الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
الصراع السعودي – اليمني “حكومة انصار الله”
الأبعاد الاستراتيجية والآفاق المستقبلية

بقلم: نور نبيه جميل
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
لم يعد الصراع بين السعودية واليمن فصلاً جديداً من الحرب اليمنية التي بدأت عام 2015 اذ صار جبهة داخل حرب إقليمية أوسع اندلعت في الثامن والعشرين من شباط 2026 حين شنت الولايات المتحدة و”إسرائيل” هجوماً جوياً على الجمهورية الإسلامية في إيران فتعطلت الملاحة في مضيق هرمز وانهارت في تموز مذكرة إسلام آباد التي وُقعت في حزيران لإنهاء القتال. وفي هذا المناخ سقطت الهدنة اليمنية التي صمدت قرابة أربع سنوات وانتقل انصار الله الحوثـ ـيون من الضغط على الحدود إلى استهداف مطارات المملكة ومقرات أرامكو بينما وجدت الرياض نفسها تبحث عن مظلة أمنية جديدة بعد أن امتنع حليفها الأمريكي عن خوض القتال بنفسه.
وتنطلق هذه الورقة من سؤال مركزي هو كيف يستطيع فاعل شبه دولتي يمتلك أدوات رخيصة الكلفة أن يفرض ضغطاً استراتيجياً على دولة ريعية كبرى وكيف تعيد هذه الدولة هندسة أمنها بين الاعتماد على القوة العظمى وتنويع الشركاء. وفرضيتها أن التفوق العسكري السعودي لا يتحول تلقائياً إلى بيئة أمنية مستقرة وأن قدرة الحوثـ ـيين على الإيلام لا تعني قدرتهم على الحسم. وسنفصل ذلك على النحو الآتي:–
المحور الأول: منطق الإكراه والمسار الميداني
تقدم مقاربة الإكراه عند توماس شيلينغ مفتاحاً مناسباً لقراءة السلوك الحوثي فالغاية فيه ليست هزيمة الخصم عسكرياً بل رفع كلفة استمرار الحرب عليه حتى يراجع حساباته. ولذلك اتسعت دائرة الأهداف من المواقع الحدودية إلى مطارات الرياض وأبها والدمام ومقر أرامكو في الظهران فالضربة على موقع عسكري تصيب المقاتلين أما الضربة على مطار أو منشأة طاقة فتصيب ثقة المستثمر والمسافر وصورة الدولة بوصفها ملاذاً آمناً. وفي هذا يستعيد انصار الله الحوثـ ـيون درساً صاغه أندرو ماك قبل عقود وهو أن الطرف الأضعف يكسب حين يتحمل الكلفة أكثر مما يتحملها خصمه صاحب التفوق لا حين يهزمه في الميدان.
وعلى الأرض بدأ انصار الله الحوثـ ـيون حملة واسعة ضد القوات الحكومية المدعومة من السعودية في السادس من آب ثم استولوا في العاشر من ايلول على المخا وجزر حنيش وأفادت تقارير بسيطرتهم بعد ذلك على جزيرة ميون في باب المندب بعد انسحاب القوات الحكومية منها. أما رقم 5400 كيلومتر مربع الذي أعلنه متحدثهم العسكري فصادر عن طرف في الحرب ولا يُعتد به قبل التدقيق. وردت الحكومة بهجوم مضاد مدعوم سعودياً في مطلع تشرين اول وأعلنت استعادة المخا ومنطقة ذباب ومواقع قرب المضيق وهو ما أكده المبعوث الأممي في إحاطته أمام مجلس الأمن في التاسع من تشرين الاول حين وصف اليمن بأنه عاد إلى حرب واسعة النطاق وشدد على أن المكاسب الميدانية لا تغني عن المفاوضات. وهنا فارق جوهري بين الاستيلاء على مواقع قرب المضيق والقدرة الفعلية على تعطيل الملاحة فيه فالأولى متنازع عليها ومتحركة والثانية ما زالت ورقة تهديد لا واقعاً مثبتاً.
ولا ينبغي في المقابل اختزال العلاقة بين طهران وصنعاء في علاقة أمر وطاعة. فالحوثـ ـيون يحملون اهداف يمنية داخلية وإن تقاطعت مصالحهم مع الجمهورية الإسلامية في إيران وتجلى هذا التقاطع في ارتباط توقيتهم بمآلات الحرب على الجمهورية الإسلامية في إيران. والأدق وصف العلاقة بأنها تمكين وتداخل مصالح لا قيادة مركزية وهو ما يفسر أيضاً صعوبة احتواء سلوكهم عبر طهران وحدها.
ويمكن تلخيص ميزان القوة في مفارقة واضحة. فانصار الله الحوثـ ـيين يملكون الخبرة القتالية المتراكمة والبنية التنظيمية في مناطقهم والقدرة على الضرب البعيد بالصواريخ والمسيّرات وقد ضربوا مطار الرياض الدولي ومقر أرامكو في الظهران لكنهم يعتمدون على موانئ تتعرض للقصف وتتشعب جبهاتهم بين تعز والساحل والحدود بما يستنزف مواردهم البشرية ويرتبط قرارهم الاستراتيجي بمآلات حرب لا يتحكمون بها. وفي المقابل تملك السعودية والحكومة اليمنية تفوقاً جوياً ومالياً وعلاقات دولية واسعة لكنها تدافع عن أصول شاسعة يصعب تحصينها كلها وتتحمل كلفة دفاع مرتفعة أمام سلاح هجومي رخيص وتواجه معسكراً يمنياً متبايناً في القيادة والنفوذ ومستقبل الحكم. ومعنى ذلك أن ميزان القوة ليس متغيراً واحداً فمن يتفوق في الموارد قد يخسر في معادلة الكلفة ومن يتفوق في الإيلام قد يعجز عن تثبيت المكاسب.
المحور الثاني: ثمن الاستنزاف: قراءة في اقتصاد الحرب
بلغت الحصيلة البشرية لهجمات المطارات بين السادس والحادي والعشرين من تشرين الأول بحسب التوثيقات المتاحة نحو واحد وعشرين قتيلاً وأكثر من 370 جريحاً وتختلف الأرقام بين المصادر لأن الرياض تحدّث حصيلتها تدريجياً. غير أن الكلفة الأثقل اقتصادية ورمزية فقد قيدت سفارات عدة سفر رعاياها وأمرت واشنطن موظفيها غير الأساسيين بمغادرة المملكة بينما تقوم رؤية التحول الوطني على صورة بلد آمن للأعمال والسياحة والفعاليات الكبرى.
وفي الطاقة تقع المعضلة الكبرى. فبعد أن قيدت الحرب الإيرانية الصادرات عبر هرمز صار خط الشرق–الغرب الذي تبلغ طاقته نحو سبعة ملايين برميل يومياً ويصب في ينبع شريان التصدير البديل وقد توقف في الخامس من تشرين الأول إثر ضربة لمحطة ضخ شرق الرياض. وقفزت أقساط التأمين على الناقلات المرتبطة بالسعودية في ينبع من أقل من 1% من قيمة السفينة في مطلع تموز إلى نحو 3% وقد تبلغ 7% في جازان. وتجاوز خام برنت 110 دولارات وبلغ 112.33 دولاراً في الثاني والعشرين من تشرين الاول بينما تراجع مؤشر السوق السعودي 2.5% في اليوم السابق. والمفارقة أن المملكة محاصرة بين مضيقين فهرمز تحت الضغط الإيراني والبحر الأحمر تحت التهديد اليمني (انصار الله) وأن ارتفاع السعر لا يعوّض نقص الكميات المصدَّرة وارتفاع كلفة النقل والتأمين فمن يملك النفط قد لا يستطيع شحنه ولذلك لا يصح الحديث عن مكسب سعودي صافٍ قبل توافر بيانات رسمية عن الصادرات والموازنة.
وتكمن الدلالة الاستراتيجية لهذه الأرقام في اختلال معادلة الكلفة. فالدولة التي تحمي مطاراتها ومنشآتها بمنظومات باهظة الثمن تواجه خصماً يستهلك أدوات بسيطة نسبياً فيصبح كل اعتراض ناجح انتصاراً تكتيكياً وخسارة اقتصادية في آن واحد وتتحول الحرب إلى سباق استنزاف مالي وسيكولوجي أكثر منها سباقاً على الأرض. ولهذا لا يكفي أن تعلن الرياض نجاحها في الاعتراض ما دامت علاوة المخاطرة ترتفع في الأسواق وتتغير حسابات شركات التأمين والطيران والمستثمرين وهم الجمهور الحقيقي للرسالة الحوثـ ـية.
أما اليمن فيدفع الثمن الأفدح. فقد نزح أكثر من 200 ألف شخص منذ مطلع اب وهو أعلى مستوى للنزوح الجديد منذ هدنة 2022 ويحتاج نحو 22 مليوناً إلى المساعدة ويواجه 18.3 مليوناً انعدام أمن غذائي حاداً ويستورد البلد قرابة 90% من غذائه وهو ما يجعل أي اضطراب في الموانئ والطرق جوعاً مباشراً. ولا يعني هذا التدهور أن سلطة بعينها تضعف تلقائياً فالمسؤولية تتوزع بحسب السيطرة والقرارات العسكرية والقيود على المساعدات وأثر الجوع على الشرعية السياسية يحتاج رصداً ميدانياً لا افتراضاً.

المحور الثالث: معضلة التحالف وهندسة التحوط
يكشف الموقف الأمريكي حدود الضمانة. فقد طلب ولي العهد السعودي مساعدة عسكرية أمريكية في ايلول ولم يوافق الرئيس ترامب على ضرب الحوثـ ـيين واكتفت واشنطن بالمشاركة الاستخباراتية والمساعدة في الاستهداف. ويمكن قراءة ذلك بمنطق معضلة الأمن التحالفية عند غلين سنايدر حيث تخشى الدولة الأضعف في العلاقة التخلي وتخشى الأقوى التورط فتجد الرياض نفسها أمام خيارين أحلاهما مر وهما الإلحاح على واشنطن أو البحث عن بدائل. وقد اختارت الثاني دون أن تتخلى عن الأول وهذا هو جوهر التحوط الاستراتيجي أي تنويع الضمانات لا استبدالها.
وأبرز ثمار هذا التحوط اتفاقية مكة للدفاع المشترك الموقعة في السابع من اب بين السعودية وباكستان وتركيا ونصها أن أي هجوم على أحد أطرافها هجوم عليها جميعاً. غير أن الفارق بين النص والتنفيذ ما زال واسعاً. فقد طلبت أنقرة من برلمانها التصديق وأكد مسؤولوها الطابع الدفاعي للاتفاق وعدم إرسال قوات لقتال الحوثـ ـيين ونفت إسلام آباد تقارير عن نشر ثلاثين إلى أربعين ألف جندي. ويتعين التمييز بين أربعة مستويات هي وجود الاتفاق ثم إنشاء آليات التنسيق ثم قرارات الدعم المحددة ثم النشر الفعلي المثبت ولم يثبت منها إلا الأول وجزء من الثاني. وبمنطق توازن التهديد عند ستيفن والت فإن الرياض لا تتحالف ضد القوة الأكبر بل ضد التهديد الأقرب والأشد إلحاحاً غير أن شركاءها الجدد يملكون حساباتهم الخاصة فتركيا تنافسها على النفوذ في سوريا ولبنان وباكستان ترى الاتفاق وسيلة للمال والتقنية لا التزاماً بحرب في اليمن.
وللتحوط ثمنه الذي لا يقل أهمية عن فوائده. فكل شريك جديد يوسع هامش المناورة السعودية ويضيف في الوقت نفسه التزامات ومصالح قد لا تتطابق مع مصالح الرياض كما أن وجود اتفاق دفاعي معلن قد يدفع الخصم إلى اختبار صدقيته بضربات محسوبة تقيس مدى استعداد الشركاء للتحرك. وهنا يكمن خطر الردع الناقص فالتهديد المعلن الذي لا يسنده تنفيذ مثبت قد يشجع الخصم بدل أن يردعه ولذلك سيتحدد وزن اتفاقية مكة بما يلي الإعلان من خطوات لا بالإعلان ذاته.
وتشكل مصر الاختبار الأقرب. فقد طلب الرئيس المصري تفويضاً برلمانياً بدعم المملكة وأُرجئ التصويت إلى السادس والعشرين من تشرين الأول ويشترط الدستور في مادته الثانية والخمسين بعد المئة موافقة ثلثي الأعضاء أي 398 من 596 لإرسال قوات إلى مهمة قتالية خارجية. وقد قصرت القاهرة الدعم المحتمل على الدفاع عن الأراضي والحدود السعودية دون مهاجمة اليمن ودعت إلى استكشاف الحل الدبلوماسي فهي توازن بين التضامن مع الرياض وأمن قناة السويس وتجنب حرب مفتوحة الكلفة. أما الجانب الإماراتي فمعقد إذ حُلّ المجلس الانتقالي الجنوبي في كانون الثاني بعد حملة سعودية وتركت القطيعة بين الرياض وأبوظبي فراغاً في الجنوب والأنباء المتداولة عن عودة الدعم الإماراتي لا يؤكدها بيان رسمي فلا يبنى عليها حكم.
المحور الرابع: التأطير الامني وانعكاس الرواية على الصراع
تكشف هذه الحرب أن المعركة على الإدراك لا تقل شأناً عن المعركة على الأرض. فالحوثيون ينشرون إنذارات علنية مسبقة للعاملين قرب المنشآت النفطية ويحذرون شركات الطيران من استخدام مطارات المملكة فيتحول التهديد نفسه إلى سلاح يؤثر في ثقة المستثمرين والمسافرين قبل أن يصيب هدفاً. وتعتمد الرياض في المقابل خطاباً مضبوطاً تؤكد فيه الاعتراض وتتحفظ على الأضرار وتحدّث الحصيلة بالتدريج وتزيد الفجوة بين الروايتين التقارير التي تحدثت عن صمت نظام الإنذار الصاروخي السعودي قبل الهجمات بأيام فتصبح الشفافية نفسها عنصراً في ميزان القوة. ويتنافس الطرفان كذلك على توصيف الصراع فالممثل الحكومي اليمني لدى الأمم المتحدة يقول إن التهديد لم يعد شأناً يمنياً داخلياً بينما يضع الإعلام الغربي الحوثـ ـيين تحت لافتة الجماعة المدعومة من الجمهورية الإسلامية في إيران وهي لافتة صحيحة جزئياً لكنها تخفي الجذور المحلية. وعلى الباحث في الإعلام السياسي أن يقيس نجاح الردع بما يصل إلى الجمهور المستهدف من رسالة عن قدرة الدولة على الحماية لا بما تعلنه وزارات الدفاع من اعتراضات.
وهذا يعيدنا إلى ما يسميه علماء الدراسات الأمنية بعملية التأطير الأمني أي تحويل قضية ما إلى تهديد وجودي يبرر إجراءات استثنائية. فالرياض تؤطر الهجمات بوصفها تهديداً للملاحة الدولية وأمن الطاقة العالمي كي تحشد دعماً يتجاوز حدودها بينما يؤطر انصار الله الحوثـ ـيون ما يفعلونه بوصفه رداً على عدوان خارجي كي يحافظوا على تماسك قاعدتهم الداخلية. ويفوز في هذه المعركة من ينجح في جعل روايته أساساً للتفاوض المقبل لأن من يحدد توصيف المشكلة يحدد في الغالب شكل الحل.
السيناريوهات المستقبلية
التقديرات التالية نوعية لا رقمية. الأول وهو الأرجح استنزاف متبادل ممتد تستمر فيه الضربات وتتبدل السيطرة على مواقع محدودة في الساحل دون حسم وتبقى الأسعار مرتفعة وتتعمق الأزمة الإنسانية. الثاني تفاوض تحت النار إذا فرضت كلفة المطارات والطاقة تحرك الوساطات العمانية والمصرية لكنه يحتاج تبريداً في هرمز لأن الحوثـ ـيين يربطون سلوكهم بمصير الجمهورية الإسلامية في إيران. الثالث اتساع التدخل الإقليمي إن أقر البرلمان المصري التفويض وانتقلت أنقرة وإسلام آباد من الإعلان إلى النشر فيرتفع احتمال الرد الحوثـ ـي وتتسع المواجهة في البحر الأحمر. الرابع تراجع الزخم الحوثـ ـي دون تسوية إذا ثبتت المكاسب الحكومية وانقطعت خطوط الإمداد قرب المضيق فيتحسن موقف الرياض التفاوضي دون أن تنهار حكومة الحوثـ ـيين في الشمال. ومن المرجح أن تتداخل هذه السيناريوهات وتتعاقب لا أن يتحقق أحدها منفرداً وأن تكون المؤشرات الحاسمة هي نتيجة تصويت البرلمان المصري في السادس والعشرين من هذا الشهر ومصير خط الشرق–الغرب ومسار الوساطة العمانية وتطورات هرمز.
الخاتمة والاستنتاجات
تفضي القراءة السابقة إلى خمس نتائج. أولها أن التفوق التقليدي لا يضمن الحسم أمام خصم يمتلك أدوات غير متماثلة وأن نجاح الحوثـ ـيين في الإيلام لا يعني قدرتهم على نصر شامل. وثانيها أن الاقتصاد الريعي محاصر بين مضيقين وأن ارتفاع الأسعار لا يعوض نقص الكميات. وثالثها أن تنويع الشركاء من مكة إلى القاهرة تحوط سعودي لا بديل مكتمل للمظلة الأمريكية وأن وزنه رهن بالانتقال من الإعلان إلى الآليات المثبتة. ورابعها أن المكاسب الساحلية لا تصنع نظاماً أمنياً مستقراً ما لم يتماسك المعسكر اليمني المناوئ لحكومة صنعاء وتوضع ترتيبات حكم تمنع عودة الصراع. وخامسها أن التسوية اليمنية لا تنفصل عن الأمن الإقليمي لكنها لا تختزل فيه فإنهاء الحرب يتطلب معالجة السلطة والموارد وتفكيك اقتصاد الحرب إلى جانب وقف الهجمات العابرة للحدود.
ويبقى المدني اليمني الخاسر الأكبر في كل السيناريوهات ويظل المخرج الأرجح للاستدامة هو الجمع بين ردع الهجمات وحماية الملاحة وتنسيق الجهود الإقليمية وفتح مسار تفاوضي يعالج الجذور فالمكاسب في الميدان لا تغني عن مفاوضات التسوية.




