الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

في “إسرائيل” يوم الانتخابات ليس سوى بداية المشهد السياسي

يبدأ الحدث الحقيقي بعد إغلاق صناديق الاقتراع حين تنطلق مفاوضات تشكيل الائتلافات الحكومية

 

بقلم: شالوم ليبنر

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

لا يبدو الخيار المطروح أمام الناخبين في “إسرائيل” * في الانتخابات التشريعية المقررة في 27 تشرين الأول ملتبساً فهو واضح وحاسم، فمنذ آخر انتخابات شهدتها البلاد قبل أربع سنوات أسهمت الحروب المتواصلة على الجبهتين الداخلية والخارجية في تعميق الانقسامات داخل المجتمع “الإسرائيلي” وترسيخها، وتبدو الانتخابات المقبلة للوهلة الأولى بمثابة استفتاء مباشر على أداء رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو: فإذا حصل على أكبر حصة من الأصوات احتفظ بمنصبه وإذا أخفق في ذلك غادره.

لكن هذه المعادلة على ما تتسم به من بساطة ظاهرية لا تنطبق إلا في عالم افتراضي، ففي ظل تعقيدات النظام السياسي “الإسرائيلي” وصخبه لن تكون نتائج التصويت وحدها كافية لتحديد مسار المرحلة المقبلة، فبمجرد انتهاء ليلة الانتخابات ستتراجع الخلافات بشأن السياسات والشخصيات إلى المرتبة الثانية لتحل محلها اعتبارات فنية وإجرائية ستؤدي دوراً حاسماً في رسم مستقبل الحياة السياسية في “إسرائيل”.

تتنافس 38 قائمة انتخابية استوفت شروط الترشح على مقاعد الكنيست المقبل، ويمكن تصنيف هذه القوائم بصورة عامة ضمن معسكرين متماسكين يفصل بينهما خلاف عميق بشأن الموقف من حكومة نتنياهو بين مؤيد ومعارض وكذلك بشأن استعدادهما للسماح له بمواصلة تولي رئاسة الوزراء، وفي ظل هذا الاستقطاب الحاد قوبلت الدعوات إلى توحيد المعسكرين المتنافسين باستهجان واسع، ويكفي النظر إلى تجربة قائمة “أزرق أبيض” التي يقودها وزير الدفاع السابق بيني غانتس والتي أخفقت في تحقيق اختراق انتخابي، قبل أن تنسحب في نهاية المطاف من السباق.

ويحمّل أنصار نتنياهو أطرافاً داخل ما يسمونه “الدولة العميقة” في “إسرائيل”، يزعمون أنها تآمرت لتقويضه، المسؤولية الرئيسية عن الإخفاقات الأمنية التي وقعت في 7 تشرين الأول 2023 ويجادلون بأن نتنياهو استعاد زمام المبادرة بعد تلك الأحداث ووجّه ضربات قاسية إلى أعداء “إسرائيل”، ومن هذا المنطلق يرون أن الخيار الواضح يتمثل في منحه الفرصة لمواصلة تنفيذ تعهده بتغيير وجه “الشرق الأوسط”، أما إسناد السلطة إلى أي شخص آخر فسيؤدي بحسب تعبير نتنياهو نفسه إلى أن “تخسر “إسرائيل” كل شيء”.

 

 

في المقابل يرفض منافسو نتنياهو هذا الطرح رفضاً قاطعاً، ويطالبون بمحاسبة المسؤولين عما يعدّونه هزيمة استراتيجية كبرى مؤكدين أن “إسرائيل” رغم ما حققته من نجاحات تكتيكية لا تزال غارقة في صراعات متعددة الجبهات تمتد من إيران واليمن إلى لبنان وغزة، كذلك يستشهدون بمظاهر الفساد الواضحة والاختلالات البنيوية في المؤسسات الحكومية فضلاً عن التدهور المتواصل في مكانة “إسرائيل” الدولية وما لحق بها من أضرار جسيمة، ويرون أن “إسرائيل” لا تستطيع تحمّل ولاية أخرى لنتنياهو.

ومع ذلك لم تشهد أي من الكتلتين سوى انشقاقات محدودة باتجاه المعسكر الآخر، وحتى الاتهامات الخطيرة التي وجّهها مؤخراً السكرتير العسكري السابق لنتنياهو والتي زعم فيها أن رئيس ديوان رئيس الوزراء تلاعب بالمحاضر الرسمية لاجتماع صباح 7 تشرين الأول، لم تُحدث تغييراً يُذكر في التوقعات المتعلقة بنتائج الانتخابات.

غير أن هذه الانقسامات العميقة ستفقد جانباً من أهميتها بمجرد إغلاق مراكز الاقتراع في 27 تشرين الأول، فمنذ تلك اللحظة لن يتوقف المسار السياسي اللاحق على التفضيلات الفعلية للناخبين بقدر ما سيتحدد وفقاً لآليات احتساب الأصوات وتوزيع المقاعد، وبسبب الخصائص المعقدة للنظام الانتخابي لن تكون جميع الأصوات متساوية في تأثيرها على النتيجة النهائية، إذ قد تكون لبعضها قيمة حاسمة تفوق بكثير قيمة غيرها، وفي أقصى الاحتمالات قد يجد “الإسرائيليون” أنفسهم أمام حكومة ترفضها أغلبية الناخبين في يوم الانتخابات.

تتمثل العقبة الأولى في تجاوز نسبة الحسم الانتخابي في “إسرائيل” المحددة حالياً عند 3.25% فكل قائمة انتخابية تتخطى هذه النسبة تحصل على حصة من مقاعد البرلمان تتناسب مع عدد الأصوات التي نالتها، أما الأصوات التي تُمنح للقوائم التي تعجز عن بلوغ هذه العتبة فتُستبعد بالكامل ما يعني عملياً إهدار أصوات الناخبين الذين اختاروها، وقد وُضعت هذه الآلية أساساً للحد من عدد الكتل البرلمانية الصغيرة وما ينجم عن تعددها من صعوبة في ضبط العمل داخل الكنيست لكنها باتت تهدد اليوم بإقصاء عدة قوائم كان بإمكانها لولا ذلك إيصال ما يصل إلى ثلاثة نواب إلى البرلمان، ومن شأن استبعاد هذه القوائم وإسكات أصوات مؤيديها، سواء في هذا المعسكر أو ذاك أن يحدّ بصورة مصطنعة من قدرة الناخبين على التعبير عن إرادتهم.

وتؤدي اتفاقات فائض الأصوات دوراً مماثلاً في منح بعض الكتل نفوذاً إضافياً لم تحققه مباشرة عبر صناديق الاقتراع، إذ تتيح هذه الاتفاقات الاستفادة من الأصوات المتبقية لقائمة تجاوزت نسبة الحسم لكنها لم تحصل على عدد كافٍ من الأصوات لاستحقاق مقعد إضافي كامل وذلك بمنح هذه الأصوات للقائمة المتحالفة معها التي تملك فائضاً أكبر، وعلى الرغم من أن هذه الاتفاقات تُبرم بين قوائم يُفترض تقاربها في التوجهات فإنها تمنح القوائم المستفيدة مقعدًا إضافياً أو تزيد فرصها في الفوز به، أما الخاسر الأكبر فهو القوائم التي تخوض الانتخابات من دون حليف مثل قائمة (عوتسما يهوديت) التي يقودها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إذ ستُهدر أصواتها الفائضة شأنها شأن الأصوات التي تذهب إلى القوائم التي لا تبلغ نسبة الحسم البالغة 3.25%.

أما الأحزاب التي تنجح في اجتياز هذه العقبات فستُدعى إلى التشاور مع الرئيس إسحاق هرتسوغ الذي سيتولى مهمة تحديد الشخصية التي سيكلفها بتشكيل الحكومة المقبلة، وستتوقف المساومات السياسية خلال الأسابيع التالية إلى حد بعيد على مدى التزام الأحزاب بالخطوط الحمراء التي أعلنتها خلال حملاتها الانتخابية، فإذا تمسكت جميع القوى التي استبعدت التعاون مع المعسكر المقابل بمواقفها بما في ذلك قوى من يسار الوسط ترفض الانضمام إلى حكومة برئاسة نتنياهو وفصائل من يمين الوسط ترفض المشاركة في حكومة تضم القائمة العربية الموحدة فسيصبح من شبه المستحيل أن يتمكن أي مرشح من تأمين أغلبية تبلغ 61 مقعداً ما يرجّح إجراء انتخابات جديدة خلال الأشهر المقبلة.

وهكذا ما لم تطرأ مفاجآت يبدو أن الانتخابات “الإسرائيلية” تتجه نحو مأزق سياسي بنيوي يخسر فيه نتنياهو أغلبيته الواضحة من دون أن يتمكن خصومه من تشكيل أغلبية خاصة بهم، وسيجد المعسكران نفسيهما عندئذ في سباق محموم لاستقطاب نواب منشقين داخل الكنيست المؤلف من 120 مقعداً، وقد طرح غادي آيزنكوت أبرز مرشحي المعارضة احتمال تشكيل حكومة أقلية وإن ظل هذا الخيار بعيد المنال، أما الخيار الأكثر محدودية فيتمثل في تشكيل تحالف مؤقت يحظى بدعم برلماني لغرض واحد، هو إزاحة نتنياهو من السلطة على أن يعمد فوراً إلى الدعوة لانتخابات جديدة، وقد يلقى هذا الخيار قبولاً أكبر لدى حلفاء آيزنكوت الذين سيتولون إدارة المرحلة الانتقالية إلى حين التوصل إلى تشكيل ائتلاف حكومي مستقر.

ولا يساور “الإسرائيليين” وهمٌ بشأن مدى إمكانية التنبؤ بمسار تشكيل الائتلافات البرلمانية فبعد انتخابات عام 2009 شهدوا كيف تمكن بنيامين نتنياهو من تجاوز تسيبي ليفني زعيمة حزب كاديما الذي تصدر نتائج التصويت وانتزاع زمام المبادرة منها رغم حلول حزبه في المرتبة الثانية بفارق ضئيل، وفي عام 2021 كرر نفتالي بينيت هذا السيناريو وتمكن من إزاحة نتنياهو عن رئاسة الحكومة رغم أن قائمة (يمينا) التي يقودها كانت أصغر بنحو خمسة أضعاف من حزب الليكود بزعامة نتنياهو، لكن ولاية بينيت المضطربة لم تدم طويلاً إذ انهارت حكومته عام 2022 لذلك وعلى الرغم من استحالة التنبؤ بالتشكيلة الدقيقة للحكومة المقبلة، فإن استمرار عدم الاستقرار سيظل السمة شبه المؤكدة في السياسة “الإسرائيلية”.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى