الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف
المحور الشمالي في الاستراتيجية الأميركية تجاه الجمهورية الإسلامية في إيران

هل يتشكل ممر عملياتي جديد عبر سوريا وإقليم كردستان؟
بقلم: بختیار أحمد صالح
باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
شهدت البيئة الجيوسياسية في المشرق منذ الحرب الإيرانية – الامريكية “الإسرائيلية” 2026 تحولات متسارعة أعادت رسم أولويات القوى الإقليمية والدولية. فقد تراجعت أهمية الجبهات التقليدية في الخليج، مقابل تصاعد أهمية الممرات البرية الممتدة من شرق سوريا إلى شمال العراق، والتي أصبحت تمثل إحدى أكثر المناطق حساسية في الصراع الأمريكي-الإيراني.
في هذا السياق، اكتسبت اللقاءات السياسية بين القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع (الجولاني)، وقيادة إقليم كردستان العراق، إضافة إلى استمرار الوجود الأمريكي في قاعدة التنف، وإعادة تموضع القوات الأمريكية في العراق، أهمية استراتيجية تتجاوز أبعادها الثنائية. كما أن الضربات الإيرانية المتكررة ضد مواقع لأحزاب كردية إيرانية داخل إقليم كردستان، تعكس إدراكًا إيرانيًا بأن البيئة الأمنية على حدودها الغربية تشهد تغيرًا تدريجيًا قد يؤثر في ميزان الردع الإقليمي.
تهدف هذه الورقة إلى اختبار فرضية مفادها أن الولايات المتحدة لا تعمل حاليًا على إعداد غزو بري للجمهورية الإسلامية في إيران، وإنما تسعى إلى إنشاء محور احتواء شمالي (Northern Containment Arc) يوفر لها شبكة متكاملة من الاستخبارات واللوجستيات والمرونة العملياتية، بينما تتعامل الجمهورية الإسلامية في إيران مع هذا المسار باعتباره تهديدًا مستقبليًا يستوجب إجراءات استباقية.
التحول في الاستراتيجية الأمريكية بعد حرب 2026، من الردع البحري إلى الاحتواء البري
مثّلت الحرب الإيرانية–الامريكية “الإسرائيلية” عام 2026 نقطة تحول في التفكير العسكري الأمريكي في “الشرق الأوسط”. فعلى الرغم من التفوق الجوي الأمريكي و”الإسرائيلي”، كشفت الحرب عن جملة من القيود العملياتية التي فرضتها البيئة الجغرافية الإيرانية، وقدرات طهران الصاروخية، وشبكة حلفائها الإقليميين. لذلك بدأت واشنطن، وفق ما تشير إليه مؤشرات عديدة، بإعادة تقييم نموذج انتشارها العسكري، مع التركيز على تعزيز العمق البري والاستخباراتي بدلاً من الاعتماد الحصري على القوة الجوية والبحرية.
لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تخلت عن استراتيجية الردع التقليدية، بل إن المقاربة الجديدة تبدو أقرب إلى بناء شبكة إقليمية مرنة من الشركاء والبنى اللوجستية التي تمنحها خيارات متعددة في حال اندلاع مواجهة جديدة مع الجمهورية الإسلامية في إيران
.
أولاً: دروس الحرب على الجمهورية الإسلامية في إيران، أظهرت الحرب عدة حقائق استراتيجية:
-
التفوق الجوي وحده لا يحسم الحرب: رغم مشاركة الولايات المتحدة و”إسرائيل” بأحدث الطائرات والأسلحة الدقيقة، استمرت الجمهورية الإسلامية في إيران في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة حتى الأيام الأخيرة من القتال. ويرجع ذلك إلى انتشار قواعد الإطلاق، الأنفاق والمنشآت الجبلية، مراكز القيادة اللامركزية، وقدرة الحرس الثوري على العمل حتى مع فقدان بعض مراكزه. وهذا يعني أن تدمير البنية العسكرية الإيرانية يتطلب معلومات استخباراتية لحظية أكثر من الحاجة إلى زيادة عدد الطائرات.
-
أزمة الدفاع الجوي الأمريكي: استهلكت الحرب كميات ضخمة من صواريخ الدفاع الجوي. فقد استخدمت الولايات المتحدة صواريخ باتريوت،SM-3 ، SM-6، THAAD بمعدلات لم تكن متوقعة قبل الحرب. هذه الحقيقة دفعت البنتاغون إلى إعادة توزيع منظومات الدفاع الجوي حول العالم، وهو ما يفسر جزئياً تقليص بعض القدرات الدفاعية في العراق وإعادة نشرها في مناطق اعتبرت أكثر أولوية.
-
أهمية المعلومات الاستخباراتية: الحرب أكدت أن المعلومات أصبحت أهم من القوة النارية. فكل دقيقة يتم فيها اكتشاف منصة صواريخ، قافلة لوجستية، مركز قيادة قد توفر عشرات الصواريخ الاعتراضية. ومن هنا أصبح الاستثمار في الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة أولوية تتقدم على زيادة عدد القوات.
ثانياً: إعادة الانتشار الأمريكي
بعد الحرب لم يحدث انسحاب أمريكي كامل، وإنما إعادة تموضع. ويمكن تقسيمه إلى أربعة محاور:
-
تقليل البصمة العسكرية: بدلاً من القواعد الضخمة، أصبحت واشنطن تفضل قواعد صغيرة، قوات خاصة، وحدات استطلاع، طائرات مسيرة وأنظمة استشعار بعيدة المدى. وهذا النموذج يقلل الخسائر ويزيد المرونة العملياتية.
-
تعزيز الشركاء المحليين: بدلاً من نشر آلاف الجنود، تعتمد الولايات المتحدة على شركاء محليين. في شمال سوريا: قوات سوريا الديمقراطية، في العراق: قوات مكافحة الإرهـ ـاب وقوات البيشمركة. وبذلك يتحول الوجود الأمريكي من قوة قتالية مباشرة إلى قوة قيادة ودعم واستخبارات.
-
الاحتفاظ بالعقد الجغرافية: لم تغادر القوات الأمريكية التنف، الحسكة، دير الزور وأربيل. وهذه المواقع تشكل عقداً استراتيجية تراقب الحدود السورية العراقية، الممرات الإيرانية، طرق تهريب السلاح وتحركات الفصائل المسلحة.
-
مرونة الانتشار: بدلاً من تمركز القوات في مكان واحد، أصبحت القوات الأمريكية تتحرك بصورة دائرية بين الكويت، قطر، الأردن، العراق وسوريا وهذا يصعّب على الجمهورية الإسلامية في إيران استهدافها.
ثالثاً: لماذا أصبح شمال العراق أكثر أهمية؟
تاريخياً كان الخليج يمثل مركز الثقل العسكري الأمريكي. أما اليوم فهناك تحول تدريجي نحو شمال المشرق. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب:
-
القرب من غرب الجمهورية الإسلامية في إيران: المسافة بين أربيل والحدود الإيرانية قصيرة نسبياً. وهذا يسمح بجمع المعلومات الإلكترونية، مراقبة التحركات، تشغيل الطائرات المسيرة، ومراقبة الاتصالات. دون الحاجة إلى الاقتراب من الخليج.
-
التضاريس: غرب الجمهورية الإسلامية في إيران منطقة جبلية. وتعد الجبال أفضل مواقع للرادارات، أفضل نقاط للاستطلاع، وأفضل مواقع للحرب الإلكترونية. ولهذا تمتلك السيطرة على المرتفعات أهمية أكبر من السيطرة على المدن.
-
تعدد خطوط الحركة: إقليم كردستان يرتبط مع تركيا، سوريا، بغداد، والجمهورية الإسلامية في إيران. وبالتالي يستطيع أن يصبح عقدة لوجستية لأي عمليات مستقبلية.
-
البنية التحتية: يضم الإقليم مطارات حديثة، طرقاً سريعة، مراكز اتصالات، قواعد عسكرية قائمة وهذا يقلل تكلفة أي انتشار جديد.
رابعاً: سوريا في الحسابات الأمريكية الجديدة
إذا كان العراق يمثل قاعدة خلفية، فإن شرق سوريا يمثل خط التماس الأمامي. فالوجود الأمريكي هناك يحقق أربعة أهداف: منع عودة تنظيم داعش، منع اكتمال الممر الإيراني من طهران إلى البحر المتوسط، جمع المعلومات عن التحركات الإيرانية، تأمين نقطة اتصال مع إقليم كردستان. وهنا تظهر أهمية أي تقارب سياسي أو أمني بين الإدارة السورية الجديدة وقيادة إقليم كردستان، لأنه قد يسهّل التنسيق على طول هذا الشريط الحدودي، حتى لو كان في إطار ترتيبات أمنية وليس تحالفاً عسكرياً موجهاً ضد الجمهورية الإسلامية في إيران.
لقراءة تقدير الموقف كاملاً وتحميل الملف أدناه:




