الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف

أسطول الظل الروسي ودوره في تهريب النفط الإيراني خلال الحرب الأميركية “الإسرائيلية” على الجمهورية الإسلامية في إيران

بقلم: الباحث رياض جليل جمعة

 

يعد أسطول الظل الروسي واحداً من أكبر الأساطيل الخفية في العالم، التي أتبعت آليات وأنظمة معقدة، في التحايل والالتفاف على العقوبات والرقابة الدولية، إذ بدأ هذا الأسطول العملاق بالتضخم منذ الحرب الروسية على أوكرانيا في عام 2022، اضطرت فيها موسكو إلى تطوير مسارات بديلة لتصدير نفطها خارج منظومة السقف السعري التي فرضتها مجموعة السبع، بهدف تحقيق أهداف اقتصادية وسياسية وعسكرية، بطرف ملتوية وإستراتيجيات معقدة تتضمن استغلال الثغرات القانونية، والتسجيل في دولة ذات أنظمة مرنة، إضافة إلى رفع أعلام دول أخرى في محاولة للإفلات من الرقابة الدولية، فضلاً عن ذلك تحاول روسيا من خلاله أضعاف فعالية العقوبات المفروضة عليها من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، إذ تجمع موسكو من خلال أسطولها الخفي بين الشحن التجاري وجمع المعلومات الاستخباراتية وأنشطة التخريب، وتتيح عملياته لروسيا تمويل المجهود الحربي، ولا سيما في حربها ضد أوكرانيا، وفي إطار موضوع البحث، لعب أسطول الظل الروسي خلال الحرب الأمريكية- “الإسرائيلية” على الجمهورية الإسلامية في إيران، دوراً محورياً في تهريب النفط الإيراني إلى الصين، والمراوغة في الانسلاخ من العقوبات الأمريكية المفروضة على الجمهورية الإسلامية في إيران، إضافة إلى الحصار البحري، إذ تجسد هدف روسيا في نقل النفط الإيراني، إلى التخفيف من حدة العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الروسي، وإضعاف حدة الحصار العسكري الأمريكي المفروض على الجمهورية الإسلامية في إيران،  إضافة إلى تكثيف الدعم العسكري للجمهورية الإسلامية في إيران في مجال الأسلحة والطائرات المسيرة عبر بحر قزوين، في محاولة لتقليل الضغط والدعم الأمريكي لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، وزيادة استنزاف الولايات المتحدة.

 

ماهية أسطول الظل

هو مصطلح يشير إلى شبكة من السفن التجارية القديمة، وناقلات النفط التي تعمل خارج الأطر القانونية والرقابية الدولية، بهدف تحقيق أهداف اقتصادية وسياسية وعسكرية بطرق تحتال على العقوبات الدولية، وغالباً ما تكون غير مسجلة رسمياً، أو مسجلة في دول تعرف بتقديم “أعلام الملاءمة” (تسجيل سفينة تجارية في دولة غير تلك التي ينتمي إليها مالكوها)، مما يسمح لها بتجنب الرقابة الصارمة، والإفلات من العقوبات، إذ تعتمد هذه السفن على إستراتيجيات مراوغة مثل تغيير هوياتها واستخدام شركات وهمية وتعطيل أنظمة التتبع لتفادي الكشف عن مساراتها، ويشكل أسطول الظل تهديداً لأمن الملاحة البحرية، نظراً لقدم بعض سفنه وافتقارها للصيانة الدورية، مما يزيد من مخاطر الحوادث البيئية والبحرية في الموانئ والمياه الدولية([1]).

 

أسباب ظهور أسطول الظل

نشأت ظاهرة أسطول الظل بفعل عوامل اقتصادية وسياسية وجغرافية، نتيجة سعي بعض الدول إلى الالتفاف على العقوبات الدولية وضمان استمرار تدفق صادراتها، ويشكل فرض العقوبات الغربية على دول مثل روسيا والجمهورية الإسلامية في إيران وفنزويلا محفزاً أساسياً، لاستخدام هذه الأساطيل من أجل تجاوز القيود التجارية المفروضة عليها، إذ عزز الطلب المرتفع على النفط في الأسواق الكبرى مثل الصين والهند؛ الحاجة إلى إيجاد طرق غير رسمية لنقل الموارد، مما جعل أسطول الظل خياراً إستراتيجياً لهذه الدول، إضافة إلى ذلك يتيح الأسطول للمشغلين تحقيق أرباح كبيرة عبر الاستفادة من فروق الأسعار في الأسواق غير الرسمية، وتجنب التكاليف المرتفعة المدفوعة للتأمين والرسوم التنظيمية، كما أنَّ استغلال الثغرات القانونية والتسجيل في دول ذات أنظمة رقابية مرنة ساعد في تعزيز أنتشار هذه الظاهرة، مما جعلها أداة فعالة لمواصلة العمليات التجارية بعيداً عن الرقابة الدولية([2]).

إذ ظهرت النواة الأولى لهذه الشبكات مع محاولات الجمهورية الاسلامية في ايران وكوريا الشمالية، الالتفاف على العقوبات في العقد الأول من الألفية، ثم توسعت بعد العقوبات الأميركية على فنزويلا عام 2019، غير أن التحول المفصلي جاء عقب غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، حين اضطرت موسكو إلى تطوير مسارات بديلة لتصدير نفطها خارج منظومة السقف السعري التي فرضتها مجموعة السبع، إضافة إلى ذلك يصعب تحديد رقم دقيق بسبب طبيعة الأسطول القائمة على الإخفاء، إلا أن تقاطعات التقارير المستقلة تشير إلى أننا أمام مئات السفن، وتذهب بعض شركات المخاطر البحرية إلى أن شبكات أساطيل الظل الروسية والإيرانية والفنزويلية تضم حوالي (1600) ناقلة، ما يعكس تحول “اقتصاد الظل النفطي إلى منظومة عالمية قائمة بحد ذاتها”، إذ تمثل روسيا مركز النمو الأكبر، إذ تشير تقديرات معاهد أبحاث غربية إلى استخدام حوالي 450 ناقلة لتهريب النفط الروسي خارج آليات الرقابة، تشمل ناقلات خام وناقلات منتجات، أما الجمهورية الإسلامية في إيران فتمتلك أسطولاً مستقراً ومتجدداً، ويقدر عدد السفن المنخرطة بشكل مؤكد في نقل النفط الإيراني بأكثر من 500 ناقلة، من بينها عدد كبير يستخدم كمخازن عائمة، لا سيما قبالة السواحل الماليزية([3]).

 

آلية عمل أسطول الظل

يعمل أسطول الظل وفق ديناميكية معقدة، ذات خطورة عالية، تتيح له الإفلات والالتفاف على العقوبات الدولية، من خلال الآتي:([4])

  1. تغيير الأعلام: كل سفينة يجب أنَّ تكون مسجلة في دولة ما، وترفع علمها يعرف بـ”علم السفينة”، أما السفن في أسطول الظل، فهي تقوم بتغير علمها باستمرار، وتسجل في دول لا تفرض قيوداً صارمة مثل بنما أو ليبيريا وغيرها، مما يجعل تتبعها صعباً، والأحكام عليها مستحيلاً.

  2. إيقاف أنظمة التتبع: من أجل تفادي أنظمة الرقابة الدولية، تعطل بعض سفن الظل هذه، أنظمة التتبع أثناء رحلاتها البحرية، مما يخفي تحركاتها عن أنظار الجهات المراقبة.

  3. استخدام شركات وهمية: تسجل سفن الظل بأسماء شركات غير حقيقية أو في دول توفر سرية تامة لملكية السفن، مما يساعد في إخفاء المالكين الحقيقيين، ويجعل من الصعب فرض العقوبات عليهم.

  4. نقل الشحنات بطرق ملتوية: تجري عمليات نقل النفط أو البضائع بين السفن في عرض البحر، لا سيما في المناطق النائية مثل المحيطات المفتوحة، كما تعدَل الوثائق الرسمية للشحنات، لإظهار أنَّ النفط مصدره دول غير خاضعة للعقوبات.

 

 

أسطول الظل الروسي ودوره في تهريب النفط الإيراني

نشأ أسطول الظل في روسيا، نتيجة لعوامل اقتصادية وسياسية عدة، لا سيما بعد فرض العقوبات الدولية إثر اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في 24 شباط عام 2022، إذ سعت روسيا إلى إيجاد طرق للتغلب على هذه العقوبات، لا سيما في قطاع النفط، الذي يعد من المصادر الأساسية للإيرادات، وقد مكنها أسطول الظل من مواصلة تصدير النفط إلى أسواق منها الصين والهند، مع تجاوز الحدود القصوى للأسعار التي فرضتها العقوبات، كما استفادت روسيا من الزيادة في أسعار النفط العالمية، مما ساعدها على بيع نفطها بأسعار أعلى من الحد المقرر، مما قلل من تأثير العقوبات، ووفقاً لصحيفة (فايننشال تايمز) البريطانية، فقد شهد أسطول الظل الروسي نمواً هائلاً بنسبة 70% في عام 2024 ([5]).

وفي السياق ذاته ومنذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، تسببت محاولات روسيا التي غالباً تكون ناجحة، في تضخم أسطول الظل الروسي؛ إذ يعتقد حالياً أنه يضم ما يقارب 1400سفينة، على الرغم من صعوبة تحديد الأرقام بدقة، نظراً لطبيعة الأنشطة غير المشروعة ([6]).

إذ تتمثل إحدى الركائز الأساسية لإستراتيجية الأسطول الروسي الخفي، في إخفاء ملكية ناقلات النفط التابعة له، وإخفاء مصدر النفط الروسي الذي تحمله هذه السفن، ولتحقيق ذلك، تلجأ روسيا إلى سلسلة من المناورات الخادعة، مثل عمليات نقل متكررة للشحنات السائلة بين السفن، وخلط النفط من دول متعددة، وتزييف بيانات مواقع السفن، وتعطيل أنظمة التعريف الآلي، كما خصصت روسيا موارد غير مسبوقة لشراء سفن قديمة من شركات غربية، وإخفاء ملكيتها الروسية لهذه السفن من خلال مخططات معقدة تشمل شركات وهمية وتغيير أعلام السفن بشكل متكرر، إلى جانب تدابير أخرى، إذ كان لتوسيع روسيا لأسطولها غير الرسمي وجهان، فمن جهة، كان تجميع هذا الأسطول الضخم مكلفاً، لا سيما بالنسبة لدولة تعاني من تدهور اقتصادي، إذ تقدّر كلية (كييف للاقتصاد)، أنَّ روسيا أنفقت نحو 10 مليارات دولار لشراء ناقلات نفط مختلفة لأسطولها منذ عام 2022، لكن أنتشار هذا الأسطول غير الرسمي مكّن روسيا أيضاً من التداول حول سقف الأسعار، والحفاظ على إيراداتها، ومنع انهيار اقتصادها بشكل كامل، ونظراً لأن معظم هذا الأسطول الروسي قديم جداً وفقاً لمعايير ناقلات النفط التقليدية، ومؤمن عليه من قبل شركات غير موثوقة، فإنه يشكل أيضاً مخاطر بيئية ومالية جسيمة على الدول التي يمر عبرها، لاسيما في حال وقوع حادث تسرب نفطي، الشكل التالي يوضح الملاك السابقون لــ 75 ناقلة نفط تابعة للأسطول الروسي غير الرسمي والتي فرضت عليها الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات في 20 كانون الثاني عام 2025، حسب النسبة المئوية من السعة([7]).

 

الشكل رقم (1) الملاك السابقون لــ 75 ناقلة نفط تابعة للأسطول الروسي غير الرسمي والتي فرضت عليها الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات

 

إلى جانب ذلك، في أيلول من العام 2025، وقعت إحدى الحالات البارزة، عندما احتجزت فرنسا ناقلة النفط “بوراكاي”،  وأتضح لاحقاً أنَّ اثنين من عملاء المخابرات الروسية كانا على متنها، وكلاهما يعملان لدى شركة “موران سيكيوريتي غروب” الروسية الخاصة، إذ شملت مهامهما المعلنة في توفير الأمن للسفينة، ومراقبة الطاقم، وجمع المعلومات الاستخباراتية، كما ربطت “بوراكاي” بنشاط طائرات بدون طيار فوق الدنمارك في عام 2025، بما في ذلك تحليقها بالقرب من مطارات رئيسه ومنشآت عسكرية، بالإضافة إلى سلسلة من انتهاكات المجال الجوي شملت دولًا أوروبية، إذ إنَّ وجود أفراد يرتدون الزي الرسمي على متن ناقلات النفط، ليسوا من أفراد الطاقم، لكنهم مع ذلك يتمتعون بنفوذ، يؤكد الأهمية الإستراتيجية للأسطول الخفي بالنسبة للكرملين، إذ تستخدم روسيا هذه السفن ليس فقط لدعم صادرات النفط، بل أيضاً لإضعاف فعالية العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، ووفقاً لتقديرات الخبراء، فقد حققت هذه المخططات ما يقارب 25 مليار دولار من الإيرادات الإضافية للكرملين خلال العامين الماضيين، ويمكن الحفاظ على عائدات صادرات الطاقة، موسكو من مواصلة تمويل حربها ضد أوكرانيا([8]).

إذ تطور الأسطول الروسي الخفي من آلية للتحايل على العقوبات الاقتصادية، إلى عنصر من عناصر إستراتيجية الكرملين الهجينة الأوسع نطاقاً، والتي تجمع بين الشحن التجاري وجمع المعلومات الاستخباراتية وأنشطة التخريب، وتتيح عملياته لروسيا تمويل المجهود الحربي، والالتفاف على القيود الدولية، وخلق أدوات ضغط جديدة ضد أوروبا في آن واحد، إذ إنَّ السيطرة المزعومة على أطقم السفن وملاحتها من قبل أفراد يفوقون رتبة قبطانها بكثير، تعكس خضوع الشحن التجاري لأهداف الكرملين السياسية والعسكرية، في ظل هذه الظروف، لم تعد ناقلات النفط المدنية أصولاً تجارية بحتة، بل أصبحت أدوات في يد السياسة الروسية، بما في ذلك في إطار العمليات الهجينة ضد أوروبا، كما إنَّ منح صلاحيات لأفراد من غير أفراد الطاقم تتجاوز قرارات قبطان السفينة يتعارض مع المبادئ الراسخة للممارسات البحرية الدولية والسلامة البحرية، وتقوض هذه الترتيبات التسلسل القيادي على متن السفن، وتخلق مخاطر إضافية للتجارة البحرية الدولية، إذ تمثل أنشطة الأسطول الروسي الخفي تحدياً مزدوجاً لأوروبا، فهي لا تقوض فعالية نظام العقوبات فحسب، بل توفر أيضاً آلية ضغط هجينة جديدة، إذ تُستخدم العمليات التجارية كغطاء لأنشطة الاستخبارات والتخريب ؛ ونتيجة لذلك ينبغي النظر إلى الجهود المبذولة لمواجهة الأسطول الروسي الخفي ليس فقط كأداة للضغط الاقتصادي، بل كمسألة أمن جماعي لكل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي([9]).

 

تهريب النفط الإيراني

في قلب الاضطرابات الجيوسياسية المتصاعدة، برزت من جديد ظاهرة “أساطيل الظل”، وهي شبكة خفية تضم مئات ناقلات النفط القديمة ذات الملكية الغامضة، والتي تعمل خارج القواعد التقليدية للتجارة العالمية، بعيدًا عن الأطر الرقابية والتأمينية المعتادة، إذ تشهد هذه الأساطيل اليوم ازدهاراً غير مسبوق، مدفوعة بتداعيات الحرب الإيرانية، إلى جانب تقييد حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وهو ما تسبب في أضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية، وقد دفعت هذه العوامل واشنطن إلى تخفيف العقوبات على النفط الإيراني، وحتى على النفط الروسي الموجود في البحر، في محاولة لتجنب صدمة أكبر في الإمدادات بعد أرتفاع قوي في الأسعار، وبذلك أصبحت ناقلات الظل بمثابة العمود الفقري للحفاظ على تدفق النفط العالمي، في تطور يصب بشكل مباشر في مصلحة النفط المنقول بحراً لكل من الجمهورية الإسلامية في إيران وروسيا، إذ تمتلك إير الجمهورية الإسلامية في إيران ان حالياً ما يقرب من 15مليار دولار من النفط المخزن أو المتحرك في البحر، ومنذ اندلاع الحرب في 28 شباط من العام الحالي، تمكنت طهران من تصدير نحو 1.5 مليون برميل يومياً، محققة بذلك أكثر من 140 مليون دولار يومياً من الإيرادات، ويأتي ذلك في وقت تعبر فيه ناقلاتها مضيق هرمز دون تهديد مباشر، في مؤشر على التحول الذي طرأ على موازين المخاطر في المنطقة، وعلى فعالية هذه الأساطيل في تأمين مسارات تصدير النفط الإيراني رغم العقوبات والتوترات([10]).

  وتعتمد ناقلات الظل الروسية في نقل النفط الإيراني، ولا سيما خلال الحرب الأمريكية- “الإسرائيلية”، على أساليب مراوغة متطورة لتفادي الرقابة والتعقب فبحسب البيانات، تتحرك هذه الناقلات من خلال إغلاق أجهزة التتبع في 25% من الحالات، بينما ترتفع هذه النسبة إلى 40% بالنسبة للناقلات التي تحمل النفط الإيراني، ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ إنَّ ثلث هذه الناقلات يقوم بتغيير العلم ثلاث مرات على الأقل، إلى جانب التغيير المستمر للأسماء والألوان، وهي ممارسات تهدف إلى طمس الهوية الحقيقية للسفن وتفادي الرصد والعقوبات، وفي بعض الحالات، يتم نقل النفط في عرض البحر من ناقلة إلى أخرى، وهي واحدة من أكثر العمليات شيوعًا داخل هذه الشبكة، لما توفره من قدرة على إعادة تمويه الشحنات وتغيير مسارها أو مصدرها الظاهري، ورغم الجهود الأمنية والرقابية المتزايدة للحد من أنتشار هذه الشبكات، فإن أساطيل الظل تنقل اليوم ما يقرب من 25% من النفط الخام العالمي، وهو رقم يعكس حجم الدور الذي باتت تلعبه في سوق الطاقة الدولية([11]).

إلى جانب ذلك أبحرت الناقلة (يوج) من ميناء تشينغداو الصيني، بعد تفريغ مليوني برميل من النفط الإيراني الخاضع للعقوبات، وبالقرب من القطب الشمالي، كانت سفينة تحمل نفطاً روسياً تشق طريقها عبر البحار الجليدية متجهة إلى الهند، وعلى بعد ستة آلاف ميل، أفرغت سفينة ثالثة حمولتها من النفط الإيراني قبالة سواحل ماليزيا، إذ كانت الناقلات الثلاث تملكها، وتشغلها جهات مختلفة، وتخدم عملاء مختلفين، لكنها كانت تشترك في أمر واحد : شركة تأمين صغيرة، مقرها نيوزيلندا، مدعومة من بعض أكبر شركات إعادة التأمين في العالم، ومنها روسيا، ويدير شركة (ماريتايم ميوتشوال) البريطاني بول رانكن (75 عاماً)، وأفراد عائلته ولأكثر من عقدين، قدمت الشركة التغطية التأمينية لكل شيء من القاطرات البحرية، إلى العبارات وسفن الشحن، وساعدت أيضاً في تسهيل تجارة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات في النفط الإيراني والروسي من خلال توفير التأمين الذي تحتاجه السفن، التي تلتف على العقوبات الغربية لدخول الموانئ، وذلك وفقاً لمراجعة أجرتها “رويترز” لآلاف السجلات البحرية والتأمينية، ومئات الصفقات النفطية، وقوائم العقوبات، ومقابلات مع أكثر من عشرين شخصاً على دراية بالشركة، إذ ينتمي العديد من هذه السفن إلى ما يسمى في عالم الشحن بـ”أسطول الظل”، وهو عبارة عن ناقلات تحمل البضائع الخاضعة للعقوبات، من دول مثل إيران وروسيا وفنزويلا، وتخفي نشاطها من خلال مواقع ووثائق وأسماء مزيفة([12]).

  وفي السياق ذاته، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية، يوم الثلاثاء الموافق 14 تموز 2026 عقوبات على أكثر من (50) فرداً وكياناً وسفينة مرتبطة بشبكة “محمد حسين شمخاني للشحن وتجارة النفط”، بالتزامن مع إصدار ترخيص عام يسمح بإنهاء ​بعض الأنشطة وإجراء ⁠معاملات معينة ​تتعلق ⁠بالسلامة ‌والبيئة وتفريغ شحنات مرتبطة ببعض المشمولين بالعقوبات، وقالت الوزارة في بيان إن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، أصدر “الرخصة العامة Z للجمهورية الإسلامية في إيران”، التي تجيز معاملات كانت ستحظرها العقوبات بعد إدراج الأشخاص والسفن المستهدفة، لكنها تقتصر على إنهاء الأنشطة القائمة وبعض عمليات السلامة والطوارئ وحماية البيئة وتفريغ الحمولات، ولا تمثل إعفاءً عاماً من العقوبات، وأضافت أن الحزمة الجديدة تستهدف ما وصفتها بـ”شبكة شمخاني للتهرب من العقوبات والشحن غير المشروع”، مشيرة إلى أن الشبكة تؤدي دوراً رئيساً في صادرات النفط الإيرانية، ووسعت نشاطها ليشمل نقل الحاويات وتجارة السلع على مستوى العالم، وربطت الخزانة الأمريكية الإجراءات بتصعيد الضغوط الاقتصادية على الجمهورية الإسلامية في إيران بعد استئنافها ما وصفته واشنطن بـ”الهجمات المزعزعة للاستقرار” في مضيق هرمز، وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت: “يعتمد النظام الإيراني على الخداع للبقاء، وتُعد شبكة شمخاني واحدة من أكثر مصادره ربحاً”، مضيفاً أن الوزارة تعمل على تفكيك البنية المالية التي تتيح للنظام مواصلة تهديد الأمن القومي الأمريكى وحركة الملاحة العالمية([13]).

إضافة إلى ذلك شملت العقوبات رجل الأعمال الإيراني ــــ الروسي (علي رخبار مدني)، الذي وصفته الوزارة بأنه أحد أقرب شركاء شمخاني، ويتولى إدارة جزء كبير من عمليات الشحن والتواصل مع العملاء، بين روسيا والجمهورية الإسلامية في إيران، وأضافت أنه شجع الجانب الروسي من عمليات الشبكة على البحث عن وسائل لتجنب سقف أسعار النفط الروسي، بهدف زيادة الأرباح بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، وقالت الخزانة الأمريكية إنَّ العقوبات شملت شركة (Sea Lead Shipping PTE) ومقرها سنغافورة، إلى جانب شركات تابعة لها في دبي وجزر مارشال والهند، كما شملت الإجراءات سفناً لنقل الحاويات والبضائع وناقلات نفط ترفع أعلام إيران وبنما وأنتيجوا وباربودا وبالاو وباربادوس وسانت كيتس ونيفيس، إلى جانب سفن لا تعرف دول تسجيلها الحالية، وقالت الوزارة إن شبكة (محمد حسين شمخاني) تدير أيضاً أسطولاً من سفن الظل في بحر قزوين ينقل البضائع بصورة أساسية بين الجمهورية الإسلامية في إيران وروسيا، إضافة إلى ناقلتي النفط (DARIKA وVIRENT)، اللتين نقلتا منتجات نفطية روسية لصالح الشبكة([14]).

  وفي ذات السياق، أكتسب بحر قزوين أهمية إستراتيجية جديدة كمسار تجاري بين الجمهورية الإسلامية في إيران وروسيا، إذ يوفر منفذاً حيوياً للتجارة العلنية وتجارة الظل على حد سواء بين البلدين، الأمر الذي قد يساعد طهران على الاستمرار في تحدي الولايات المتحدة الأمريكية، رغم الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، والتفوق العسكري، وفق صحيفة (نيويورك تايمز)، إذ أكد مسؤولون أميركيون للصحيفة إن “روسيا تشحن مكونات الطائرات المسيرة إلى الجمهورية الإسلامية في إيرانعبر بحر قزوين، ما قد يساعد طهران على إعادة بناء قدراتها الهجومية بعد أن فقدت نحو 60% من ترسانتها الجوية خلال القتال الأخير”، وأضافوا أن “موسكو تزود طهران أيضاً عبر قزوين بالسلع التي كانت تمر عادةً عبر مضيق هرمز، المُحاصر حالياً من قبل البحرية الأميركية، ضمن إطار التجارة العالمية”، إضافة إلى ذلك قال مسؤولون إيرانيون إن “الجهود المبذولة لفتح مسارات تجارية بديلة تتقدم بوتيرة متسارعة، مع عمل أربعة موانئ إيرانية على طول بحر قزوين على مدار الساعة لاستيراد القمح والذرة وأعلاف الحيوانات وزيت دوار الشمس ونقل النفط وغيرها من الإمدادات”([15]).

إذ يربط بحر قزوين بين الجمهورية الإسلامية في إيران وروسيا، عبر مدينة أوليا الساحلية الروسية، ومدينة بندر أنزلي الإيرانية، وأوضحت الصحيفة أن “إحصاءات مسؤولي التجارة الروس وموانئ الشحن تشير إلى زيادة سريعة في حركة السفن عبر بحر قزوين خلال الأشهر الماضية”، واعتبرت الصحيفة أن بحر قزوين، الذي يُعد أكبر بحيرة في العالم، يشهد تجارة غير شفافة لسفن الظل إلى حد كبير، ويصعب مراقبتها عن بعد، لا سيما أن السفن التي تتنقل بين الموانئ الروسية والإيرانية، غالباً ما تطفئ أجهزة الإرسال والاستقبال التي تسمح بالتتبع عبر الأقمار الاصطناعية، بحسب مجموعات تتبع الملاحة البحرية، وأضافت أن “الولايات المتحدة لا تستطيع اعتراض السفن في بحر قزوين ؛ لأن الوصول إليه يقتصر على الدول الخمس المطلة عليه فقط”([16]).

 

 

آلية عمل أسطول الظل الروسي

يعتمد أسطول الظل الروسي بشكل عام في تهريب النفط الإيراني وغيره، على مجموعة من الأساليب غير القانونية وشبه القانونية للالتفاف على العقوبات ومن أبرزها([17]).

  1. إخفاء الملكية الحقيقية عبر طبقات متعددة من شركات الواجهة المسجلة في دول جزرية صغيرة أو مراكز مالية حر.

  2. العمل خارج منظومة التأمين العالمية، والاكتفاء أحياناً بوثائق تأمين صورية أو محدودة لدى شركات صغيرة وغير معترف بها دولياً.

  3. التهرب من الرقابة البحرية من خلال إطفاء جهاز التتبع الآلي (AIS)، وتزوير بيانات الموقع، وتغيير أسماء السفن وأعلامها بشكل متكرر.

  4. النقل من سفينة إلى أخرى (STS)، وهي الحلقة الأهم في غسل النفط، إذ تنقل الحمولة من ناقلة مظلمة إلى ناقلة أخرى تحمل علماً نظيفاً في نقاط محددة، أبرزها قبالة السواحل الماليزية، وقرب السواحل اليونانية، وفي بحر البلطيق.

 

خاتمة

في الختام ومن خلال ما تم ذكره يتضح أنَّ أسطول الظل الروسي كان له دوراً كبيراً، في إطالة أمد الحرب الأمريكية – “الإسرائيلية” على الجمهورية الإسلامية في إيران، واستنزاف التموضع الأمريكي في “الشرق الأوسط” من خلال خرق الحصار الأمريكي المفروض على إيران والتحايل عليه، عبر طرق ملتوية ومعقدة قام بها أسطولها الخفي، تضمنت تسهيلات نقل النفط الإيراني إليها وإلى الصين، وإطفاء أجهزة التتبع وتغير أعلام سفنها باستمرار، وأخفاء الملكية الحقيقية، إضافة إلى استخدام طاقم بحارة ذو خبرة ورتب عسكرية سابقة في البحرية الروسية، ذو مهارة كبيرة في المراوغة، وتحديد مسار الطرق الآمنة البعيدة عن أجهزة الرقابة الدولية بدقة عالية، وتعد روسيا في الوقت ذاته هي المستفيدة الأكبر في هذا النقل غير الرسمي، إذ تهدف إلى تقليل أسعار الطاقة وتخفيف العقوبات المفروضة عليها من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً  عن ذلك فتح مسارات جديدة عبر بحر قزوين غير خاضعة للرقابة الدولية وأجهزة التتبع، إذ أكتسب بحر قزوين أهمية إستراتيجية جديدة كمسار تجاري بين الجمهورية الإسلامية في إيرانوروسيا، إذ يوفر منفذاً حيوياً للتجارة العلنية وتجارة الظل على حد سواء بين البلدين، الأمر الذي قد يساعد طهران على الاستمرار في تحدي الولايات المتحدة الأمريكية، رغم الحصار البحري على الموانئ الإيرانية والتفوق العسكري.

 

استنتاجات

  1. رغم العقوبات الدولية المفروضة على روسيا والجمهورية الإسلامية في إيرانفي مجال الطاقة وغيرها، لا تزال سفن الظل المتحكمة في عملية نقل وتهريب النفط والتحايل على العقوبات الدولية وأجهزة التتبع.

  2. يلعب أسطول الظل الروسي دوراً محورياً وكبيراً في عملية الالتفاف على العقوبات والتخفيف من حدتها عبر مجموعة من الأساليب غير القانونية وشبه القانونية، والمتمثلة في إخفاء الملكية الحقيقية، والعمل خارج منظومة التأمين العالمية، وإطفاء جهاز التتبع الآلي (AIS).

  3. استفادت روسيا عبر أسطول الظل الذي تمتلكه، من الحرب الأمريكية- “الإسرائيلية” على الجمهورية الإسلامية في إيران، والحصار البحري العسكري المفروض عليها بشكل كبير، من خلال كونها أصبحت بديلاً لبكين عن الجمهورية الإسلامية في إيران في تصدير النفط وشراءه من قبل الصين، بعد أن كانت الصين أكبر مشتري للنفط الإيراني.

  4. تحاول روسيا من خلال عملية نقل النفط الإيراني وتهريبه إليها وعلى الصين، إطالة أمد الحرب الأمريكية- “الإسرائيلية” على الجمهورية الإسلامية في إيران، واستنزاف الوجود العسكري الأمريكي المتمركز في الخليج العربي، إضافة إلى تقليل حدة العقوبات المفروضة عليها من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، في محاولة لإيجاد متنفس جيوسياسي واقتصادي مؤقت يقلل من ضغط الحرب الأوكرانية.

  5. على رغم من الجهود الأمنية والرقابية المتزايدة للحد من انتشار هذه الشبكات، فإن أساطيل الظل تنقل اليوم ما يقرب من 25% من النفط الخام العالمي، وهو رقم يعكس حجم الدور الذي باتت تلعبه في سوق الطاقة الدولية.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى