الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
كيف تفهم بكين مفهوم الاستقرار الاستراتيجي؟

بعد القمة مع ترامب تسعى الصين إلى احتواء التنافس مع الولايات المتحدة وإدارته بما يمنع خروجه عن السيطرة
بقلم: صن تشنغهاو
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
عندما زار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بكين في أيار اتفق مع الرئيس الصيني شي جين بينغ على العمل من أجل بناء “علاقة بنّاءة تقوم على الاستقرار الاستراتيجي”، وفي لقائهما بواشنطن في أيلول جدّد الزعيمان التزامهما بهذا الإطار مؤكدين ضرورة أن يستند إلى الاحترام والإنصاف والمعاملة بالمثل، ولم يكن ذلك إعلاناً عن انتهاء التنافس بين البلدين بل إقراراً بحقيقة أكثر واقعية مفادها أن هذا التنافس يحتاج إلى إطار سياسي يحول دون انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة.
ما الذي يُراد للاستقرار الاستراتيجي أن يحققه تحديداً؟
يقتضي الفهم الأكثر واقعية لهذا المفهوم تحديد ضوابط التنافس من حيث آليات إدارته والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها والحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها، إذ يمكن للبلدين خوض تنافس محتدم من دون أن يكون تقويض أحدهما الآخر هدفاً أساسياً لهما، كما يمكنهما اتخاذ تدابير لحماية أمنهما من دون تحويل مختلف مجالات التفاعل الاقتصادي والتكنولوجي إلى ساحات للصراع على الأمن القومي، وبوسعهما أيضاً التباين بشدة في مواقفهما إزاء القضايا الإقليمية مع الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة بل ومواصلة التعاون في مجالات أخرى.
وعليه لا يعني السعي إلى الاستقرار التخلي عن التنافس بل ضبط مساره والحيلولة دون تحوله إلى تصعيد متبادل يغذّي نفسه ويصعب احتواؤه، من هذا المنطلق تبرز أهمية قمة واشنطن فقد أرست قمة بكين في أيار إطاراً سياسياً للعلاقات بين البلدين، فيما أتاح اجتماع أيلول وما أعقبه فرصة لتعزيز استمرارية هذا الإطار وترسيخه.
ولا تقتصر أهمية التوافق على هدف مشترك يتمثل في تحقيق الاستقرار على أي اتفاق بعينه بل تمتد إلى إحداث تحول في نمط إدارة العلاقات الثنائية، فعلى مدى معظم العقد الماضي اتسمت الدبلوماسية الصينية الأمريكية بطابع تفاعلي تحكمه الأزمات، إذ تتصاعد التوترات ثم يتدخل الزعيمان لاحتوائها فتتحسن العلاقات مؤقتًا قبل أن يظهر خلاف جديد يعطّل التقدم المحرز.
فقد أسفر اجتماع شي وترامب في بوينس آيرس في كانون الأول 2018 عن هدنة تجارية لكن التصعيد في الرسوم الجمركية استؤنف في أيار 2019، كذلك مهّد اجتماع شي والرئيس الأمريكي آنذاك جو بايدن في بالي في تشرين الثاني 2022 الطريق لاستئناف التواصل الدبلوماسي قبل أن تؤدي حادثة المنطاد في شباط 2023 إلى إلغاء الزيارة التي كان وزير الخارجية الأمريكي آنذاك أنتوني بلينكن يعتزم القيام بها إلى بكين، ولا تعني هذه الوقائع أن اللقاءات على مستوى القادة تفتقر إلى الفاعلية بل تكشف أن الزخم الذي تولّده القمم المنفردة يظل هشاً ما لم تدعمه اتصالات منتظمة ومستمرة بين الزعماء.
ومن ثم فإن بناء نمط أكثر استدامة لإدارة العلاقات يقتضي نهجاً مختلفاً، فمن شأن التواصل المنتظم على مستوى القادة أن ينقل العلاقات من مجرد احتواء الأزمات إلى إدارة التنافس على نحو استراتيجي، بما يمنح المسؤولين في كلا البلدين هامشاً سياسياً أوسع لمعالجة الخلافات قبل تفاقمها وتحولها إلى أزمات يصعب احتواؤها.
وسيمثل هذا التحول تقدماً ملموساً في إدارة العلاقات الثنائية، فمن غير المرجح أن تتمكن الولايات المتحدة والصين من تسوية خلافاتهما الجوهرية في المستقبل المنظور لكن بإمكانهما تحسين قدرتهما على التعايش معها، فتحقيق الاستقرار لا يستلزم التوصل إلى تفاهمات في جميع الملفات بل يتطلب قدراً كافياً من الوضوح وإمكانية التنبؤ بمسار العلاقات بما يحول دون أن يؤدي خلاف في أحد المجالات إلى زعزعة العلاقة برمتها في كل مرة.
تكمن الأهمية الأوسع للقمم الدورية في الاستجابة لتطلعات المجتمع الدولي إلى إرساء نسق سياسي أكثر انتظاماً في العلاقات بين البلدين، يستمر فيه التنافس وتظل فيه الدبلوماسية فاعلة، من دون أن يحتاج أي من الطرفين إلى اندلاع أزمة كي يجد مبرراً لاستئناف التواصل مع الآخر.

وإذا عمل الجانبان على تعزيز قدراتهما بالتوازي مع ترسيخ توقعات أكثر وضوحاً، وقنوات اتصال أكثر موثوقية وآليات أفضل لإدارة الأزمات أمكن للاستقرار أن يحدّ من مخاطر انزلاق التنافس إلى صراع، أما إذا تسارع التنافس وظلت آليات إدارته ضعيفة فقد لا يكون الهدوء الراهن سوى هدنة مؤقتة تسبق تجدد التوترات.
وعليه تتمثل المهمة العملية في بناء آليات لامتصاص الصدمات داخل العلاقة الثنائية، فالعلاقات بين القوى الكبرى لا تخلو من الحوادث والخلافات غير المتوقعة لكن مكمن الخطر في العلاقات الصينية الأمريكية هو أن الخلاف في مجال واحد لا يزال قادراً على إلقاء ظلاله على العلاقة برمتها، فقد يمتد نزاع بشأن ضوابط التصدير إلى الحوار الأمني أو يؤدي احتكاك عسكري إلى تجميد التواصل الاقتصادي أو يُفسَّر حادث أمني مرتبط بالأمن السيبراني أو الذكاء الاصطناعي سريعاً من منظور العداء الاستراتيجي.
ومن شأن إقامة علاقة أكثر قدرة على الصمود أن تجعل انتقال تداعيات الخلافات بين المجالات المختلفة أقل تلقائية، وينبغي للاستقرار الاستراتيجي أن يشكّل حداً أدنى من الضمانات التي تضبط التنافس لا سقفًا يقيّد التعاون، ويتطلب ذلك تجاوز الاستقرار الذي تولّده القمم وحدها والتركيز في المرحلة المقبلة على تحويل التوافق بين الرئيسين إلى ممارسات راسخة ومستدامة.
فمن الضروري أن تواصل الآليات الاقتصادية مثل مجلس التجارة ومجلس الاستثمار عملها حتى عندما تتعثر المفاوضات، كما ينبغي إبقاء قنوات الاتصال العسكرية مفتوحة حتى في فترات تدهور العلاقات السياسية إذ تشتد الحاجة إليها في مثل هذه الظروف، وفي مجال الذكاء الاصطناعي ليس على البلدين التوصل إلى اتفاق شامل قبل أن يتمكنا من مناقشة توحيد المصطلحات والحوادث الكبرى المتعلقة بالسلامة والمخاطر السيبرانية ودور القرار البشري في الأنظمة ذات العواقب البالغة، وقد بدأت المحادثات الاقتصادية الصينية الأمريكية الأخيرة تتناول بالفعل مخاطر الذكاء الاصطناعي إلى جانب القضايا التجارية التقليدية، ما يشير إلى أن إجراء مثل هذه المناقشات بات أكثر قابلية للتحقق.
كذلك ينبغي حماية التبادلات الأكاديمية والتجارية والمحلية والطلابية من التراجع أو التعطيل، ففي قمة واشنطن دعا شي مئة ألف شاب أمريكي إلى زيارة الصين لأغراض الدراسة والتبادل على مدى السنوات الخمس المقبلة، وتستهدف هذه المبادرة معالجة أحد مواطن الضعف طويلة الأمد في العلاقات بين البلدين والمتمثل في تراجع المعرفة المباشرة المتبادلة بين شعبيهما، غير أن تحويل هذه الدعوة إلى تواصل مستدام يتطلب توفير برامج ميسّرة وترتيبات سفر موثوقة ودعم مؤسسي في كلا البلدين، فمن دون هذا التواصل ستتقلص فرص صانعي السياسات في المستقبل لاختبار افتراضاتهم بشأن الطرف الآخر في ضوء التجربة المباشرة.
وقد تتناول القمم المقبلة مشكلات محددة أو مسائل ملحّة، لكن النتيجة الأهم تتمثل في بناء علاقة صينية أمريكية قادرة على استيعاب الصدمة المقبلة من دون الحاجة إلى إعادة بنائها من نقطة الصفر.



