الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

هل تقود الطاقة المتجددة مسار التصنيع في أفريقيا؟

الحرب الإيرانية تعزز توجه القارة نحو الطاقة الخضراء المدعومة من الصين

بقلم: محمد أدو

ترجمة وتحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

 

لم تقتصر تداعيات الحرب على إيران التي شنتها الولايات المتحدة و”إسرائيل” ** في أواخر شباط على زعزعة أسواق النفط بل أسهمت أيضًا في تعزيز توجه الدول الأفريقية نحو تقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري المستورد والانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة، فالقارة الأفريقية تمتلك موارد هائلة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الحرارية الأرضية إلا أن جانبًا كبيرًا من هذه الإمكانات ظل غير مستغل حتى أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، فقد اعتمدت معظم الدول الأفريقية لعقود على الوقود الأحفوري والطاقة الكهرومائية في توليد الكهرباء نظرًا لرسوخ هاتين التقنيتين في حين كانت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تقنيات حديثة وعالية الكلفة.

وبدأ هذا الواقع يتغير منذ عام 2022 عندما كشفت الحرب الروسية على أوكرانيا هشاشة الاعتماد على الوقود الأحفوري، ففي أفريقيا جنوب الصحراء ارتفعت تكلفة استيراد الديزل وغيره من أنواع الوقود بصورة حادة إذ زادت فاتورة الواردات بأكثر من 35% في العديد من الدول خلال عام واحد ما فرض ضغوطًا على المالية العامة ورفع تكاليف الكهرباء على الأسر والشركات، وجاءت التطورات الأخيرة في “الشرق الأوسط” لتعزز هذا الشعور بالهشاشة. ونتيجة لذلك بدأت الدول الأفريقية تميل إلى نموذج “الدولة الكهربائية” الذي تتبناه الصين ويقوم على توفير كهرباء وفيرة ومنخفضة التكلفة من مصادر الطاقة المتجددة بوصفها أساسًا للتصنيع والنمو الاقتصادي، وفي هذا السياق تعمل الصين على دعم كهربة أفريقيا عبر استثمارات واسعة النطاق في مشاريع توليد الطاقة المتجددة وإنشاء شبكات نقل وتوزيع الكهرباء وتعزيز انتشار وسائل النقل الكهربائي من خلال تمويل خطوط تجميع المركبات الكهربائية، وشبكات تبديل البطاريات والبنية التحتية اللازمة لمحطات الشحن.

وباتت أفريقيا اليوم في صميم التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة بعد أن كانت على هامشه، ومن خلال ترسيخ حضورها في البنية التحتية للطاقة في القارة تضع الصين نفسها في موقع الشريك الاستراتيجي طويل الأمد لعملية التصنيع في أصغر قارات العالم سنًا وأسرعها نموًا، في المقابل تبدو الولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب غير مدركة لجاذبية الطاقة المتجددة في أفريقيا، فعلى سبيل المثال وافقت واشنطن على قرض بقيمة 4.7 مليار دولار من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي لإحياء مشروع للغاز الطبيعي المسال في موزمبيق والحقيقة أن البنية التحتية تخلق ما يُعرف بـالاعتماد على المسار إذ تميل الدول إلى بناء أنظمتها المستقبلية استنادًا إلى التقنيات وآليات التمويل وسلاسل التوريد التي تمتلكها بالفعل.

وإذا تخلت الولايات المتحدة عن دورها في التحول الأفريقي نحو الطاقة النظيفة لصالح الصين فإنها تخاطر بخسارة ما هو أكثر من الفرص التجارية، فمن شأن ذلك أن يعزز النفوذ الدبلوماسي لبكين في أفريقيا وعلى الصعيد العالمي ويمنحها دورًا أكبر في صياغة المعايير وسلاسل التوريد التي تقوم عليها عملية التحول العالمي في مجال الطاقة فضلًا عن توسيع قدرتها على الوصول إلى المعادن الحيوية اللازمة لتقنيات الطاقة منخفضة الكربون، وفي الوقت نفسه من المرجح أن تنظر الحكومات الأفريقية التي باتت تعطي أولوية متزايدة للطاقة المتجددة بعين متزايدة من الشك إلى الشركاء الخارجيين الذين يواصلون التركيز على الاستثمار في الوقود الأحفوري، ومن ثم يتعين على الولايات المتحدة بدلًا من الدفع نحو مشاريع الهيدروكربونات أن تبني شراكات مع الدول الأفريقية في مجال الطاقة النظيفة بما ينسجم مع أولوياتها التنموية، ومن شأن هذا النهج ألا يوسع فقط إمكانية حصول أفريقيا على طاقة موثوقة وميسورة التكلفة بل أن يعزز أيضًا المصالح الاقتصادية والجيوسياسية للولايات المتحدة.

 

 

إشراقة الشمس

لا يزال نحو 600 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يفتقرون إلى الكهرباء في منازلهم وهو ما يمثل نحو 80% من إجمالي سكان العالم المحرومين من خدمات الكهرباء، وخلال معظم القرن العشرين اعتمدت جهود كهربة القارة على محطات مركزية ضخمة تعمل بالوقود الأحفوري والطاقة الكهرومائية صُممت أساسًا لتلبية احتياجات المدن والمناجم والقطاع الصناعي، أما التجمعات السكانية الريفية المتناثرة فقد ظلت خارج نطاق شبكات النقل المكلفة الأمر الذي أبقى أفريقيا رغم عقود من الاستثمار في البنية التحتية صاحبة أكبر فجوة في العالم في مجال الحصول على الكهرباء. غير أن التحول في قطاع الطاقة بالقارة بدأ يتسارع خلال السنوات الخمس عشرة الماضية مدفوعًا بالانخفاض الكبير في تكاليف مصادر الطاقة المتجددة، فقد قدرت الوكالة الدولية للطاقة (IEA) أن تستقطب أفريقيا خلال عام 2024 وحده استثمارات إجمالية في قطاع الطاقة تبلغ نحو 110 مليارات دولار يخصص منها ما يقارب 40 مليار دولار لمشروعات الطاقة النظيفة، أي ما يعادل قرابة ضعف الحصة التي استحوذت عليها الطاقة المتجددة من إجمالي الاستثمارات في عام 2020.

ويعود هذا التحول في المقام الأول إلى اعتبارات اقتصادية، فعلى الصعيد العالمي انخفضت تكلفة الطاقة الشمسية بنحو 90% منذ عام 2010 في حين تراجعت أسعار البطاريات بنسبة 93% خلال الفترة نفسها، وفي أفريقيا أثبتت أنظمة الطاقة المتجددة اللامركزية أنها أسرع تنفيذًا وأقل تكلفة من البنية التحتية القائمة على الوقود الأحفوري، فأنظمة الطاقة الشمسية فوق الأسطح وتقنيات تخزين الطاقة بالبطاريات وغيرها من الحلول المماثلة قادرة على إيصال الكهرباء إلى المجتمعات الريفية خلال أشهر بدلًا من السنوات التي يتطلبها توسيع شبكات النقل والتوزيع عالية الجهد اللازمة لنقل الكهرباء من محطات التوليد المركزية إلى مختلف المناطق. وتتمتع أفريقيا أيضًا بموارد وفيرة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الحرارية الأرضية، ووفقًا للوكالة الدولية للطاقة تمتلك القارة نحو 60% من أفضل الموارد الشمسية في العالم كما أن إمكاناتها غير المستغلة في مجال طاقة الرياح البرية يمكن من الناحية النظرية أن تلبي كامل الطلب السنوي للقارة على الكهرباء، ويختزن نظام الأخدود الأفريقي الشرقي الممتد من موزمبيق جنوبًا إلى جيبوتي شمالًا ما لا يقل عن 15 جيجاواط من إمكانات الطاقة الحرارية الأرضية غير المستغلة في حين لم يُستثمر حتى الآن سوى جيجاواط واحد فقط. ومع ذلك شهدت قدرات توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة نموًا مطردًا خلال السنوات الأخيرة، إذ تشير البيانات إلى أن أفريقيا أضافت نحو 26 جيجاواط من قدرات الطاقة المتجددة بين عامي 2013 و2023، وكانت الطاقة الشمسية الأسرع نموًا بين هذه المصادر. وفي دول مثل كينيا، ونيجيريا، ورواندا، وجنوب أفريقيا، تتجه الحكومات وقطاع الأعمال على حد سواء إلى الاعتماد بصورة متزايدة على الطاقة الشمسية، ليس فقط للحد من آثار تغير المناخ، بل أيضًا لأنها توفر إمدادات كهربائية أكثر موثوقية من الشبكات الوطنية المثقلة بالأعباء أو المولدات التقليدية. ففي نيروبي، على سبيل المثال، حيث يمتلك نحو ثلثي الشركات مولدات احتياطية تعمل بالديزل لمواجهة الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، شرعت أعداد متزايدة من الشركات في تركيب أنظمة الطاقة الشمسية فوق أسطح مبانيها إلى جانب أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات.

 

 

تجديد قارة

تؤدي الشركات الصينية دورًا محوريًا في دعم التحول الأفريقي نحو الطاقة المتجددة، ويتجلى اعتماد أفريقيا المتزايد على الصين في مساعيها للتخلي عن الوقود الأحفوري بوضوح في بيانات الجمارك الصينية، فقد أظهر مركز إمبر (Ember) وهو مؤسسة بحثية متخصصة في شؤون الطاقة أن واردات القارة من الألواح الشمسية ارتفعت بنسبة 60% بين منتصف عامي 2024 و2025 كما امتد انتشار هذه الواردات إلى ما هو أبعد من الدول التي كانت سباقة في تبني الطاقة الشمسية مثل جنوب أفريقيا، وخلال الفترة نفسها قفزت واردات الجزائر بأكثر من 3000% وارتفعت واردات بوتسوانا بنحو 700% في حين زادت واردات كل من أنغولا وبنين وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وليبيريا إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، ويعكس حجم هذا النمو وسرعته اقتراب القارة من نقطة تحول إذ لم تعد الطاقة الشمسية تقنية هامشية تعتمد بدرجة كبيرة على دعم المانحين بل باتت تمثل ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي وتعزيز أمن الطاقة. وقد أدركت الصين في وقت مبكر أن الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد يمثل نقطة ضعف استراتيجية لذلك شهد انتشار مصادر الطاقة المتجددة داخلها توسعًا غير مسبوق، فقد تجاوزت القدرة التراكمية للطاقة الشمسية في البلاد 1.2 تيراواط في حين تقترب القدرات المركبة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح مجتمعة من تيراواطين وهو ما يعادل نحو نصف إجمالي القدرة العالمية المركبة للطاقة المتجددة، ويُفسر هذا التحول في الاستراتيجية الداخلية صعود الصين بوصفها القوة المهيمنة عالميًا في تصنيع تقنيات الطاقة النظيفة، فهي تسيطر على أجزاء رئيسة من سلاسل توريد الألواح الشمسية والمركبات الكهربائية وتوربينات الرياح، والبطاريات فضلًا عن هيمنتها على عمليات معالجة المعادن الحيوية بما في ذلك الليثيوم والكوبالت والنيكل والعناصر الأرضية النادرة التي تشكل الأساس لعملية التحول نحو الطاقة النظيفة.

والأهم من ذلك أن الصين لا تصدر المنتجات فحسب بل تصدر أيضًا منظومات متكاملة للطاقة، فقد أظهر تحليل أصدره صندوق النقد الدولي عام 2024 أنه في إطار مبادرة الحزام والطريق أصبحت الصين واحدة من أكبر ممولي مشروعات البنية التحتية في أفريقيا، فبين عامي 2000 و2023 قدمت المؤسسات التمويلية الصينية قروضًا بلغت قيمتها نحو 182 مليار دولار للحكومات الأفريقية والشركات المملوكة للدولة وُجه جزء كبير منها إلى مشروعات البنية التحتية في قطاعات الطاقة والنقل والتعدين والاتصالات، وقد احتل قطاع الطاقة موقعًا محوريًا في هذا التعاون إذ دعمت البنوك والشركات الصينية عددًا من المشروعات الكبرى من بينها محطة كاروما الكهرومائية في أوغندا ومشروع كافوي جورج السفلي للطاقة الكهرومائية في زامبيا.

وفي الوقت نفسه تنفذ الشركات الصينية مشروعات لإنشاء محطات للطاقة الشمسية في مصر وخطوط لنقل الكهرباء في شرق أفريقيا ومنشآت للطاقة الكهرومائية في أنغولا وأنظمة للسكك الحديدية الكهربائية في نيجيريا، وتمثل هذه المشروعات ركيزة مهمة في مسار التحول الطاقوي في القارة في ظل تقديرات الوكالة الدولية للطاقة، التي تشير إلى أن تحقيق هدف توفير الكهرباء لجميع سكان أفريقيا يتطلب الجمع بين توسيع شبكات الكهرباء الوطنية والاعتماد على حلول لامركزية لتوليد الطاقة.

 

خط أنابيب نقل الهيدروجين “الممر الجنوبي”

 

 

الاعتماد الأخضر على المسار

تعيد هذه المشروعات رسم خيارات التنمية في مختلف أنحاء القارة الأفريقية، وبطبيعة الحال ستواصل الدول التي تمتلك احتياطيات من النفط والغاز استغلال هذه الموارد في المدى المنظور رغم ما تشير إليه الدراسات من أن الاعتماد عليها كثيرًا ما يفضي إلى نتائج اقتصادية لا تنعكس إيجابًا على رفاه شعوبها، ومع ذلك تتبنى أعداد متزايدة من الحكومات سياسات تضعها على مسار (الدولة الكهربائية) حيث تصبح الكهرباء لا الوقود المستورد المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي، ففي إثيوبيا على سبيل المثال حُظر استيراد المركبات المزودة بمحركات الاحتراق الداخلي في إطار خطة أشمل لكهربة قطاع النقل. وفي أيار أعلن الرئيس الكيني ويليام روتو إعفاء أول 100 ألف سيارة كهربائية تُستورد إلى البلاد من الرسوم الجمركية، كما أقرت كل من كوت ديفوار ومدغشقر وأوغندا وزيمبابوي حوافز ضريبية لدعم الطاقة المتجددة شملت إعفاءات من ضريبة القيمة المضافة وإعفاءات جمركية وتسهيلات ضريبية لمطوري مشروعات الطاقة النظيفة، ورغم أن انتشار المركبات الكهربائية في أفريقيا لا يزال محدودًا نسبيًا فإن مبيعاتها تضاعفت أكثر من مرتين خلال عام 2024 لتبلغ نحو 11 ألف مركبة في حين يبدو هذا التحول أكثر وضوحًا في قطاعي الحافلات والأساطيل التجارية.

ويشهد مفهوم أمن الطاقة في أفريقيا تحولًا جوهريًا فالمغرب على سبيل المثال يعمل على ترسيخ مكانته بوصفه مركزًا رئيسًا لتصدير الطاقة المتجددة من خلال مشروعات واسعة النطاق أبرزها مجمع نور ورزازات للطاقة الشمسية الذي تبلغ قدرته الإنتاجية 580 ميجاواط ويستهدف تزويد أكثر من مليون شخص بالكهرباء فضلًا عن دعم هدف المملكة المتمثل في توليد 52% من احتياجاتها الكهربائية من مصادر متجددة بحلول عام 2030، كما توسع الرباط شراكاتها مع الدول الأوروبية في مجالي الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وفي المقابل شرعت مصر في تطوير مشروعات ضخمة للطاقة الشمسية يتصدرها مجمع بنبان للطاقة الشمسية الذي شيدته شركات صينية كما أطلقت استراتيجية وطنية للهيدروجين الأخضر تستهدف استقطاب استثمارات تصل إلى 40 مليار دولار وإنتاج ملايين الأطنان من الهيدروجين الأخضر سنويًا على المدى الطويل. وفي جنوب أفريقيا أسهمت الإصلاحات التي سمحت للقطاع الخاص بتوليد الكهرباء بما في ذلك إلغاء شرط الترخيص لمشروعات التوليد الموزع بقدرة تصل إلى 100 ميجاواط، في تسريع انتشار أنظمة الطاقة الشمسية فوق الأسطح وزيادة الاستثمارات الخاصة في الطاقة المتجددة، أما نيجيريا فقد أقرت لوائح تنظيمية تتيح للأسر والشركات ضخ فائض الكهرباء المولد من الطاقة الشمسية إلى الشبكة الوطنية، مقابل احتساب قيمته رصيدًا يُخصم من فواتير استهلاك الكهرباء. ولا يمكن لأفريقيا أن تعتمد اعتمادًا كاملًا على مصادر الطاقة المتجددة بين عشية وضحاها لكنها تمضي بخطى متسارعة نحو تحول هجين تتزايد فيه في مدن مثل لاغوس أنظمة الطاقة الشمسية فوق الأسطح والشركات التي تعتمد على البطاريات ومصادر الطاقة الصناعية الأكثر نظافة بالتوازي مع استمرار الاستثمار في شبكات الكهرباء الوطنية، كما باتت المناطق الصناعية تعتمد بصورة متزايدة على الكهرباء المولدة من مصادر متجددة لدعم قطاعات التصنيع والخدمات اللوجستية والصناعات الخضراء، ولا تكمن العقبة الرئيسة في محدودية إمكانات الطاقة المتجددة التي تزخر بها القارة بل في توفير التمويل وتطوير البنية التحتية لشبكات نقل الكهرباء وتعزيز القدرات المؤسسية اللازمة لدمج مصادر الطاقة الجديدة في المنظومة الكهربائية.

 

 

إغفال الصورة الكبرى

لم تستوعب واشنطن بعد واقع التحول الجديد في قطاع الطاقة بأفريقيا، فسياسة “الهيمنة في مجال الطاقة” التي يتبناها الرئيس دونالد ترامب لا تنظر إلى النفط والغاز بوصفهما مجرد سلعتين اقتصاديتين بل باعتبارهما مشروعًا أيديولوجيًا، وخلال ولايته الثانية كثفت إدارته جهودها لتوسيع عمليات التنقيب والإنتاج وسعت إلى تقويض الدعم الموجه لتطوير الطاقة النظيفة داخل الولايات المتحدة وخارجها، كما صاغت مقاربتها لسياسات الطاقة في أفريقيا من منظور المنافسة الجيوسياسية داعية إلى توسيع استغلال موارد القارة من النفط والغاز باعتباره وسيلة لتعزيز الاستثمارات الأمريكية والحد من النفوذ الصيني. غير أن نموذج (الدولة النفطية) بات يُنظر إليه في أفريقيا بصورة متزايدة على أنه مسار محفوف بالمخاطر ولا سيما بالنسبة إلى الدول التي تراهن على توسيع صادراتها من النفط والغاز، فدول مثل موزمبيق وناميبيا والسنغال وتنزانيا وأوغندا تستثمر بكثافة في مشروعات جديدة للوقود الأحفوري أو في البنية التحتية المخصصة للتصدير أملًا في تحقيق عائدات مستقبلية، إلا أن هذه الاستثمارات تواجه تحديات متزايدة تتمثل في تراجع الطلب طويل الأجل وتقلبات الأسعار واحتمال تحولها إلى أصول عالقة قبل أن تحقق عائدًا اقتصاديًا مجزيًا. وفي المقابل لا تزال دول أفريقية عديدة شديدة التأثر بتقلبات أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية، فبعد الغزو الروسي لأوكرانيا تعرضت الاقتصادات الأفريقية المستوردة للطاقة لضغوط حادة على موازين مدفوعاتها نتيجة الارتفاع المتزامن في أسعار الوقود والغذاء والأسمدة، وخلال عامي 2022 و2023 تجاوزت معدلات التضخم في دول مثل إثيوبيا ومالاوي وسيراليون 20%، بينما بلغت في غانا مستوى غير مسبوق وصل إلى 54%.

ويمنح نموذج (الدولة الكهربائية) البلدان الأفريقية مزايا عديدة من أبرزها سرعة تنفيذ مشروعات الطاقة وانخفاض تكاليفها على المدى الطويل والحد من التعرض لصدمات أسعار النفط، ومع ذلك فإن الاعتماد المفرط على التمويل والتكنولوجيا وسلاسل التوريد الصينية قد يفضي إلى أنماط جديدة من التبعية بما قد يحد من تطور الصناعات المحلية ويجعل الدول أكثر عرضة للتغيرات في أولويات بكين أو لتقلبات أسواق السلع العالمية، ومن ثم فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومات الأفريقية لا يكمن في استبدال شكل من أشكال الاعتماد بآخر بل في توظيف الاستثمارات الأجنبية لتعزيز القدرات الوطنية وتطوير الصناعات المحلية وتقوية شبكات الكهرباء الإقليمية، وتعد أفريقيا جنوب الصحراء بالفعل أكبر سوق عالمي لأنظمة الطاقة الشمسية القائمة على (الدفع بحسب الاستخدام)، وإذا أُدير هذا التحول بكفاءة فقد تصبح القارة في طليعة التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة في مجالات أوسع بكثير من هذا القطاع وحده.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى