الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف

هل ستصبح إيران قوةً إقليمية بعد الحرب؟

بقلم: بختيار أحمد صالح

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

تخرج الجمهورية الإسلامية في إيران من الحرب قوةً إقليميةً مؤثرةً في التعطيل، لكنها أقل قدرة على ترتيب النظام الإقليمي وفق شروطها. درجة الثقة: متوسطة، لأن المسار لا يزال متحركاً، ولأن المتاح تحليلات وليس وقائع نهائية.

 

  1. قدرتها على إلحاق التكاليف بخصومها قائمة، لكن تحويلها إلى نفوذ سياسي واقتصادي مستدام غير مضمون.

  1. الإفراط في استخدام الضغط يدفع الجيران والدول المستوردة للطاقة إلى تقليل اعتمادها عليها وبناء بدائل.

  2. بقاء النظام ومؤسساته لا يعني بقاء النفوذ السابق؛ فالمقياس هو القدرة على التأثير في قرارات الآخرين، لا القدرة على البقاء وحدها.

  3. خصومها يتحملون كلفاً أيضاً: ضغطاً اقتصادياً واجتماعياً على “إسرائيل”، وحدوداً لما تضمنه الحماية الخارجية للخليج.

 

نطاق التقدير وافتراضاته

  1. الموضوع: موقع الجمهورية الاسلامية في إيران الإقليمي بعد الحرب “الإسرائيلية”–الأمريكية، في المدى المتوسط.

  1. الأساس: مقال كينيث بولاك فيForeign Policy  (19 تشرين الاول 2026)، وتحليلات معهد “الشرق الأوسط” وبروكينغز.

  2. المنهج: يميز التقدير بين الوقائع المنشورة، وتفسيرات الكتّاب.

 

المعطيات

1.      الخليج

  • التحدي لا يقتصر على عدد الهجمات التي تصل إلى أهدافها، بل يشمل الأثر النفسي والاقتصادي للهجمات المتكررة حتى لو اعترضت الدفاعات نسبة مرتفعة منها.

  • تقوم اقتصادات الخليج على الثقة وتدفق الاستثمار، لذا لا يضمن النجاح التكتيكي في الاعتراض استقراراً استراتيجياً.

  • السيناريو الأقرب ليس التخلي عن المظلة الأمريكية، بل الانتقال من الاعتماد شبه الكامل إلى اعتماد مشروط ومتعدد المسارات، مع تحسين حماية المنشآت وآليات التنسيق الإقليمي.

 

2.      “إسرائيل“

  • يصف بولاك اتجاهاً نحو مناطق عازلة وعمليات متواصلة خارج الحدود لمنع الخصوم من إعادة بناء قدراتهم، ويقارنه بما يسميه الحدود الرومانية.

  • قد يتطلب ذلك تعبئة اجتماعية طويلة وأعباء اقتصادية وبشرية متكررة، لكن النتائج تعتمد على مدة الحرب وحجم الخسائر واستمرار الدعم الخارجي.

  • لا ضمانة بأن العمليات المتكررة تزيل التهديد نهائياً، فقد يتكيف الخصوم ويعيدون التنظيم.

 

 

3.      هرمز والطاقة

  • يمر عبر المضيق نحو خُمس إمدادات النفط والغاز المسال عالمياً، فتعطيل الملاحة يمس الأسعار وسلاسل الإمداد في دول بعيدة.

  • قد تسرّع الاضطرابات تنويع المصادر والتخزين الاستراتيجي والبنى التحتية البديلة لدى المستوردين، مع أن إعادة تشكيل منظومة الطاقة بطيئة ومكلفة.

 

4.      الصين والتكنولوجيا العسكرية

  • تشير تحليلات بروكينغز إلى أن بكين قد تكسب دبلوماسياً من انشغال واشنطن، لكنها تتضرر من اضطراب الأسواق وسلاسل الإمداد، والباحثون يختلفون في تقدير المحصلة.

  • يلاحظ بولاك فجوة بين كلفة وسائل هجومية منخفضة نسبياً وكلفة بعض الدفاعات المتقدمة المستخدمة لاعتراضها، ما يجعل الاستمرارية والمخزونات والصناعة الدفاعية جزءاً من ميزان القوة.

  • ضغط استهلاك الذخائر على الموارد الأمريكية موضوع نقاش، لكنه لا يعني تلقائياً انهيار الردع أو نتيجة عسكرية محددة.

 

5.      القيادة الإيرانية

  • أ‌. يرجح روس هاريسون أن تدفع تجارب المواجهة في 2025 و2026 طهران إلى وزن أكبر للردع المباشر، مع تراجع الثقة بالحذر والغموض الاستراتيجي وحدهما.

  • ب‌. هذه قراءة لمسار محتمل، وليست وصفاً نهائياً لقرارات الجمهورية الجمهورية الإسلامية في إيران المقبلة.

 

 

التقدير: ميزان القوة الإقليمية

العامل

ما يعزز مكانة الجمهورية الاسلامية في إيران

ما يقيّدها

الاتجاه (تقدير)

كلفة

قدرة على رفع الاضطراب على الاقتصاد العالمي

تدفع المستوردين إلى التنويع والتنسيق لحماية الملاحة، وتعرّض الجمهورية الاسلامية في إيران نفسها لخسائر تجارية ومالية

تراجع تدريجي في القيمة

الجغرافيا وهرمز

فرض التكاليف على الجيران

تعويض القيود العسكرية والتأثير في حسابات الخليج

يوحّد خصوماً متباينين حول احتوائها ويدفع الخليج إلى قدرات ذاتية

القدرة العسكرية والتكنولوجيا

فجوة الكلفة بين الهجوم والدفاع قد تصب في مصلحة المهاجم في الاستنزاف

الاستمرارية تتوقف على المخزونات والصناعة والعقوبات، ولا تضمن التقنية وحدها أهدافاً سياسية

تآكل

الصمود الداخلي

استمرار الدولة ومؤسساتها تحت الضغط

ضغوط اقتصادية واجتماعية إذا طال الاضطراب

غير محسوم

الشراكة مع الصين

متنفس اقتصادي ودبلوماسي

لا التزام دفاعياً، وبكين تضع استقرار تجارتها أولاً

غير محسوم

الضغط “الإسرائيلي”

لا شيء

منافسة مستمرة بأشكال أقل وضوحاً بعد وقف إطلاق النار

ثابت مع حدود ضغط متواصل

الفارق الحاسم هو بين قوة التعطيل وقوة الترتيب. الأولى تجعل استمرار الوضع القائم مكلفاً، والثانية تمنح التأثير في القواعد التي تحكم الوضع البديل. إيران أقدر على الأولى، ولا تملك بالضرورة القدرة السياسية والاقتصادية على فرض الثانية.

وتجب التفرقة بين ثلاثة أمور مترابطة وغير متطابقة: استمرار التنافس الإيراني–”الإسرائيلي”، وقدرة الجمهورية الاسلامية في إيران على الاحتفاظ بنفوذ سياسي في دول المنطقة، وقدرتها على منع خصومها من استخدام القوة ضدها أو ضد شركائها. فقد تحتفظ بعلاقات سياسية بينما تتراجع قدرة بعض حلفائها على العمل بحرية.

 

المعضلات الثلاث أمام طهران

1.    الردع مقابل الاستنزاف: إذا رأت طهران أن عليها الرد على كل ضغط لحفظ مصداقيتها، فقد تدخل سلسلة مواجهات تستنزف مواردها وتضيّق خياراتها السياسية. وإذا فضّلت ضبط النفس، فقد تخشى أن يُقرأ تراجعاً. ليس كل رد ضرورياً للردع، وليس كل ضبط نفس فقداناً له؛ والنتيجة تتوقف على وضوح مصالحها وحدودها، ووجود قنوات تمنع تحول الحوادث المحدودة إلى مواجهات أوسع.

2.    النفوذ بالتهديد مقابل النفوذ بالمصالح: النفوذ المبني على الاقتصاد والدبلوماسية ينشئ مصالح متبادلة أطول عمراً. أما النفوذ المبني على قدرة التهديد فيعطي أثراً سريعاً، لكنه يدفع الأطراف الأخرى إلى البحث عن وسائل لتقليصه. ولا تتراجع علاقات الجمهورية الاسلامية في إيران الإقليمية كلها بالقدر نفسه، فالأوضاع تختلف من ساحة إلى أخرى، لكن السؤال عن استدامة نفوذها صار أكثر إلحاحاً من السؤال عن حجمه الآني.

3.    الأمن الخارجي مقابل الاستقرار الداخلي: قد تعزز الحرب التماسك في مواجهة التهديد الخارجي، وقد تزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية إذا طال الاضطراب. ولا يمكن الجزم بأنها ستقوّي النظام أو تضعفه. يقاس الأمر بأربعة أبعاد:

  • الصناعي: قدرة الاقتصاد على توفير الموارد اللازمة للمؤسسات الأساسية.

  • المالي: أثر الحرب والعقوبات واضطراب التجارة في الإيرادات والإنفاق العام.

  • المؤسسي: قدرة المؤسسات على التنسيق واتخاذ القرار تحت الضغط.

  • السياسي: قدرة القيادة على إقناع المجتمع بأن التكاليف تقود إلى نتائج يمكن الدفاع عنها.

 

الاحتمالات

هذه سيناريوهات وليست تنبؤات، وقد تتداخل عناصرها أو ينتقل المسار بينها بحسب قرارات الأطراف والظروف الاقتصادية والسياسية.

 

1.     ردع متبادل مع توتر مستمر (الأرجح): تحتفظ إيران بقدرة الرد، ويواصل خصومها الضغط، دون توسع إلى مواجهة مفتوحة طويلة. يبقى الاستقرار هشاً لأن أسباب الصراع لم تُحل. ترجيحه مبني على أن الدوافع التي يصفها بولاك وهاريسون (تعزيز الخليج لقدراته، والنهج “الإسرائيلي” المستمر، وميل طهران إلى الردع المباشر) لا تزول بوقف القتال.

  • المؤشرات: استمرار الضغوط المتبادلة، وتكرار الحوادث المحدودة، وغياب ترتيبات سياسية وأمنية أوسع.

  • الأثر على مكانة الجمهورية الاسلامية في إيران: تحتفظ بدور مؤثر في التعطيل، دون مكاسب سياسية حاسمة.

 

2.     احتواء التصعيد عبر تفاهمات سياسية: تتوصل الأطراف إلى ترتيبات تحد من احتمالات المواجهة وتفتح مجالاً للتفاوض بشأن الأمن الإقليمي والملاحة والملفات الخلافية، دون إنهاء التنافس أو مصالحة شاملة. هو الأقل كلفة للجمهورية الاسلامية في إيران، لكنه يتطلب قرارات سياسية من أطراف عدة.

  • المؤشرات: استمرارية الاتصالات الدبلوماسية، وتراجع اضطرابات الملاحة، وظهور آليات واضحة لإدارة الأزمات.

  • الأثر على مكانة الجمهورية الاسلامية في إيران: تتحول قدرتها على الصمود إلى وضع أكثر استدامة، وتحتفظ بقدر من التأثير عبر المصالح لا التهديد.

 

3.     اتساع المنافسة الإقليمية: تتوسع ترتيبات الردع الإقليمية، وتزداد المنافسة على النفوذ والممرات الحيوية، وتصبح الحوادث المحدودة أقرب إلى التحول إلى أزمات. قد ينتج عن ذلك استنزاف طويل حتى دون حرب شاملة متواصلة.

  • المؤشرات: تراجع قنوات الاتصال، واتساع التوتر بين الجمهورية الاسلامية في إيران وجيرانها، واستمرار اضطراب التجارة والطاقة.

  • الأثر على مكانة الجمهورية الاسلامية في إيران: تزداد أهميتها في الحسابات الأمنية الدولية، وتتراجع قدرتها على التحكم في الشروط السياسية المرتبطة بالممر.

 

مؤشرات الإنذار

  1. بحرية: تكرار الحوادث في هرمز أو اضطراب التجارة والطاقة، وتحرك دولي منسق لحماية الملاحة.

  1. خليجية: زيادة الإنفاق الدفاعي، وتوسيع الشراكات الدفاعية والتكنولوجية مع أطراف غير أمريكية، وتحسين حماية المنشآت.

  2. “إسرائيلية”: استمرار العمليات والمناطق العازلة، أو ظهور مؤشرات إجهاد اقتصادي واجتماعي تغيّر الحسابات.

  3. دبلوماسية: استمرار قنوات الاتصال أو انقطاعها، وظهور آليات لإدارة الأزمات.

  4. داخلية إيرانية: مؤشرات على أداء الاقتصاد والمؤسسات والاستجابة للمطالب الاجتماعية.

  5. دولية: موقف الصين من الاضطراب، واستمرار التزامها الاقتصادي دون التزام أمني.

 

الانعكاسات على الجوار

 

1.     العراق: تتجاوز معضلة بغداد مسألة التوازن بين طهران وواشنطن؛ فاستمرار المنافسة بينهما يؤثر في الاستقرار الداخلي والاستثمار وأمن الطاقة وحرية القرار. ويرى بولاك، في تحليل منفصل نشره معهد “الشرق الأوسط” في أيلول 2026، أن المعضلة لا تنشأ من خيارات بغداد وحدها، بل من طبيعة السياسة الأمريكية والتنافس الإقليمي أيضاً. إذا اتجهت المنطقة إلى خفض التصعيد، اتسعت فرص العراق لتنويع شراكاته مع الخليج وتركيا والجمهورية الاسلامية في إيران؛ وإذا استمر التوتر، زادت الضغوط عليه بسبب العقوبات والاضطرابات التجارية والأمنية.

 

2.     إقليم كردستان: يتأثر الإقليم بصورة غير مباشرة، ويمكن تحديد أربعة مجالات:

  • الاقتصاد والطاقة: قد ينعكس اضطراب إقليمي طويل على الاستثمار والنقل والتجارة وتكاليف المعيشة، بحجم يختلف بحسب مسارات التجارة والسياسات المعتمدة.

  • العلاقة مع بغداد: تزيد الأزمات الإقليمية أهمية التنسيق مع الحكومة الاتحادية في الأمن والطاقة والتمويل.

  • العلاقة مع الجمهورية الاسلامية في إيران وتركيا: استمرار التوتر يرفع حساسية القرارات المتصلة بالتجارة والحدود والعلاقات الخارجية.

  • الاستقرار الداخلي: كلما اتسعت المنافسة الإقليمية، ازدادت أهمية حماية القرار المحلي وتعزيز التنسيق المؤسسي.

لا يجوز افتراض أن كل تراجع في النفوذ الإيراني يفيد الإقليم تلقائياً، ولا أن كل تصعيد يضره حتماً؛ فالنتائج تتوقف على التفاهمات بين الأطراف وسياسات بغداد وأربيل والظروف المحلية.

 

3.     تركيا: قد تفتح التحولات فرصاً دبلوماسية واقتصادية لأنقرة، منها توسع التعاون مع دول الخليج إذا نوّعت علاقاتها الدفاعية والتكنولوجية، لكنها قد تفرض عليها تكاليف إضافية وتزيد مخاطر الاستقطاب. علاقتها بالجمهورية الإسلامية في إيران مركبة، يتعايش فيها التنافس والتعاون بحسب الملفات، وليست لعبة صفرية.

 

التوصيات

لصانع القرار الإيراني

  1. ربط الردع بهدف سياسي واضح، وتقييم كل خطوة بأثرها على الاستقرار والموارد لا بقدرتها على الإيذاء وحدها.

  1. الانتقال التدريجي من نفوذ قائم على التهديد إلى نفوذ قائم على المصالح الاقتصادية والدبلوماسية مع الجيران.

  2. إبقاء قنوات اتصال تمنع تحول الحوادث المحدودة إلى مواجهة، وفي مقدمتها ملف الملاحة في هرمز.

  3. عدم عدّ الشراكة مع الصين ضمانة أمنية، وبناء الصمود على الاقتصاد والمؤسسات.

 

لدول الجوار

  1. اعتماد سيناريوهات متعددة بدل التعويل على مسار واحد.

  1. تنويع الشراكات الاقتصادية وحماية البنية التحتية للطاقة والتجارة.

  2. تعزيز التعاون الإقليمي في أمن الطاقة وإدارة الأزمات وحماية البنية المدنية.

  3. عدم المبالغة في تقدير الضمانات الخارجية، فالشراكة لا تعني التزام الطرف الآخر بكل التكاليف الأمنية.

 

للعراق وإقليم كردستان

  1. الحفاظ على استقلالية القرار وتجنب الانجرار إلى صراعات لا يتحكمان في مسارها.

  1. توسيع الروابط الاقتصادية المشروعة، وتعزيز التنسيق بين بغداد وأربيل في الأمن والطاقة والتمويل.

  2. الحد من انتقال الأزمات الإقليمية إلى الداخل بتقوية المؤسسات وتنويع العلاقات.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى