الانتهاكات والاعتداءات الأخرى.

اما بالنسبة لرئيس الجمهورية فعلى الرغم من ان المادة (73) من الدستور العراقي تعتبر رئيس الجمهورية القائد العام للقوات المسلحة العراقية، غير ان هذا الدور يقتصر على الأغراض التشريفية والاحتفالية، فلا تتسع صلاحيات ومهام الرئيس لتشمل الجوانب العملياتية والفعلية لقرار الحرب والسلم او قرار اعلان الحرب الدفاعية أو الهجومية، وذلك لتكفل المادة (61/تاسعاً) من الدستور بمنح هذه الصلاحية الحصرية لمجلس النواب بناء على الطلب المشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء.

فضلاً عما تقدم فان الدستور العراقي يلزم في المادة (8) منه بأن “يرعى العراق مبدأ حُسن الجوار، ويلتزم بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأُخرى، ويسعى لحل النزاعات بالوسائل السلمية، ويُقيم علاقاته على أساس المصالح المشتركة والتعامل بالمثل، ويحترم التزاماته الدولية”.

وبهذا يتضح ان التزام الحكومة والبرلمان العراقي بمبدأ حسن الجوار وحل النزاعات بالوسائل السلمية والتعامل بالمثل ينسجم مع المبادئ المنصوص عليها في المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة، وهو الامر الذي يوجب على السلطات العراقية التعامل بالمثل مع جرائم العدوان الصهيوامريكي السعودي التي اسفر عنها استشهاد (20) مقاتل من الحشد الشعبي واصابة (12) اخرين، وبالأخص في ظل عدم وجود تناسب بين القصف العراقي المزعوم للسعودية من الأراضي العراقية، حيث ورد في البيان الرسمي لوزارة الدفاع السعودية تصديها للعديد من المسيرات دون خسائر مادية أو بشرية، خلافاً للهجمات المنفذة من قبل الجانب السعودي الذي اسفر عنها استشهاد وحرج العديد من العراقيين.

بعبارة اخرى فأن تحلل الجانب السعودي من مبدأ المعاملة بالمثل، وعدم احترام الالتزامات الدولية يفرض على السلطات العراقية اتخاذ الإجراءات اللازمة لرد العدوان العسكري.

وبهذا يتضح ان امتناع أو تكاسل أو تراخي كل من رئيس مجلس الوزراء أو رئيس الجمهورية أو رئيس وأعضاء مجلس النواب عن اتخاذ الإجراءات القانونية (الحكومية أو النيابية أو العسكري) وفقاً لتقاسم السلطات المنصوص عليه في المادة (47) من الدستور العراقي ضد جريمة العدوان الصهيو امريكي السعودي يجعل أي من المذكورين أعلاه قد ارتكبوا جريمة الحنث في اليمين الدستورية التي سبق وان ادوها بالحفاظ على سيادة العراق ورعاية حقوق المواطنين وحرياتهم وبضمنها الحق في الحياة المكفول وفق المادة (15) من الدستور في حالة عدم اتخاذ الإجراءات اللازمة لرد العدوان الصهيوامريكي السعودي على العراق والعراقيين.

 

 

ثانياً: مدى انطباق شروط الدفاع الشرعي على القصف الصهيوامريكي السعودي على العراق

سنتناول في هذا المحور استعراض الحجج القانونية لمناقشة ماورد في البيان الرسمي لوزارة الدفاع السعودية المتضمن استعمالها لحق الدفاع عن النفس وفق المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وتجدر الإشارة بهذا الصدد الى وجود العديد من القواعد الأساسية التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني ومنها مبدأ الضرورة العسكرية التي تنصرف الى ضرورة ان تؤدي الضربات العسكرية الى اضعاف قدرات العدو مع التركيز على مسألة اشتراكه في العمليات العسكرية من عدمه.

وبتطبيق ما تقدم على الأهداف التي قام العدوان السعودي باستهدافها في العراق والتي تمثلت في استشهاد (20) مقاتل، واصابة (12) اخرين بجروح مختلفة نجد ان هذه الهجمات تركزت في قصف مقرات الوية هيئة الحشد الشعبي التي لم تشترك في أي عملية قتالية مع القوات السعودية، ولم تقم بطلاق الطائرات المسيرة تجاه المنشآت النفطية السعودية، فضلاً عن انتفاء وجود العلاقة بين تشكيلات الحشد الشعبي الذي يعتبر تكيلاً عسكرياً وجزء لا يتجزأ من القوات المسلحة العراقية ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة وفق المادة (1) من قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016، فضلاً عن النص في هذا القانون على فك ارتباط الحشد عن جميع التنظيمات السياسية والاجتماعية، والتي من بينها فصائل المقاومة الإسلامية في العراق.

وبالرجوع الى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة فانها تنص ” تنص “1- ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس – بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق – من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه”.

 

يتضح من المادة اعلاه ان الشروط الأساسية لممارسة حالة الدفاع المشروع عن النفس تتمثل بأحد الشرطين الاتيين:

  1. أنْ يكون هناك عدوان وشيك الوقوع.

  2. يتوجب أنْ يتوافر في اعمال الدفاع شرط اللزوم (الضرورة)، وشرط التناسب.

 

وبهذا يشترط القانون الدولي فيما يتعلق باستخدام القوة من دولة أخرى توافر أحد الحالتين الآتيتين:

  • الموافقة الصريحة للدول على استخدام القوة في إقليمها.

  • أنْ تنسب أفعال الهدف المراد استخدام القوة ضده إلى دولة الإقليم، مع ضرورة مراعاة وتطبيق مبدأ (غير الراغب وغير القادر)، وذلك بأنْ تكون الحكومة العراقية – والتي تدعي السعودية وامريكا وجود التهديد في أراضيها – غير راغبة وغير قادرة على منع استخدام أراضيها لمثل هذه الهجمات وفق المادة (51) من الميثاق، وهو الأمر الذي لم يتحقق، ومن ثم فلا يجوز للسعودية أو للولايات المتحدة الأمريكية أنْ تستخدم القوة من دون موافقة العراق، إذ لم يصار إلى تقديم دليل على أنَّ العراق غير قادر أو غير راغب في منع استهداف المصالح السعودية من داخل الأراضي العراقية، ومصداق ذلك اللجنة التحقيقية التي شكلها رئيس الوزراء العراقي لغرض التحقق من استخدام الأراضي العراقية لقصف السعودية من عدمه.

وبهذا يتضح أنه لم تقدم السعودية اي أدلة معتبرة قانوناً تشير إلى أنَّ التهديدات كانت وشيكة ضد مصالحها من قبل العراق أو من قبل الحشد الشعبي، كما لم تقدم مبررات أو دليل للضرورة التي تستوجب اغتيال (20) شهيد واصابة (12) مقاتل في الأراضي العراقية.

كما لم يصار إلى إضفاء أي قيمة قانونية على التهديد المستقبلي المحتمل من أجل تبرير اللجوء إلى الدفاع الشرعي الوقائي من قبل الجانب السعودي، كما لم يتم تقديم تبريرات من السعودية فيما إذا كان الشهداء الذي استهدفهم العدوان الامريكي السعودي تشكل (اهدافاً) باعتبارهم جزءاً من الهجوم المستمر أو الوشيك، أو فيما إذا كانت تعتبرهم (اضراراً جانبية)، وهو الأمر الذي يمكن معه القول أنَّ الضرر الذي لحق بالعراق كان غير متناسباً مع الضرر المزعوم تجنبه من قبل السعودية أو الولايات المتحدة الامريكية، مما ينتفي معه الشروط القانونية والفنية لممارسة القوات المسلحة السعودية حق الدفاع المشروع عن النفس.

نخلص مما تقدم الى عدم قانونية الهجمات المنفذة من التحالف الصهيوامريكي السعودي ضد الأراضي العراقية، فلا يمكن اعتبارها دفاعاً شرعياً عن النفس لعدم توافر الشروط القانونية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.

وبالمقابل فان العراق بعد وقوع العدوان السعودي على الأراضي العراقية واستشهاد (20) مقاتل واصابة (12) اخرين فضلاً عن استهداف اهداف في كربلاء المقدسة وهي اهداف محمية بموجب القانون الدولي الإنساني تجعل العراق في موقف الدفاع المشروع عن النفس، يجوز للقائد العام للقوات المسلحة العراقية ان يقدم طلب مشترك مع رئيس الجمهورية الى مجلس النواب لغرض الموافقة على اعلان الحرب الدفاعية أو الهجومية ضد السعودية أو الولايات المتحدة الامريكية وفقا لاحكام المادة (61/تاسعاً) من الدستور العراقي.

وعلى الرغم من تمتع العراق واستناده للشرعية الدولية والشرعية الدستورية الوطنية في إمكانية استخدام حق الدفاع الشرعي عن النفس واللجوء الى خيار الرد العسكري ضد الدول المعتدية والمنتهكة لسيادته الكاملة، غير أن القائد العام للقوات المسلحة العراقية رفض استعمال خيارات الرد العسكري في رد العدوان السعودي الامريكي، لاعتبارات شخصية وعليا تتعلق بترجيح متطلبات مصالح حسن الجوار على متطلبات مصلحة الحفاظ على الكرامة والعزة الوطنية في ظل السيادة المنتكهة والارواح الزكية البريئة التي ازهقت نتيجة العدوان الأمريكي السعودي.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى