الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

الذكاء الاصطناعي لم يتحول إلى ثورة بعد

 على غرار تجربة البريطانيين مع الطاقة البخارية، يمتلك المجتمع الأميركي القدرة على التأثير في كيفية انتشار هذه التكنولوجيا وتوجيه مسار تطورها

 

بقلم: بريا ساتيا

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

خلال ثمانينيات القرن الماضي، فقدت الثورة الصناعية، لفترة من الزمن، صفتها بوصفها (ثورة). فقد هددت المقاييس الكمية المستحدثة بإعادة تصنيف التحول الاقتصادي الذي شهدته بريطانيا في القرن الثامن عشر، واختزاله في مجرد “عملية” طويلة الأمد لا تتسم بطابع استثنائي ويعود ذلك إلى أن هذا التحول جرى بوتيرة بطيئة، واقتصر تأثيره على عدد محدود من القطاعات، بما لا يبرر استخدام مصطلح يوحي بحدوث تغيير شامل ومفاجئ.

لكن الثورة الصناعية استعادت في نهاية المطاف تصنيفها بوصفها (ثورة)، وإن مع الإقرار بأنها كانت أكثر تدرجاً وتفاوتاً مما توحي به الدلالة التقليدية للمصطلح ولم يكن جوهر الجدل الأكاديمي الدائر آنذاك متعلقاً بمدى ثورية المحرك البخاري، بل بحقيقة أن الاختراعات، مهما بلغت قدرتها على إحداث تحولات جذرية، لا تحدد وحدها حجم تأثيرها؛ إذ يتوقف ذلك أيضاً على مواقف الأفراد والمؤسسات وطريقة تعاملهم معها وكان من أبرز العوامل التي أبطأت مسار الثورة الصناعية مقاومة البريطانيين النشطة للتغييرات الناجمة عن استخدام الطاقة البخارية وتنظيم العمل داخل المصانع، وهي مقاومة بلغت حداً جعل الأجيال اللاحقة تشكك في اعتبار ذلك التحول “ثورة” بالمعنى الدقيق للكلمة.

ويستغل الرؤساء التنفيذيون لشركات الذكاء الاصطناعي، الذين يزعمون أن تقنياتهم تنطوي بطبيعتها على طابع ثوري يجعل إخضاعها للضوابط أمراً متعذراً، وأنه ينبغي بالتالي إعفاؤهم من المساءلة بموجب قوانين مكافحة الاحتكار والمسؤولية عن المنتجات، ضعف إدراك الرأي العام الأميركي لحقيقة تاريخية جوهرية، مفادها أن الجمهور، في الولايات المتحدة وعلى المستوى العالمي، يؤدي دوراً أساسياً في تحديد ما إذا كانت تكنولوجيا ما ستُحدث تحولاً ثورياً بالفعل.

وعلى الرغم من حرمان أبناء الطبقة العاملة في بريطانيا من حق التصويت، ومحدودية الوضع القانوني للنقابات آنذاك، فإنهم استطاعوا، من خلال تنظيم صفوفهم، إبطاء انتشار الطاقة البخارية، وانتزاع قدر من المشاركة في تحديد شروط استخدامها، عبر استصدار قوانين تنظم ساعات العمل والسلامة المهنية والحد الأدنى لأعمار العاملين وقد نظموا أعمال الشغب، وحطموا الآلات، وأنشؤوا نقابات سرية، وعقدوا تجمعات جماهيرية، وقدموا العرائض، ونظموا المسيرات، فضلاً عن كتابة المنشورات وتوزيعها وبلغت تحركاتهم من القوة ما جعلها تشكل تهديداً للنخبة الحاكمة، الأمر الذي دفع الحكومة إلى تخصيص أعداد كبيرة من القوات لقمعهم، حتى في الوقت الذي كانت تخوض فيه حروب نابليون في مختلف أنحاء العالم.

وقد واصل العمال مقاومتهم لأن ما كان على المحك يتجاوز مجرد ظروف العمل، ليشمل نمط حياة بأكمله؛ نمطاً لم يكن يفصل بوضوح بين العمل والحياة، وكانت أعراف المهن فيه تضمن الحفاظ على معايير الحرفية، وعدالة الأسعار، وإنصاف الأجور، كما كانت تتيح لغير الأثرياء صون كرامتهم والشعور باستقلاليتهم لذلك، رأى كثير من البريطانيين العاديين أن تهديد الثورة الصناعية لهذا النمط من الحياة يمثل اعتداءً على الطبيعة الإنسانية يستحق التضحية بالأرواح دفاعاً عنه.

وعلى الرغم من أن مصطلح “اللوديين” أصبح يُستخدم للدلالة على الرفض غير العقلاني للتكنولوجيا الجديدة، فإن اللوديين الذين حطموا الآلات خلال العقد الثاني من القرن التاسع عشر لم يكونوا يعارضون الأنوال الآلية في حد ذاتها، بل كانوا يقاومون العلاقات الاستغلالية والقمعية التي صاحبت اعتماد أصحاب المصانع عليها فعلى سبيل المثال، كان من شأن فرض ضريبة على الأنوال الآلية أن يحقق قدراً أكبر من تكافؤ المنافسة، وأن يوفر موارد مالية لتعويض النساجين اليدويين الذين فقدوا مصادر رزقهم.

 

 

وفي هذا السياق، أوضح المؤرخ إي. بي. طومسون في ستينيات القرن الماضي أن: “ما كان على المحك هو “حرية” الرأسمالي في تقويض أعراف المهنة، سواء من خلال إدخال الآلات الجديدة، أو نظام المصانع، أو المنافسة غير المقيدة، وخفض الأجور، والتغلب على المنافسين عبر تقديم أسعار أدنى، وتقويض معايير الحرفية… أما صاحب المصنع “الحر”، الذي راكم ثروته بهذه الوسائل، فقد كان يُنظر إليه بوصفه شخصاً يمارس أنشطة غير أخلاقية وغير قانونية”.

فبالنسبة إلى عامة البريطانيين، لم تكن الرأسمالية القائمة على مبدأ عدم التدخل تعبيراً عن الحرية، بل كانت “فرضاً جائراً”، إذ لم يكن هناك أي (قانون طبيعي) يبيح للمرء ممارسة أنشطة تلحق الضرر بالآخرين ولم يكن اللوديون يتطلعون إلى استعادة الماضي فحسب، بل كانوا يتطلعون أيضاً إلى إقامة مجتمع صناعي جديد أكثر ديمقراطية، تُخضع فيه المصالح الجماعية والأولويات الأخلاقية السعي إلى تحقيق الأرباح.

إن تصوير الرؤساء التنفيذيين للذكاء الاصطناعي هذه التكنولوجيا بوصفها قوة لا يمكن إيقافها، ستُحدث حتماً تحولاً شاملاً في كل شيء بين عشية وضحاها، يستند إلى التصور الشائع للثورة الصناعية باعتبارها تحولاً مفاجئاً أحدثه اختراع الطاقة البخارية على أيدي عباقرة تحرروا من القيود، وهي رواية أسهمت في ترسيخها النظريات الاقتصادية الليبرالية والنيوليبرالية وحتى عندما يقر أنصار هذه النظريات بأن الثورة الصناعية لم تحدث بالسرعة المتصورة، فإنهم يتعاملون مع بطء وتيرتها بوصفه سمة ملازمة لطبيعتها، لا نتيجة ظرفية لفاعلية جماعات واسعة من المحرومين والمهمشين ومن هذا المنطلق، يرى الاقتصادي دارون عجم أوغلو أن عصرنا الحالي يشهد ظروفاً (غير مسبوقة)، مستنداً إلى أن: “المرحلة الأولى من الثورة الصناعية استمرت 80 عاماً، في حين يحدث التحول اليوم خلال عام أو عامين… وفي قطاعات عديدة في الوقت نفسه”. وعلى الرغم من تحذير عجم أوغلو، على نحو مفيد، من المخاطر التي ينطوي عليها الذكاء الاصطناعي، فإنه يغفل السابقة التاريخية المهمة المتمثلة في المقاومة الشعبية التي تقف وراء هذا التباين الظاهري في مسار الثورة الصناعية.

لم نغادر فجأة القواعد الراسخة للتحولات الاقتصادية، إذ لا توجد قوانين تاريخية حتمية تتحكم في مسيرة التقدم الاقتصادي والتكنولوجي فقد اعتمدت الثورة الصناعية البريطانية، في الواقع، بدرجة كبيرة على العقود العسكرية الحكومية، تماماً كما أسهمت العقود العسكرية في دفع صعود وادي السيليكون خلال الحرب الباردة، وكان لها دور حاسم في تطوير الذكاء الاصطناعي نفسه فالتحولات التكنولوجية الكبرى ليست نتاج مسار تاريخي حتمي لا يمكن تفاديه، بل هي ثمرة استثمارات مقصودة وعالية المخاطر في الابتكار، أتاحت تنفيذها الموارد الهائلة التي تمتلكها الحكومات القوية ويشكل تقاعس الحكومة الأميركية عن التصدي للأضرار الناجمة عن منتجات شركات الذكاء الاصطناعي، واستمرار إخفاقها في تطبيق القوانين القائمة التي تحظر توزيع المنتجات المعيبة والضارة، عاملاً إضافياً في تسريع انتشار هذه التكنولوجيا.

وهكذا، أسهمت شركات الذكاء الاصطناعي والحكومة الأميركية والأساطير الليبرالية بشأن مسار التاريخ في تهيئة الظروف التي تجعل الذكاء الاصطناعي قوة محدثة للاضطراب، وقادراً على إحداث تحول ثوري في آثاره وسيكون كذلك ما دام الرأي العام الأميركي ينساق وراء ادعاءات الرؤساء التنفيذيين بشأن الكيفية التي تحدث بها الثورات التكنولوجية، ولا يدرك قدرته على احتواء آثارها، تماماً كما تمكن البريطانيون العاديون من كبح مسار الثورة الصناعية كما أن تصوير هؤلاء الرؤساء التنفيذيين الذكاء الاصطناعي بوصفه ثورياً بطبيعته يسهم في انتزاع امتيازات خاصة من الحكومة وردع أي تحرك شعبي لمعارضة توسعه وبالنظر إلى الشراكة التي أقامتها الحكومة مع هذه الشركات حتى الآن، فإنها لن تبادر من تلقاء نفسها إلى إخضاعها للمساءلة، ما يجعل الضغط الشعبي ضرورة لا غنى عنها.

والواقع أن الجمهور كان طرفاً في هذه العملية منذ بدايتها، بوصفه دافع الضرائب الذي يمول العقود الحكومية ومن ثم، يحق له، بل ينبغي له، أن يطالب بدور في توجيه مسار تطوير الذكاء الاصطناعي مستقبلاً، وأن يستعيد دوره التاريخي في فرض الرقابة الديمقراطية على التكنولوجيات المسببة للاضطرابات والتحولات الجذرية.

وليست هذه حالة يستحيل فيها التراجع عن مسار الأمور بعد فوات الأوان فقد أقر الاتحاد الأوروبي عام 2024 قوانين تحظر أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تهدد سلامة الإنسان وحقوقه، وأسهمت هذه التشريعات بالفعل في إبطاء طرح منتجات الذكاء الاصطناعي في الأسواق الأوروبية وينبغي لصانعي السياسات في الولايات المتحدة، في الحد الأدنى، إخضاع هذه التكنولوجيا للوائح القائمة التي تهدف إلى الحماية من المنتجات المعيبة والضارة بالبيئة كما يتعين على دافعي الضرائب المطالبة بأن تستخدم الحكومة نفوذها المستمد من العقود التي تمنحها لهذه الشركات، وما توفره لها من سمعة ومصداقية، لإلزامها بإعطاء الأولوية لسلامة منتجاتها، بدلاً من التوسع المتهور في قدراتها.

ولا يعني تبني مثل هذه المطالب منح الصين تلقائياً فرصة لتوسيع نفوذها التكنولوجي، إذ ستخضع منتجات الذكاء الاصطناعي الصينية للمعايير واللوائح ذاتها عند استخدامها في الولايات المتحدة، حيث تعتمد شركات عديدة بالفعل على نماذج صينية مفتوحة المصدر وتقدم اتفاقيات منع الانتشار النووي التي توسطت فيها الولايات المتحدة مع خصمها اللدود، الاتحاد السوفياتي، في ذروة الحرب الباردة، دليلاً تاريخياً على إمكانية الحد من انتشار التكنولوجيات الخطرة من خلال التعاون الدولي.

غير أن التصدي الفاعل لهذه التطورات يتطلب تنظيماً وجهوداً تتجاوز ما اعتاد عليه مجتمع مدني دُرّب على التعبير عن مواقفه من خلال التصويت وحده فهو يتطلب أشكالاً جديدة من التنظيم النقابي في بيئات عمل مستحدثة، إلى جانب العودة إلى أساليب العمل الجماعي والاحتجاج الشعبي التقليدية كما يستلزم إعادة توجيه استثمارات صناديق التقاعد بعيداً عن هذه الشركات، ودعم ائتلافات علماء الذكاء الاصطناعي المعنيين بمخاطره، وضمان ألا يستغل أي رئيس تنفيذي لهذه الشركات الدعوات إلى سن تشريعات جديدة لتمرير قوانين تعفي منتجاته من قواعد المسؤولية القانونية المعتادة ومن أمثلة ذلك مشروع القانون الذي أعدته شركة “أنثروبيك”، والذي يتيح للحكومة حظر نماذجها فقط إذا كان استخدامها ينطوي على احتمال التسبب بأضرار تبلغ قيمتها مليار دولار أو أكثر، أو تعريض أكثر من 50 شخصاً لخطر القتل أو الإصابة ويعني ذلك أيضاً اللجوء إلى القضاء ضد الشركات التي تطرح منتجات ذكاء اصطناعي غير آمنة، عندما يتقاعس حلفاؤها من الشركات عن مساءلتها، كما فعلت مؤخراً إحدى المنظمات غير الربحية في دعوى تتعلق بعملية اختراق “أوبن إيه آي” لمنصة “هاغينغ فيس”.

وقد أثبتت المطالبة الشعبية بإخضاع الشركات للمساءلة قدرتها على إحداث تأثير ملموس؛ إذ علّقت شركة “أوبن إيه آي” إطلاق أحدث نماذجها بسبب مخاوف أمنية. لكن يتعين على الجمهور مواصلة تنظيم جهوده، حتى في غياب أي ضمانات بتحقيق النجاح فالمقاومة لم توقف الثورة الصناعية، لكنها أبطأت مسارها، وكان لذلك أثر بالغ في حياة الأجيال التي عاصرتها كما أسهمت في نهاية المطاف في رفع مستويات معيشة العمال البريطانيين والأهم من ذلك أن البريطانيين العاديين استعادوا، من خلال تنظيماتهم الجماعية، الكرامة والإنسانية اللتين خاضوا نضالهم من أجلهما فعلى الرغم من المعاناة الكارثية التي عاشوها خلال الثورة الصناعية، أسهم الحرفيون الذين قاوموا أضرارها في إنتاج ما وصفه طومسون بأنه “أبرز ثقافة شعبية عرفتها إنجلترا”، وأفرزت هذه الثقافة أعداداً لا تحصى من المخترعين والمنظمين والصحفيين والمنظرين السياسيين، فضلاً عن بلورة رؤية لمجتمع ديمقراطي جديد.

وبالمثل، فإن استئناف الأميركيين نضالهم التاريخي في مواجهة الاستغلال الذي تمارسه الأوليغارشية من شأنه أن يحقق مكاسب ثقافية واجتماعية كبيرة، بصرف النظر عن مدى تأثير جهودهم في وقف انتشار منتجات الذكاء الاصطناعي الضارة فهذه الأنشطة بحد ذاتها تتيح فرصة لاستعادة الكرامة والإنصاف والاستقلالية، بل والإنسانية ذاتها.

 

إن الرأي العام الأميركي هو من سيحسم ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيشهد “ثورة” أم لا.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى