الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
لماذا تشهد فرنسا احتجاجات واضطرابات متواصلة؟

الاحتجاج والتصعيد هما استجابة لدولة سلطوية شديدة المركزية
بقلم: إيميل شابال
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
عندما بدأت دراسة فرنسا المعاصرة في مرحلة الدراسات العليا عام 2006 كانت البلاد لا تزال ترزح تحت وطأة اضطرابات عنيفة شهدتها المدن، إثر وفاة مراهقين اثنين داخل محطة كهرباء فرعية بعدما لجآ إليها اختباءً من الشرطة، ففي الأسابيع الأخيرة من عام 2005 اندلعت موجة من الاضطرابات في أنحاء البلاد احتجاجاً على عنف الشرطة والعنصرية والتفاوت الاجتماعي، وعلى إخفاق العقد الاجتماعي الفرنسي في الوفاء بوعوده. وبعد عشرين عاماً لا تزال الصور التي تنقلها وسائل الإعلام إلى العالم عن فرنسا هي نفسها، فما بدأ احتجاجاً من جانب طلاب المدارس الثانوية سرعان ما تحوّل إلى موجة غضب عارمة اجتاحت البلاد تخللتها أعمال نهب وإحراق متكرر للمباني العامة، وتصاعد في أعمال العنف التي واجهتها شرطة مكافحة الشغب باستخدام القنابل الدخانية والغاز المسيل للدموع. ولم يكن سيل التعليقات المتسرعة أقل قابلية للتنبؤ إذ سارع المعلّقون والسياسيون ومقدّمو البرامج المثيرة للجدل والناشطون إلى استغلال مشهد خروج الفرنسيين إلى الشوارع، وتمحورت معظم هذه التعليقات حول ترديد أحكام نمطية مبتذلة عن الفرنسيين الذين يُصوَّرون بحسب وجهة النظر، إما شعباً ثورياً بطبعه أو شعباً يعاني نزعة مرضية إلى الاحتجاج، فضلاً عن ترويج مزاعم كاذبة صراحةً بشأن غزو مزعوم للمهاجرين يهدد بتدمير الحضارة الفرنسية والغربية.

أما نحن الذين أمضينا جانباً كبيراً من حياتنا المهنية في دراسة فرنسا المعاصرة فقد بات هذا التهافت على التعليق مرهقاً، لكنه يسلّط الضوء على الأقل على أحد الأسئلة المحورية في مجال دراستنا: لماذا تبدو فرنسا الحديثة وكأنها بلد لا تنقطع فيه الاحتجاجات؟ ولماذا لا يزال ما يحدث في بلد أوروبي متوسط الحجم فقد منذ زمن طويل مكانته قوةً عالمية، يحظى بكل هذا الاهتمام؟
لا توجد إجابة سهلة عن السؤال الأول المتعلق بالحضور الدائم للاحتجاجات لكن الوقائع لا تدع مجالاً للشك، فوفقاً لبيانات مشروع مواقع وأحداث النزاعات المسلحة الذي يرصد العنف السياسي والاحتجاجات في مختلف أنحاء العالم شهدت فرنسا في السنوات الأخيرة نحو عشرين احتجاجاً يومياً، وغالباً ما تكون هذه الاحتجاجات محدودة النطاق ومحلية لكنها تتحول أحياناً إلى تحركات وطنية يشارك فيها مئات الآلاف.
والأهم أن الاحتجاج في فرنسا ليس حكراً على فئة بعينها بل هو نشاط يشارك فيه الجميع، فالاعتقاد بأن الشباب الناشطين من اليسار وحدهم يخرجون إلى الشوارع اعتقاد بعيد عن الدقة إذ قادت قوى اليمين بعض أكبر الحركات الاحتجاجية خلال نصف القرن الماضي، وأبرزها التظاهرات الحاشدة المناهضة لإصلاحات التعليم الخاص عام 1984، والاحتجاجات الرافضة لزواج المثليين عام 2013.
ولنشوء ثقافة احتجاجية تمتد عبر الطيف السياسي بأكمله، لا بد من توافر عنصرين أساسيين: تسييس النضال ضد الظلم والإيمان بقدرة الشارع على إحداث التغيير، وقد ظل هذان العنصران حاضرين في فرنسا منذ زمن طويل.
إن فكرة تسييس الاعتراض على أي ظلم متصوَّر والاعتقاد بأن هذا التسييس قد يتخذ شكل تمرد عنيف لهما جذور راسخة في التاريخ الفرنسي، فالفرنسيون هم في نهاية المطاف من أظهروا للعالم أول نموذج للتمرد الثوري المدفوع بالأيديولوجيا، كما أن فرنسا أرست التمييز التقليدي بين “اليمين” و”اليسار” وهو انقسام أصبح إطاراً أساسياً للسياسة البرلمانية وخارج البرلمانات في مختلف أنحاء العالم، فمنذ عام 1789 نجح الفرنسيون مراراً في جعل الاحتجاج يتجاوز مجموع مكوّناته.
غير أن تسييس السخط لم يؤدِّ إلى قيام مؤسسات مستقرة، فمنذ الثورة الفرنسية تعاقبت على فرنسا جمهوريات متعددة وأنظمة ديكتاتورية وظلت مؤسسات الوساطة بين الدولة والمجتمع فيها أضعف نسبياً مقارنة بنظيراتها في البلدان الغربية الأخرى، فهي ليست بلداً يتمتع بأحزاب سياسية راسخة أو نقابات عمالية قوية بل إن معدلات الانتساب إلى النقابات في فرنسا ظلت أقل بكثير من مثيلاتها في البلدان الأوروبية الأخرى، وعلى خلاف التصورات الشائعة التي تصوّر الفرنسيين شعباً لا يكف عن الإضراب فإن سرعة اندلاع الاحتجاجات الشعبية تكشف عن ضعف المؤسسات التي يمكن أن تستوعب السخط وتوجّهه عبر قنوات منظمة. ولم يسهم وجود دولة شديدة المركزية والنزعة السلطوية في معالجة هذه المشكلة، فعلى مدى قرن على الأقل وربما أكثر اتسمت الدولة الفرنسية بتركيز السلطة في قمتها وهيمنة الخبراء والتكنوقراط على صنع القرار، فعلى سبيل المثال وضعت الحكومة المركزية الخطط الكبرى لإعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية من دون تشاور شعبي حقيقي، كذلك فإن الأساس الذي قام عليه النظام الدستوري الحالي أي الجمهورية الخامسة صُمّم عام 1958 على نحو ينطوي صراحةً على نزعة مناهضة للديمقراطية من خلال تعزيز سلطات الرئيس وإسناد دور تابع إلى البرلمان الفرنسي.
وهذا يعني أن الاحتجاج يُعدّ إحدى الوسائل القليلة التي تتيح للفرنسيين إيصال أصواتهم خارج صناديق الاقتراع، وتنتقل ذكريات النضالات السابقة من جيل إلى آخر إذ يروي الناشطون الأكبر سناً لرفاقهم الشباب تجاربهم الأولى في الاحتجاج ويخرج الآباء لدعم أبنائهم ويقف المعلمون متضامنين مع طلابهم، وكما يدرك كل محتج فرنسي فإن رموز الاحتجاج ولغته وقوته تظل حاضرة ومؤثرة على مدى عقود بل قرون.
وأحيانًا تؤتي الاحتجاجات ثمارها إذ ينجح المحتجون في تحقيق مطالبهم وتُلغى إصلاحات سبق إقرارها، وتدرك كل حكومة فرنسية مدى تأثير الشارع وتخشى أحكامه، التي قد تكون قاسية لا تعرف المساومة.
وهذا أحد أسباب لجوء الحكومات الفرنسية مراراً إلى إجراءات استباقية تتخذ شكل القمع العنيف الذي يصل أحياناً إلى حد القتل، فمن قمع كومونة باريس عام 1871 إلى عنف الشرطة في الوقت الحاضر كثيراً ما تطلق السلطات الفرنسية النار أولاً وتطرح الأسئلة لاحقاً، وعلى نحو لافت لا تزال هذه السلطات تقاوم استراتيجيات احتواء التصعيد التي ظهرت في القرن الحادي والعشرين وتعمل وفق تصورات تعود إلى القرن التاسع عشر عن الحشود غير العقلانية وتنظر إلى الجميع من تلاميذ المدارس إلى مشجعي كرة القدم بوصفهم تهديداً محتملاً،
لكن ذلك لا يؤدي إلا إلى زيادة إصرار المحتجين فبعضهم يلجأ إلى العنف الصريح وينضم إلى أصحاب الجرائم الصغيرة في تخريب الممتلكات العامة والخاصة فيما يصوّر آخرون مقاطع فيديو على منصة “تيك توك” أمام شرطة مكافحة الشغب ويسخرون من دولة تتعامل مع مواطنيها باعتبارهم مصدر إزعاج دائماً.
وبالطبع تمرّ كثير من الحركات الاحتجاجية المعاصرة بدورة مماثلة، ففي الوقت الذي كانت فيه الاحتجاجات تشهد تصاعداً في فرنسا، كان مئات الآلاف من الشباب الهنود يطلقون حركتهم الاحتجاجية ضد دولة سلطوية أخرى، ليواجهوا بدورهم رداً أمنياً لا يقل حزماً.
فلماذا لا تزال الاحتجاجات في فرنسا تستأثر باهتمام الرأي العام؟
لا شك أن جانباً من ذلك يعود إلى نزعة ولا سيما في البلدان الناطقة بالإنجليزية إلى تصوير فرنسا باعتبارها مجتمعاً مضطرباً ينزلق نحو الفوضى، فقد استند جانب كبير من السياسة البريطانية في القرن التاسع عشر إلى أسطورة الاستقرار التي جرى إبرازها في مقابل الاضطرابات الثورية في فرنسا ولا تزال هذه الصورة حاضرة بقوة حتى اليوم، وفي وقت أقرب عزا المفكر المحافظ البارز روجر سكروتون مجمل توجهاته السياسية، إلى حد كبير إلى تجاربه في باريس خلال أيار 1968. لكن ثمة ما هو أعمق من مجرد التحيز والصور النمطية الوطنية، فعلى الرغم من التراجع الكبير في مكانة فرنسا العالمية لا تزال تحتفظ بموقعها في طليعة السياسة الراديكالية الأوروبية على جانبي الطيف السياسي، ويبدو المحتجون في باريس مثل المراهق إيلوان الذي سرعان ما انتشر على نطاق واسع خطابه البليغ في تمجيد السياسة اليسارية أكثر قدرة على التعبير عن أفكارهم من نظرائهم في أماكن أخرى كما تمنحهم كثافة الرموز الثورية التي يستخدمونها جاذبية عالمية. وليس من قبيل المصادفة على الأرجح أن تكون أصول كثير من الصور والرموز الاحتجاجية التي تستخدمها أقصى اليسار المعاصرة فرنسية، وينطبق الأمر نفسه على أحد أبرز الشعارات التي تتبناها أقصى اليمين عالمياً وهو نظرية “الاستبدال الكبير”، التي تزعم أن نخبة من الليبراليين تسعى إلى استبدال السكان الأصليين بالمهاجرين.
وعلى الرغم من أن الفرنسيين لا يحتكرون الاحتجاج بأي حال من الأحوال فإنهم أمضوا وقتاً أطول من غيرهم في صياغة أساليبه وتقديمها إلى الجمهور، ولا تزال أفكارهم تؤثر في الحركات السياسية في مختلف أنحاء العالم، وهذا وحده كافٍ لجعل ما يجري في شوارع باريس وليون ومرسيليا جديراً بالمتابعة والدراسة عن كثب.



