الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

الربيع الأوروبي الجديد.. الأزمات الاقتصادية والتحولات السياسية في عشرينيات القرن الـ 21 

بقلم: حسن فاضل سليم

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

تندلع في أوروبا موجة احتجاجات انتشرت في عدد من الدول الأوروبية احتجاجاً على سوء الأوضاع الاقتصادية وتردي مستويات التعليم وانتشار البطالة، في وقت تقوم الحكومات بقمع عمليات الاحتجاج وتربط المشكلات الاقتصادية بأزمة مضيق هرمز والحرب الروسية على أوكرانيا، في حين أن الاحتجاجات هذه تكشف عن ازمة أعمق في المجتمعات الاوروبية ترتبط بشكل مباشر في مآلات التطبيق الحرفي للنظام الرأسمالي وحرية الاسواق التي قادت لنوع من الرأسمالية المتوحشة، تحاول هذه المقالة دراسة التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي افرزتها النيوليبرالية في المجتمعات الاوروبية والتحقق من إمكانية ان يكون الوضع الذي تمر به القارة العجوز مشابها لما مرت به في مطلع القرن العشرين والذي قاد لصعود الحركات الشيوعية والفاشية.

 

النيوليبرالية والأزمات الاقتصادية والتحولات السياسية

كان أول من نظر للأيديولوجيا الليبرالية عدد من مفكري عصر التنوير الأوروبي، وقد شهدت تلك المرحلة التي تعرف بمرحلة الحداثة الاوروبية والتنوير سجالات فكرية ناتجة عن بروز الطبقة البرجوازية الاوروبية وصعود المثقفين حيث كانت السجالات الفلسفية على اشدها عندما ظهرت وكرد فعل على حركة التنوير الحركات الاشتراكية ولاسيما الماركسية التي اسس لها كارل ماركس وفريديرك انجلز حيث أسهمت هذه الحركات في تبلور صراع فكري ايديولوجي بات يتشكل على اساس طبقي بين طبقة برجوازية صاعدة وبين طبقة بروليتارية من العمال والفلاحين.

تلا ذلك صعود الاحزاب الفاشية التي نحت منحى الغلو بالمشاعر القومية خلال اواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وهو صعود تسبب لاحقاً بحرب عالمية ثانية كان نتيجتها هزيمة الاحزاب التيارات الفاشية لصالح الحلف المؤقت الذي نشأ بين الاشتراكية والرأسمالية، اللذان سرعان ما دخلا في صراع مباشر ضمن الحرب الباردة قبل ان ينتهي الامر بانتصار الرأسمالية، في العقد الاخير  من القرن العشرين.

لقد اتسم العقد الاخير من القرن العشرين والعقدين الاولى من القرن الحادي والعشرين هيمنة النيوليبرالية كأيديولوجيا معتمدة في النظام الدولي وقد كان من جملة تداعيات تبنيها عالمياً ان تم انشاء منظمة التجارة الحرة ونمو رؤوس الأموال واندثار بعض المهن والصناعات ونمو أخرى، كما نما قطاع الخدمات كقطاع اقتصادي ثالث وهو امر زاد من عدد الشركات وادى لنمو شركات متعددة الجنسيات عابرة للحدود والتي ازداد عددها بشكل مضطرد فضلاً عن نفوذها وتأثيرها في صنع القرار كما ان تبني حالات الهجرة غير الشرعية والشرعية زاد من عدد السكان في الدول المتقدمة ورفع من حدة البطالة ومن الضغط على الخدمات العامة مما أدى إلى تردي عام للخدمات الصحية والتعليمية والبيئية.

ولعله من المفارقة القول ان مطلع القرن الحادي والعشرين ولاسيما عقد العشرينيات الجاري يشبه في كثير من تفاصيله واحداثه عقد العشرينيات من القرن الماضي، حيث افتتحت عشرينيات القرن الماضي بفايروس الانفلونزا الإسبانية التي راح ضحيتها الملايين كجائحة عالمية، في حين افتتحت عشرينيات القرن الحالي بجائحة فايروس كورونا الذي يمثل مرحلة متطورة من الانفلونزا والذي راح ضحيته 7 ملايين شخص حول العالم.

 

 

هذا التشابه لم يقتصر على الجائحة فقط ولكنه ايضاً شمل صعود التيارات السياسية ففي عشرينيات القرن العشرين بلغ صعود التيارات الاشتراكية والفاشية ذروته مع ظهور تطور هذه الايديولوجيات ودخولها مرحلة التطبيق، حيث دخلت الأيديولوجية الماركسية مرحلة التطبيق من خلال الاتحاد السوفيتي وتعديلات لينين عليها، اما الفاشية فقد دخلت مرحلة التطبيق الفعلي بصعود الأحزاب الفاشية الى السلطة في إيطاليا عبر بينتو موسوليني وفي المانيا عبر ادولف هتلر والحزب النازي الألماني الذي اعتلى السلطة في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي بينما برزت حركته بقوة في العشرينيات.

اما في عصرنا الحاضر فأن الأحزاب الفاشية او ما يعرف باليمين الجديد بدأت بالصعود بشكل واضح مع وصول دونالد ترامب في ولايته الأولى في الولايات المتحدة الامريكية، وبعد ازمة الهجرة غير الشرعية التي واجهتها أوروبا وتصاعد المخاوف من التغيير الديمغرافي الذي قد يطال القارة الأوروبية نتيجة لتوطين الملايين من الافراد من جنسيات غير أوروبية في القارة العجوز.

الا ان السبب الأبرز لصعود الأحزاب اليمينية في أوروبا يكمن في الازمة المالية العالمية التي ضربت السوق الأمريكي وامتدت الى الأسواق العالمية بما فيها السوق الأوروبية، حيث عانت العديد من دول الاتحاد الأوروبي من تبعات الازمة مما انعكس سلباً على مستويات الرفاه التي كانت توفرها دول الاتحاد الأوروبي لمواطينها مما دفع الجمهور لمعاقبة الأحزاب الليبرالية وكذلك أحزاب يسار الوسط في الانتخابات ودعم الأحزاب اليمينية المتطرفة التي كانت تطالب بمطالب تلامس حاجات الشارع وحالة الغضب التي يشعر بها تجاه السلطة التي تتبنى منطق السوق الحرة.

ولم يقتصر الامر على اليمين الجديد بل أيضا شمل أيضاً عودة صعود اليسار الراديكالي الذي يرفض النيوليبرالية ويدعو لتأميم القطاعات الحيوية وتقليص السياسات الرأسمالية المطلقة في الاتحاد الأوروبي، وهي أحزاب تمثل اليوم ذورة الاحتجاجات الشعبية في أوروبا.

وتقود هذه الأحزاب الاحتجاجات الراهنة في فرنسا وعدد من الدول الأوروبية مثل حزب فرنسا الابية وهو القوة المهيمنة على اليسار الفرنسي حالياً. يتبنى الاشتراكية الديمقراطية واليسارية الشعبوية، ويعارض بشدة السياسات النيوليبرالية، داعياً إلى إعادة توزيع الثروة بشكل جذري.

بالتالي تمثل الليبرالية الكلاسيكية وما آلت اليه عملية تبنيها وتبني الرأسمالية في القرن العشرين وكذلك تبني النيوليبرالية والرأسمالية المطلقة في القرن الحادي والعشرين المسبب الرئيسي لصعود التيارات السياسية المناهضة لها حيث تحمل الرأسمالية كنظرية اقتصادية مرتبطة بالليبرالية بذرة الازمة في تكوينها، فمن خلال آلية عمل السوق الحر تنشأ ما تعرف بالفقاعات الاقتصادية نتيجة السماح بعمليات المضاربة على السلع والأسهم والأوراق المالية ما يؤدي الى تضخم مفرط لبعض السلع والأسهم والقطاعات الاقتصادية بشكل مبالغ فيه ليزداد سعرها بشكل يفوق قيمتها الحقيقية عندها تتحول الى ما يعرف بالفقاعة الاقتصادية التي بمجرد ان تصل الى ذروة الصعود السعري تنفجر على مشتريها والمضاربين وتؤدي الى خسائر كبيرة تنعكس على السوق والاقتصاد بصورة عامة، مسببة ازمة اقتصادية لا تطال اقتصاد واحد بل تطال اقتصادات أخرى مرتبطة به كما حصل في الازمة المالية العالمية عام 2008 حيث انفجرت فقاعة سوق العقار في الولايات المتحدة مؤدية الى ازمة اقتصادية لم تقتصر على الولايات المتحدة بل امتدت الى جميع الدول الرأسمالية الأخرى بما فيها الدول الأوروبية التي ظلت تعاني من تداعيتها حتى اليوم.

والأزمات الاقتصادية وبحكم طبيعة السوق والنظام الرأسمالي يمكن ان تتكرر بشكل دوري كل 10 او 12 سنة او اكثر في دورة ثابتة، مما يجعل الازمات في النظام الرأسمالي حتمية وتقع ضمن صميم النظام وبنيته، حيث من خلالها تنمو أسواق جديدة وشركات جديدة وقطاعات جديدة من انقاض الازمة.

هذا الحال ينعكس سلباً على اغلب شرائح المجتمع ويؤثر على الوظائف ومعيشة الافراد، لذلك بعد كل ازمة اقتصادية او سلسلة أزمات اقتصادية يزداد الغضب من النظام الرأسمالي والنيوليبرالية السياسية التي تدعمه من قبل معظم شرائح المجتمع مما يولد حركات سياسية يسارية تطالب بالمساواة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية وانصاف العمال والفلاحين بوجه جشع الشركات الكبرى وأصحاب رؤوس الأموال.

إن الأهمية السياسية للأزمات الاقتصادية لا تكمن في آثارها المعيشية المباشرة فحسب، بل في قدرتها على إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والنخب الحاكمة. فعندما تتراجع قدرة الأفراد على تلبية احتياجاتهم الأساسية، وتتزايد الشكوك بشأن عدالة توزيع الأعباء الاقتصادية، تتحول المطالب المعيشية تدريجياً إلى تساؤلات بشأن السياسات العامة والخيارات الاقتصادية التي تتبناها الحكومات. وفي هذه البيئة، تتسع فرص القوى السياسية البديلة، سواء من اليمين القومي أو اليسار الراديكالي، لتقديم نفسها بوصفها قادرة على تمثيل الفئات المتضررة. ومن هنا، لا يعود الاحتجاج مجرد تعبير عن أزمة اقتصادية، بل يصبح مدخلاً لفهم التحولات التي تصيب الخريطة السياسية الأوروبية.

 

الاحتجاجات المعاصرة في فرنسا هل يشتعل ربيع أوروبي جديد؟

في اطار مقارنة الماضي بالحاضر يمكن القول ان الوضع الراهن في فرنسا تحديداً يتشابه مع وضعها في عام 1848م عندما ما عرف بالربيع الأوروبي او ربيع الأمم حيث اندلعت موجة ثورات شعبية عمت القارة الأوروبية ضد الحكومات الملكية القائمة آنذاك.

ان أوجه التشابه تكمن ان ذلك الربيع بدأ بالثورة الفرنسية التي اندلعت ضد النظام الملكي الدستوري الفرنسي وادت الى إقامة الجمهورية الفرنسية الثانية، ثم عمت الثورة الى دول أوروبية أخرى، كما ان من أوجه الشبه الأخرى ان تلك الثورة كانت تمثل تحالفا بين طبقة العمال والفلاحين مع الطلاب الجامعيين، وهو ما يحصل اليوم حيث ان التحرك الاحتجاجي ينطلق من الجامعات والمدارس الفرنسية، اما من أوجه الشبه الأخرى هي ثورة الشعوب في القرن التاسع عشر ضد النخب الارستقراطية الحاكمة التي اعتبرتها معزولة عن الواقع. واليوم، تعكس الاحتجاجات فجوة عميقة وصراعاً بين الشارع والنخبة الحاكمة المتمثلة بالاحزاب السياسية الليبرالية، كما انها حركات احتجاجية جاءت بعد ازمة ركود اقتصادي انعكس على الأوضاع المعيشية للشعوب الأوروبية كما كان الحال  في القرن التاسع عشر في الربيع الأوروبي.

وتندلع الحركات الاحتجاجية في عدد من الدول الأوروبية بالإضافة الى فرنسا مثل اسبانيا والبرتغال والبانيا وبلجيكا واليونان وإيطاليا وغالباً تتشابه بالمطالب مع المطالب الفرنسية من حيث المطالبة بتحسين جودة التعليم ومعالجة أزمات السكن والبطالة وتحسين المستوى المعيشي ومكافحة الغلاء المعيشي وارتفاع الأسعار.

وهذه الدوافع المباشرة للحراك الاحتجاجي الأوروبي انما هي نتيجة مباشرة للسياسات الأوروبية المشتركة في السنوات الماضية وكذلك نتيجة للتطورات الجيوسياسية سواء في القارة الأوروبية ام في “الشرق الأوسط” والتي انعكست على القارة الأوروبية، فمن أزمات الهجرة المتفاقمة سواء من “الشرق الأوسط” ام من أوكرانيا الى ازمة الحرب الروسية الأوكرانية التي القت بظلالها على الاقتصادات الأوروبية فضلاً عن الحرب الامريكية على الجمهورية الاسلامية في ايران التي أدت الى اغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة العالمية حيث كانت دول الاتحاد الأوروبي المتضرر الأبرز من هذا الاغلاق ، وهو امر انعكس على ارتفاع أسعار الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة في الدول الأوروبية وسط تدني الأجور قياساً بالتضخم المتنامي.

 

 

وعلى الرغم من التقاطع بين الأزمات الاقتصادية والتحولات السياسية والحركات الاجتماعية، فإن العلاقة بينها ليست علاقة سببية مباشرة أو حتمية. فالتراجع في مستويات المعيشة قد يدفع إلى احتجاجات مطلبية، لكنه لا يحدد وحده القضايا التي تتبناها الحركات الاجتماعية أو الاتجاهات السياسية التي تدعمها. إذ تؤدي الشبكات الطلابية، والمنصات الرقمية، والأطر الفكرية العابرة للحدود دوراً في تحديد كيفية تفسير المظالم وصياغة المطالب وربطها بقضايا دولية. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم حضور القضية الفلسطينية في بعض الاحتجاجات الطلابية الأوروبية باعتباره تقاطعاً بين سياقات محلية ودوافع سياسية وأخلاقية دولية، وليس بالضرورة نتيجة مباشرة للأزمات الاقتصادية أو تعبيراً عن موقف موحد لدى الجيل الشاب.

بالتالي يمكن القول إن التحولات السياسية التي تفرزها الأزمات الاقتصادية لا تفسر وحدها طبيعة الحركات الاحتجاجية المعاصرة أو الرموز التي تتبناها. فإلى جانب المطالب المتعلقة بالأجور والسكن والتعليم، برزت قضايا دولية بوصفها جزءاً من الخطاب السياسي لقطاعات من الشباب الأوروبي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. ويعكس هذا التداخل إمكانية انتقال التعبئة من المستوى المطلبي المحلي إلى مستوى أوسع من التضامن السياسي العابر للحدود، حيث تُربط المظالم الداخلية بقضايا الاستعمار والتمييز والعدالة الدولية. ومن ثم، يصبح تحليل دور الجيل Z والحركات الطلابية ضرورياً لفهم الكيفية التي تُصاغ بها المطالب، وتُمنح بها الاحتجاجات معانٍ سياسية تتجاوز أسبابها المباشرة.

 

 

الجيل Z  الشاب وعلاقة حرب غزة باحتجاج اليسار الأوروبي

 تمثل الحرب على غزة نقطة تحول في الوعي السياسي الغربي فالامر لم يعد يقتصر على التعاطف الإنساني مع شعب يتم ابادته تحت الاحتلال والفصل العنصري فحسب بل تحولت قضية فلسطين الى قضية اممية جامعة وتحولت الرموز الفلسطينية مثل العلم والكوفية الى رموز ايقونية لمناهضة الظلم والقمع الجمعي ، كما تحولت في وقت من الأوقات صور جيفارا الى رمز ايقوني للثورة والنضال ضد الاستعمار.

 

هذا التحول تبناه الجيل الشاب المعروف بجيل زد (مواليد 1996-2010) الذي عاصر حرب الإبادة على غزة وتظاهر ضد سياسات الإرهـ ـاب “الإسرائيلية” وتعرض نتيجة لذلك لحملات من القمع والاقصاء  والتشهير في الجامعات والمدارس من قبل القوى الرأسمالية المهيمنة على السلطة والاقتصاد والاعلام والمتحالفة مع الحركة الصهيونية او انها تشكل جزء من الحركة الصهيونية العالمية. لكن كيف ارتبطت القضية الفلسطينية باليسار والحركات الطلابية؟

 

يرتكز هذا الاندماج والتبني الكامل على ثلاثة مفاهيم سوسيولوجية وفلسفية حديثة:

أ. نظرية التقاطعية

تعد العقيدة الفكرية الأبرز والأكثر انتشاراً في الجامعات الغربية اليوم، إذ تفترض هذه النظرية أن جميع قضايا الاضطهاد في العالم مترابطة وتتغذى من نفس المصدر؛ فالنظام الذي ينتج التمييز العنصري ضد السود في أمريكا، هو نفسه النظام الذي يضطهد الأقليات والجندر، وهو نفسه النظام الرأسمالي الذي يفرز التفاوت الطبقي، وهو ذاته النظام الاستعماري الذي يدعم “إسرائيل”. بناءً على ذلك، يرى الطالب أو الناشط اليساري أن معركته من أجل العدالة الاجتماعية في بلده لا تكتمل إلا بالدفاع عن حرية غزة وفلسطين، بمعنى ان اليسار الغربي ادرج قضية فلسطين ضمن جملة القضايا التي يدافع عنها مثل قضايا السود والأقليات وحماية البيئة وغيرها، ويعني أيضا ان قضية فلسطين ستكون مادة وقضية انتخابية للأحزاب اليسارية في أي انتخابات أوروبية او أمريكية مقبلة.

 

ب. مقاربة “الجنوب العالمي” ومناهضة الإمبريالية

يرث اليسار الغربي الحديث إرثاً فكرياً يرى في “إسرائيل” امتداداً للمشروع الرأسمالي والإمبريالي الغربي في “الشرق الأوسط”. لذا، فإن مواجهة السياسات النيوليبرالية وجشع شركات السلاح عابرة القارات تتطلب تلقائياً معارضة الدعم العسكري والمالي اللامحدود الذي تقدمه الحكومات الغربية “لإسرائيل”، والذي يقتطع من ميزانيات التعليم والرعاية الصحية لمواطنيها.

 

ج. سحب الاستثمارات داخل الجامعات

لم ترتبط  الحركة الطلابية الداعم لفلسطين برابط فكري فحسب بل ارتبطت  برابط “مادي مباشر”؛ حيث اكتشف الطلاب أن جامعاتهم العريقة (التي يدفعون لها أقساطاً باهظة) تستثمر أموال وقفها الضخم في شركات تصنيع الأسلحة والتكنولوجيا الموردة للجيش “الإسرائيلي”. تحولت المطالبة بـ “سحب الاستثمارات وقطع الشراكات الأكاديمية” إلى معركة نقابية وطلابية مباشرة داخل الحرم الجامعي، مما جعل القضية الفلسطينية قضية يومية داخل أروقة التعليم الغربي، وهي مطالبات تمت مواجهتها بعمليات قمع وفصل وتشهير بالطلاب المشاركين بهذه الاحتجاجات كما توعدت السلطات الرأسمالية المدعومة من الصهيونية بمنعهم من التوظيف في حال التخرج عقابا لهم على المشاركة بهذه الحركات الاحتجاجية.

وبقدر تعلق الامر بالاحتجاجات الراهنة فأن الحركات الطلابية الاحتجاجية التي تنتشر في أوروبا باتت تستخدم الاعلام الفلسطينية كرموز ايقونية للاحتجاج على الامبريالية والظلم الرأسمالي والمطالبة بالحرية والعدالة، وهو استخدام يعد مؤشر على تحول فكري وسياسي واجتماعي في المجتمعات الأوروبية يمكن ان ينعكس في المستقبل في حال  صعود اليسار الى السلطة الى سياسات مناهضة “لإسرائيل” وداعمة للقضية الفلسطينية من قبل الدول الأوروبية.

 

خاتمة

تكشف التحولات التي تشهدها أوروبا في عشرينيات القرن الحادي والعشرين عن تداخل معقد بين الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، والتحولات في أنماط المنافسة السياسية، وتصاعد أشكال جديدة من التعبئة والاحتجاج. فالتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وأزمات السكن والخدمات العامة لا تقتصر آثارها على المستوى المعيشي، بل قد تمتد إلى الثقة بالمؤسسات والنخب الحاكمة، وتؤثر في اتجاهات التصويت ومواقع القوى السياسية التقليدية، بما يتيح فرصاً لصعود تيارات من اليمين واليسار، وإن اختلفت تفسيراتها للأزمة والحلول التي تطرحها.

وتستحضر هذه التحولات بعض ملامح التجارب الأوروبية السابقة، ولا سيما ثورات عام 1848 والتحولات السياسية التي شهدتها القارة في عشرينيات القرن العشرين وما تلاها. غير أن أوجه التشابه لا تعني تطابق السياقات أو حتمية تكرار النتائج؛ إذ تختلف أوروبا المعاصرة من حيث طبيعة مؤسساتها السياسية، وبنية اقتصاداتها، وأشكال التنظيم الاجتماعي، والبيئة الدولية التي تتحرك ضمنها. لذلك، لا تكمن قيمة المقارنة التاريخية في التنبؤ بتكرار الماضي، بل في تحديد الشروط التي يمكن أن تحول الأزمات المتراكمة إلى تغييرات سياسية عميقة، أو أن تحد من آثارها وتحتويها مؤسسياً.

وفي سياق موازٍ، تكشف احتجاجات قطاعات من الجيل Z والحركات الطلابية، بما في ذلك التحركات المرتبطة بالحرب في غزة والقضية الفلسطينية، عن اتساع بعض أشكال التعبئة خارج حدود المطالب الاقتصادية والمحلية. فالقضايا الدولية والأطر الفكرية وشبكات التواصل العابرة للحدود يمكن أن تسهم في صياغة هوية الحركات الاحتجاجية وتوسيع نطاق مطالبها. ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى هذه التحركات بوصفها امتداداً مباشراً للأزمات الاقتصادية، أو افتراض أنها تعبر عن موقف موحد لجيل كامل؛ بل يتطلب فهمها مراعاة اختلاف دوافع المشاركين والسياقات الوطنية والسياسية التي تتحرك فيها كل حالة.

وبناءً على ذلك، لا يمكن الحديث عن «ربيع أوروبي جديد» باعتباره مساراً موحداً أو نتيجة حتمية للأزمات الراهنة، وإنما بوصفه احتمالاً تحليلياً يشير إلى تزامن ضغوط اقتصادية واجتماعية مع إعادة تشكيل المشهد السياسي وتنوع أنماط الاحتجاج. وستتوقف اتجاهات هذا المسار على قدرة الحكومات والمؤسسات على الاستجابة للمطالب الاجتماعية، وعلى قدرة القوى السياسية والاحتجاجية على تحويل السخط إلى برامج وتنظيمات مؤثرة، فضلاً عن تطورات البيئة الدولية. وعليه، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت أوروبا ستكرر ماضيها، بل ما إذا كانت أزماتها الحالية ستفضي إلى إصلاحات تعيد بناء الثقة والاستقرار، أم إلى مزيد من الاستقطاب السياسي والاجتماعي يعيد رسم موازين القوى داخل الدول الأوروبية وبينها.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى