الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
السنوار وتحول استراتيجية التحرر وملامح نظام دولي جديد

يقول في روايته” الشوك والقرنفل”: والله لو لم اجد الا الذر لجاهدتكم به!
بقلم: الباحث نوار عبد الرزاق الحسن الثامر
في الحروب الكبرى عموماً، والحروب التحررية ضد الاستعمار خصوصاً، نادراً ما يظهر قادة يكون لهم دور مهم وفارق في مجرى حروبهم، ويكون لهم عظيم الاثر في سير تلك الحروب، ويكون هذا التحول علامة فارقة في طريق التحرير- وان طال زمن التحرير- ونيل الاستقلال وفي تغير الاوضاع الاقليمية والدولية ايضاً. امثال سيمون بوليفار قائد حرب الاستقلال الامريكية الجنوبية ضد الإسبان، والذي كانت حملته لعبور جبال الأنديز سنة 1819 والتي مهدت فيما بعد لانتصار بوياكا وتحرير غرناطة الجديدة، ونيلسون مانديلا ونضاله الذي مهد فيما بعد لتوحيد افريقيا واسقاط الفصل العنصري. وكذلك هو تشي منه في فيتنام، والخطابي في المغرب، والجزائري في الجزائر، والمختار في ليبيا وغيرهم من رموز حركات التحرر والاستقلال ومقاومة المستعمر. جاء يحيى السنوار(ابا ابراهيم) قائد حركة المقاومة الاسلامية -حماس- ليكمل ظهور قادة التحرير والاستقلال المحوريين، والذي جمع بين براعة وجراءة بوليفار في طوفان الاقصى- يوم العبور العظيم، وبين اقدام وشجاعة عمر المختار في الصمود وتحدي الظروف القاهرة، والذي يقول في روايته” الشوك والقرنفل”: والله لو لم اجد الا الذر لجاهدتكم به!.
صاحب العصا وعزل الكيان المحتل
فهم صاحب العصا فهما يقينياً تاماً، بان هذا الصراع مع الاحتلال الذي سيصل الى عقده الثامن والذي صار في العقد الاخير اكثر تعقيدًا وتشابكاً وترابطاً مع النظام الدولي سياسياً، اقتصادياً، امنياً، وعسكرياً من جهة، ومع شريحة كبيرة من المجتمع الدولي اجتماعياً، وثقافياً من جهة اخرى، بحيث اصبح المجتمع الدولي يتأقلم مع الاحتلال وسياساته وتوجهاته، وصار يرى ان الاحتلال ليس احتلالاً، وان اجرامه وممارساته العنصرية والاستيطانية الإحلالية انها مبررة بحكم الواقع الذي تروج له وسائل الاعلام الموجهة وسرديتها ذات التأثير الكبير على الشعوب. ووفق هذا الفهم المترسخ عرف صاحب العصا انه لا بد من استراتيجية جديدة تفكك هذا التشابك والترابط من جهة، وتظهر حقيقة هذا الكيان المجرم الظالم العنصري والضعيف للمجتمعيين العربي والدولي من جهة اخرى. لذلك وقبل فترة طويلة من الطوفان قال صاحب العصا:” سنضع الاحتلال في حالة تناقض وتصادم مع الادارة الدولية كلها، ونعزله عزلاً عنيفاً شديداً، ونمنع اندماجه في المنطقة والعالم”. وهذا ما قد حصل بالضبط بعد الطوفان وسيحصل اكثر بالسنوات القادمة ايضاً، حيث صار الاحتلال في حالة تصادم وشبه تخلي من اغلب الانظمة الغربية سياسياً، امنياً، وعسكرياً حتى وصل الامر بفرنسا ودول اوربية اخرى بان تقود تحالفاً كبيراً من اجل اقامة دولة فلسطينية وبما يحمله هذا التحالف من رمزية ذات تأثير شعبي مستقبلي وادانة ضمنية واستنكاراً وعدم قبول بسياسات واجرام الاحتلال، بحيث وصل الامر ببعض الدول كبريطانيا وبلجيكا واسبانيا وغيرهما بانهما منعوا تصدير الاسلحة والبعض الاخر ناقش الامر جدياً في الاتفاقات العسكرية مع الاحتلال هذا من جهة. ومن جهة ثانية، التعاطف الكبير من قبل الكثير من شعوب العالم بشكل عام، والنخب السياسية والثقافية والاعلامية والاكاديمية بشكل خاص حيث خرجت مظاهرات واعتصامات كبرى تدعم القضية الفلسطينية وتساند غزة في كل ارجاء العالم، وهذه المظاهرات يقودها شباب من ارقى الجامعات والمعاهد العالمية كجامعة كولومبيا وهارفارد وواشنطن وغيرهما والتي تعنيا في تخريج قادة سياسيين يحكمون امريكا في المستقبل، وكذلك جامعات في اوروبا مثل جامعة اكسفورد وكامبريدج في بريطانيا ومعهد باريس للدراسات السياسية في فرنسا، وغيرها في المانيا وهولندا وباقي دول اوروبا. اضافة لذلك كله اصبحت دولة الاحتلال دولة ظالمة وحشية بعدما كانت تدعي المظلومية والبراءة وملاحقة قانونياً في المحاكم الدولية بتهم العنصرية والابادة الجماعية، ومسؤوليها مطلوبين دولياً بتهم ارتكاب جرائم حرب ضد الانسانية. ان كل هذا ربما لا يظهر تأثيره النهائي والحاسم سريعاً، ولكنه قطعاً ستظهر نتائجه الحاسمة بعد سنوات. وهذا ما كان يقصده صاحب العصا باستراتيجيته في العزل العنيف الشديد للاحتلال من قبل المجتمع الدولي وتصادمه مع النظام الدولي.
المُبصر ورؤيته لنظام دولي جديد
كانت المنطقة قبل الطوفان في حالة هدوء ولكنه هدوء حذر، وكانت تسير وفق هذا الهدوء نحو تطبيع فاضح وجعل من القضية الفلسطينية امراً “اسرائيلياً” بحتاً ولا شأن لباقي العرب والمسلمين به، وكان هذا التوجه مدعوما من النظام الدولي بقيادة امريكا وترامب والمحافظون الجدد بالخصوص. فرأى المُبصر وفق استراتيجيته والمتمثلة بالطوفان بان هذا الهدوء المزيف الذي يريد حمل نعش القضية الفلسطينية لا بد ان ينتهي ويلد بدله وضعاً جديداً لا يكسر النعش فحسب بل يغير وجه القضية والمنطقة والعالم بأسره، (واي نظام دولي جديد يولد لا بد له من مخاض واحداث كبرى) كما يقول كيسنجر. فقام الطوفان وفق رؤية المُبصر الذي قال:” والله اراها رأي العين، حرب اقليمية ستحرق الاخضر واليابس وستغير شكل الكرة الارضية”. فكان طوفانا ذا ارتدادات هائلة انتج حرباً اقليمية وتداعيات دولية كبيرة، وادى الى تحولات جيوسياسية كبرى على مستوى الاقليم والعالم، من حيث التغيير في موازين القوى والتحالفات والتفاهمات والشراكات الاقليمية والدولية.
فمن كان يظن ولو للحظة بان تتعقد العلاقة الوثيقة بين امريكا واوروبا وامريكا تهدد بالانسحاب من حلف الناتو وتُفقد الثقة بينهما وربما تنتهي بشكل من الاشكال يوما ما؟، ومن كان يظن ان تتقارب امريكا وروسيا في كثير من القضايا على حساب الشركاء وبعض الحلفاء وربما يتحالفون مستقبلا؟، ومن كان يظن ان الاتحاد الاوروبي ربما يتفكك وتتنافس دوله على القيادة والسيطرة؟، ومن كان يتخيل ان اوروبا توسع شركتها مع الصين وربما يصبحون حلفاء يوماً ما؟، ومن كان يظن ان “اسرائيل” دولة يمكن هزيمتها وستحارب وتحاصر من العالم؟، ومن كان يتخيل ان دول المنطقة تتحالف فيما بينها وتعقد تحالفات امنية ودفاعية وتعقد شراكات اقتصادية بعيداً عن امريكا واوروبا؟، ومن كان يظن ان امريكا تضعف وانها ليست شرطي العالم وانها ليست الاقوى في العالم وان دول اخرى ستنافسها على قيادة العالم ويصبح العالم متعدد الاقطاب؟!. كله هذا ما كان يعنيه المُبصر بقوله:” سيتغير شكل الكرة الارضية”.
مهندس الطوفان وغزة وكشف الحقائق
منذ العقد الاخير من الصراع العربي “الاسرائيلي” وتحديداً في منتصف العقد كان الاقليم عموماً، والعرب خصوصاً وعلى مستوى النخب السياسية والثقافية والاجتماعية والاعلامية والاكاديمية وحتى الدينية لا يناقشون السبل والاليات التي تدفع بالفلسطينيين في قضيتهم وقضية العرب جميعاً، بل كان جل نقاشهم متمحور على كيفية العمل للاستعداد شبه كامل لأقلمة “اسرائيل”: في محاولة لانصهارها بالمنطقة من جهة، وتصدير نموذجها على انه النموذج الحضاري والثقافي الذي يجب على المنطقة ان تحتذي به من جهة اخرى. كانت المنطقة والعرب منقسمين، القسم الاول مع “اسرائيل” شراكة وحلفا. والقسم الثاني ضد “اسرائيل” بالعلن ومعها بالخفاء يتحين الفرص. اما القسم الثالث فهو الرافض ولا يتقبل “اسرائيل” بالمطلق فضلاً عن انصهار واقلمتها في المنطقة. فكانت النقاشات واختلاف الرؤى والسياسات وفق التوجهات الثلاثة الى ان وصل الحال قبيل الطوفان بان يطغى القسم الاول على المشهد الاقليمي ويتوج طغيانه بما يسمى “بالاتفاقية الابراهيمية”، ويتوارى القسم الثاني داعماً بالخفاء وخافتا بالعلن، ويختفي القسم الثالث خوفاً او كرها، الى ان جاء الطوفان ومهندسه بعملية كبرى في مدينة عظيمة، ليظهروا اجرام وظلم الاحتلال ومعاونة ومساندة بعض العرب له في حرب الابادة في غزة من جهة، ومن جهة اخرى خذلان وعجز منقطعا النظير لباقي العرب والاقليم في مناصرة ومساعدة غزة واهلها في اصعب الظروف حتى انهم لم يستطيعوا ان يدخلوا قطرة ماء او كسرة خبز او حبة دواء للعطشى والجوعى والمرضى من اهل غزة. وبذلك كشفت غزة ومهندس الطوفان الجميع بقوله قبل الطوفان بأشهر طويلة:” ستفضح هذه المدينة- اي غزة- كل المطبعين وستخزي كل المنسقين، وستكشف حقيقة كل المفرطين والمتنازلين”. وهذا يقيناً ما قد جرى بعد الطوفان وما زال يجري الى يوم الناس هذا!.
خاتمة
سيكون السنوار “ابا ابراهيم” قائداً ورمزاً ليس فلسطينا فحسب بل عالمياً ومحوراً في اي تحرر او انتصار قادم، وان طال الزمن مئات السنين. وسيصبح الطوفان المسمار الاقوى الذي دُق في نعش هذا الكيان، وسيكون حتماً القشة التي ستقصم ظهر دولته. وستظل غزة واهلها رغم المعاناة وشديد الالم النبراس المنير لتحرير فلسطين والمسجد الاقصى. وستتذكر الاجيال القادمة ان التحرر بدأ يوم الطوفان وستظل ارتداداته قائمة الى يوم النصر المبين.




