الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
تقدّم الحوثـ ـيين يتجاوز مسألة إيران

التنافس السعودي-الإماراتي يدفع التحركات في أنحاء المنطقة
بقلم: مارك لينش
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
في 8 أيلول شنّ انصار الله الحوثـ ـيون هجوماً واسعاً على القوات المدعومة من السعودية والموالية للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وتمكنوا من السيطرة على مواقع رئيسية على امتداد الساحل الغربي للبلاد ليحوزوا فجأة موقعاً مهيمناً عند باب المندب، وفي الأسبوع نفسه أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة وأغلقت لاحقاً مجالها الجوي أمام الطائرات الإماراتية، وقد تبدو هاتان الحادثتان اللتان وقعتا في بلدين يكاد يفصل بينهما أقصى مدى جغرافي ممكن داخل حدود “الشرق الأوسط” وتحيط بهما رهانات جيوسياسية مختلفة جذرياً منفصلتين تماماً، غير أن التطورات في اليمن والجزائر ترتبط بثلاثة مسارات رئيسية تشكل النظام الإقليمي في المرحلة الراهنة: عجز الولايات المتحدة عن هزيمة إيران أو حماية حلفائها العرب والتنافس السعودي-الإماراتي والتآكل السريع للحدود المصطنعة الفاصلة بين “الشرق الأوسط” وأفريقيا.
وقد حظي التصعيد في اليمن بالقدر الأكبر من الاهتمام ولسبب وجيه، إذ يتيح استيلاء الحوثـ ـيين على مدينة المخا الساحلية ومعظم الساحل اليمني على البحر الأحمر وعدد من الجزر الرئيسية في البحر الأحمر للجماعة تعطيل حركة الملاحة عبر باب المندب ومنعها، ولطالما كان هذا الممر المؤدي إلى البحر الأحمر أحد أهم نقاط الاختناق البحرية أمام التجارة العالمية إذ يربط المرور عبر قناة السويس آسيا بالغرب فيما تسهم عائدات رسوم العبور في إبقاء الاقتصاد المصري قائماً. وقد ازدادت أهميته بعد أن سعت السعودية إلى تجاوز السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز عبر تحويل شحنات النفط من خلال خط أنابيب الشرق-الغرب إلى منفذها على البحر الأحمر، وقد أدى هجوم أنصار الله الحوثـ ـيين، إلى جانب ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت خط الأنابيب ونُسبت إلى فصائل عراقية إلى إغلاق هذا المنفذ فجأة وبصورة حادة ما فرض ضغطاً غير مسبوق على السعودية والاقتصاد العالمي.
ومع أن تأثير هجوم الحوثيين كان الأشد على جبهة المواجهة مع إيران فإن للحرب في اليمن دينامياتها الخاصة، فقد أشعلت السعودية الجولة الأخيرة من القتال في تموز بقصف مطار صنعاء فيما كان القتال قد تصاعد على مدى عدة أشهر، لكن وكما هو الحال في مختلف تطورات “الشرق الأوسط” هذه الأيام كان هناك أيضاً بُعد سعودي-إماراتي. ففي كانون الأول الماضي طردت القوات السعودية بصورة مفاجئة وحاسمة القوات المتحالفة مع الإمارات من اليمن في مواجهة حركة الاستقلال في الجنوب التي رأت فيها الرياض جزءاً من حملة إماراتية أوسع لدعم الجماعات الانفصالية في أنحاء المنطقة، وكانت السعودية تشعر بقلق خاص من احتمال تقديم الإمارات دعمًا لاعتراف “إسرائيل” ** بإقليم أرض الصومال الانفصالي، وكان احتمال حصول “إسرائيل” على موطئ قدم استراتيجي في الجانب الآخر من باب المندب ولا سيما إذا أتاح ذلك للإمارات تطويق السعودية يُنظر إليه في الرياض بوصفه تهديداً استراتيجياً كبيراً، وأعقبت الرياض تحركاتها في اليمن بمحاولة لتشكيل ائتلاف إقليمي يضم دولاً مثل تركيا ومصر وقطر ليصبح قطباً ثالثاً ينافس محور المقاومة الإيراني ومشروع اتفاقات أبراهام بقيادة الإمارات و”إسرائيل”.

لكن إخراج الإمارات من اليمن كان الجزء الأسهل، فقد تركت الهزيمة السريعة لحلفاء الإمارات السعوديين مسؤولية دعم وقيادة القوات المتبقية التي تدافع عن الأراضي الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، وبينما استعرضت الرياض تقديم الدعم وإعادة تنظيم تلك القوات والتعهد بتوفير غطاء جوي مع ورود تقارير عن دفع أموال لانصار الله الحوثـ ـيين سراً فإن الكثير من ذلك الدعم لم يدم طويلاً، ولم تبدُ الاستراتيجية السعودية مختلفة كثيراً عن عقود من الإخفاقات السابقة وضعف الأداء إذ لم تنجح الأموال المتدفقة والغارات الجوية المتقطعة واستمرار الحصار والدعاية المكثفة في التعويض عن غياب القدرات البشرية أو الكفاءة الاستراتيجية على الأرض. وتشير التقارير إلى أن ما يصل إلى 80% من القوات المدعومة سعودياً كانوا مقاتلين وهميين يتقاضون رواتب دون أن يقدموا الكثير غير ذلك، ويبدو أن انصار الله الحوثـ ـيين تمكنوا من اختراق منظومة الاتصالات السعودية بصورة شاملة في حين أخفق الغطاء الجوي الموعود إلى حد كبير في الظهور، وفي أجواء وسائل التواصل الاجتماعي العربية التي تعج بالشائعات انتشرت على نطاق واسع مزاعم عن قيام الإمارات سراً بإعادة تفعيل حلفائها السابقين لتقويض القوات الحكومية في إطار ردها على الإذلال الذي تعرضت له في كانون الأول ودعماً للمخاوف “الإسرائيلية” بشأن الائتلاف الجديد الذي تقوده السعودية.
ومن ثم لا يمكن اختزال دوافع الحوثـ ـيين في الاستراتيجية الإيرانية الكبرى وحدها ولا حتى في استغلال فرصة توجيه ضربة حاسمة في الحرب المستمرة مع السعودية، فقد جاء تقدمهم أيضاً استجابة لاحتمال تحول الصراع إلى نزاع عابر للأقاليم، إذ إن اعتراف “إسرائيل” بأرض الصومال إلى جانب ما تردد عن عمليات انتشار سرية على الأرض يمكن أن يفضي إلى وصول قوات “إسرائيلية” وإماراتية بل وأمريكية مباشرة إلى الجانب الآخر من المضيق لمنافسة انصار الله الحوثـ ـيين على السيطرة واتخاذه قاعدة لشن هجمات مضادة داخل اليمن، وقد يؤدي ذلك بدوره إلى تسريع وتيرة العلاقات بين انصار الله الحوثـ ـيين وحركة الشباب التي تتخذ من الصومال مقراً لها وهي علاقات تنمو بصورة طبيعية منذ عدة سنوات ما يزيد مخاطر امتداد الحرب إلى منطقة القرن الأفريقي.
ولا شك في أن هذه المخاوف المتعلقة بشرق أفريقيا كانت حاضرة في ذهن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عندما وصل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة في زيارة غير معتادة هذا الأسبوع، فقد وقفت مصر إلى جانب الرياض في أزمة كانون الأول لكنها امتنعت حتى الآن عن الانضمام إلى ميثاق مكة الذي تقوده السعودية مع باكستان وتركيا، وسيكون التأثير الاقتصادي المحتمل لإغلاق باب المندب أمام قناة السويس إضافة إلى تداعيات الحرب مع إيران مدمراً لنظام مصري يعاني أصلاً مشكلات اقتصادية عميقة كما أن توسع الصراع اليمني إلى القرن الأفريقي يزيد الضغوط على مصر التي تخوض صراعاً مستمراً مع إثيوبيا بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير. ولا يبدو أن مصر ستكون أكثر استعداداً لخوض حرب برية ضد الحوثـ ـيين مما كانت عليه عندما طلب منها محمد بن سلمان ذلك قبل عقد من الزمن، لكن المخاطر أصبحت الآن من نواحٍ كثيرة أعلى والخيارات أكثر تعقيداً، ففي منطقة يهيمن عليها صراع محتدم بين السعودية والإمارات لم يعد بإمكان القاهرة الاعتماد على الدعم المالي من الطرفين معاً إذ إن اختيار أحدهما قد يكلفها كثيراً لدى الطرف الآخر.
كانت السعودية التي أصابها الإحباط إزاء رفض الولايات المتحدة التدخل ضد أنصار الله الحوثـ ـيين نيابةً عنها، تأمل في الحصول على دعم من حليفَيها الجديدين باكستان وتركيا، غير أن كلا البلدين يبدو مكتفياً بتقديم الدعم المعنوي وتجنب الانخراط في المستنقع اليمني. وسارعت باكستان إلى توضيح أن التزاماتها التحالفية لا تمتد إلا إلى النزاعات الجديدة، غير أن هذا الموقف قد يصبح غير قابل للاستمرار مع تضاؤل الخيارات المتاحة أمام السعودية بوتيرة متسارعة، وقد يمثل تدخل باكستان في اليمن دعماً للسعودية وإن لم يكن مطروحاً في الوقت الراهن تحولاً جديداً في التنافس الأمني العابر للأقاليم، ويؤكد ضرورة توسيع نطاق التفكير إلى ما يتجاوز “الشرق الأوسط”.
وهنا نصل إلى الجزائر فقد جاء قرار الرئيس عبد المجيد تبون قطع العلاقات الدبلوماسية رداً على تصاعد النشاط الإماراتي في منطقة الساحل ولا سيما دعم الإمارات للمطالب المغربية بشأن الصحراء الغربية، وتتمحور الخلافات الجزائرية مع الإمارات حول دعم الأخيرة للمغرب في إطار اتفاقات أبراهام وهو ما يتجلى في الصحراء الغربية وكذلك في منطقة الساحل حيث سعت الرباط إلى تعزيز نفوذها على حساب الجزائر بدعم إماراتي، واتهمت الجزائر الإمارات بتوسيع نفوذها في تشاد ومالي والنيجر وإدامة حروب دامية ومزعزعة للاستقرار من خلال دعم قوات الدعم السريع في السودان والجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر في ليبيا. كما تتهم وسائل إعلام جزائرية موالية للنظام الإمارات بمحاولة التأثير في الانتخابات الرئاسية الجزائرية لعام 2019، رغم أن الأدلة على ذلك لا تزال محدودة حتى الآن، وعلى غرار الرياض تنظر الجزائر إلى طموحات الإمارات جزئياً من منظور تحالفها مع “إسرائيل”، وتحملها مسؤولية تسارع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب و”إسرائيل” واعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.
وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن خريطة “الشرق الأوسط” أوسع من التصور الذي يميل صانعو السياسة الأمريكيون إلى تبنيه إذ تمضي دول شمال أفريقيا وشرقها في بناء تحالفاتها وتعزيز مصالحها بطرق ترفض بصورة مستمرة الانصياع للخطوط التقليدية للسياسة في “الشرق الأوسط”، وبعد أيام قليلة من التحركات الدبلوماسية الجزائرية اتهمت إريتريا الإمارات بممارسة “إمبريالية الموانئ” بالتعاون مع “إسرائيل”، وكما هو الحال مع انصار الله الحوثـ ـيين تراقب إريتريا بقلق التوسع الإماراتي في القرن الأفريقي والدعم “الإسرائيلي” لأرض الصومال مع مراقبة الاستعدادات العسكرية الإثيوبية بحذر، ويأتي ذلك كله في ظل تزايد الإدانات الدولية والإقليمية لدعم الإمارات لقوات الدعم السريع التي وُجّهت إليها اتهامات موثوقة بارتكاب جرائم حرب واسعة النطاق.
وقد تكون مكاسب أنصار الله الحوثـ ـيين في اليمن مؤقتة فثمة تاريخ طويل من التقدم المفاجئ والتراجعات السريعة في الحرب الداخلية اليمنية الممتدة وقد ينشأ في نهاية المطاف وضع جديد يحول دون تحقق أسوأ السيناريوهات، لكن الدرس الأوسع يتمثل في أن السياسة الإقليمية اليوم لا تنحصر في صراع ثنائي القطب بين إيران وائتلاف تقوده الولايات المتحدة، فقد أفضى الصراع السعودي-الإماراتي الذي يمثل بدوره انعكاساً لخلاف إقليمي بشأن موقع “إسرائيل” في النظام الإقليمي، إلى ترسيخ منافسة ثلاثية الأطراف تمتد عبر الحدود الإقليمية.



