الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
من تقاسم الأعباء إلى تسعير الحماية.. تحولات السياسة الأميركية من الحرب الباردة إلى ترامب

بقلم: العميد الدكتور محمد حجاب / مصر
هل غيّر ترامب السياسة الأمريكية أم كشف منطقها الحقيقي؟
منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم بصورة أكثر وضوحاً مع اندلاع الحرب الباردة، اضطلعت الولايات المتحدة بدور استثنائي في بناء وإدارة منظومة الأمن الدولي الغربي. فمن خلال حلف شمال الأطلسي، والتحالفات العسكرية في آسيا، والوجود العسكري في “الشرق الأوسط”، وشبكة واسعة من القواعد والانتشار البحري والجوي، أصبحت واشنطن القوة المركزية في توفير الردع والأمن لحلفائها.
غير أن قراءة هذا الدور باعتباره «حماية مجانية» للعالم لا تتفق مع طبيعة السياسة الدولية. فالولايات المتحدة لم تتحمل تكلفة الانتشار العسكري العالمي دون مقابل؛ إذ حصلت في المقابل على نفوذ سياسي واسع، وقواعد عسكرية، وامتيازات استراتيجية، وأسواق، وشبكات تحالف، وقدرة أكبر على التأثير في حركة التجارة والطاقة والأمن الدولي.
ومع ذلك، ظلت هناك مشكلة حقيقية داخل النظام الأمريكي للتحالفات: من يتحمل تكلفة القوة الأمريكية التي توفر الأمن للجميع؟
هذه المشكلة ليست جديدة، ولم تبدأ مع دونالد ترامب. فقد كان الرئيس دوايت أيزنهاور يضغط منذ خمسينيات القرن الماضي على الحلفاء الأوروبيين لتحمل قدر أكبر من أعباء الدفاع الجماعي، كما ظلت قضية تقاسم الأعباء بنداً متكرراً في النقاشات الأمريكية والأطلسية لعقود.(1)
لكن ترامب نقل هذه القضية إلى مستوى مختلف. فبدلاً من التعامل معها باعتبارها مسألة فنية تتعلق بموازنات الدفاع، جعلها جزءاً من فلسفة أوسع لإعادة تعريف التحالفات الأمريكية وفق منطق المنفعة المتبادلة والعائد المباشر.
ومن هنا فإن السؤال ليس ما إذا كان ترامب قد اخترع سياسة «ادفع مقابل الحماية»، لأن الإجابة التاريخية هي لا؛ وإنما السؤال الأهم هو:
هل يحول ترامب مبدأ «تقاسم الأعباء» من سياسة تفاوضية داخل التحالفات إلى قاعدة جديدة لإدارة القوة الأمريكية عالمياً؟ وفي تقديري، فإن هذا هو التحول الحقيقي الذي يستحق الدراسة.
أولاً: جذور السياسة تعود إلى الحرب الباردة
تأسس حلف الناتو عام 1949 في بيئة استراتيجية كان الاتحاد السوفيتي يمثل فيها التهديد المركزي للولايات المتحدة وأوروبا الغربية. وبعد اندلاع الحرب الكورية عام 1950، توسعت الالتزامات العسكرية الأمريكية في أوروبا، وأصبحت الولايات المتحدة الطرف الرئيسي في توفير الردع النووي والقدرات العسكرية الاستراتيجية للحلف.(2)
وكانت المعادلة واضحة: الولايات المتحدة توفر الجزء الأكبر من القوة الاستراتيجية، بينما توفر الدول الأوروبية قوات وموارد وبنية تحتية ومساهمات مالية. لكن هذه المعادلة لم تكن مستقرة.
ففي خمسينيات القرن الماضي، بدأ المسؤولون الأمريكيون في انتقاد اعتماد أوروبا على المظلة الأمنية الأمريكية، وظهرت مبكراً فكرة أن على الأوروبيين أن يتحملوا نصيباً أكبر من تكلفة دفاعهم. وتكشف الوثائق التاريخية لوزارة الخارجية الأمريكية أن قضية «تقاسم الأعباء» كانت بالفعل قضية مزمنة داخل الحلف منذ بداياته، وأن الخلاف لم يكن حول مبدأ التحالف ذاته، بل حول حجم مساهمة كل طرف في الحفاظ عليه.(3)
وتوثق سجلات السياسة الأمريكية تجاه أوروبا خلال إدارتي جونسون ونيكسون أن قضية مساهمة الأوروبيين في الدفاع كانت «قضية دائمة»، إذ ربط مشرّعون أمريكيون – عبر مقترحات مثل تعديل مانسفيلد – بين حجم القوات الأمريكية في أوروبا وميزان المدفوعات الأمريكي، بينما أكد الأوروبيون في المقابل أن دفاع واشنطن عن القارة يخدم في الوقت ذاته مصلحة أمريكية مباشرة.(4)
وهذه النقطة التاريخية شديدة الأهمية، لأنها تكشف أن الجدل الحالي ليس جديداً في جوهره. الجديد هو درجة الصراحة التي يتعامل بها ترامب مع المعادلة.
لقراءة المقال كاملاً وتحميل المف، أدناه:



