الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف
أمن الممرات البحرية في “الشرق الأوسط” كأداة للقوة الجيوسياسية

هرمز وباب المندب في ظل التنافس الدولي
بقلم: نور نبيه جميل
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
لم تعد الممرات البحرية الاستراتيجية في “الشرق الأوسط” مجرد بنى جغرافية تؤدي وظيفة العبور التجاري ونقل الطاقة بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، بل أخذت تتحول بصورة متزايدة إلى مجالات مباشرة لممارسة القوة وإعادة توزيع المخاطر بين الدول. وقد كشفت التطورات التي شهدتها بداية شهر أيلول 2026 عن انتقال هذه الممرات من موقع المتغير التابع للصراعات الإقليمية إلى موقع المتغير المؤثر في مساراتها. فبينما تراجع المرور التجاري في مضيق هرمز إلى مستويات منخفضة بصورة حادة نتيجة الحرب الأمريكية ـ الإيرانية، تعرض المسار البديل عبر البحر الأحمر وباب المندب لضغوط متزامنة بعد توسع سيطرة جماعة أنصار الله على أجزاء استراتيجية من الساحل الغربي اليمني واقترابها من أحد أهم الاختناقات البحرية في العالم. وفي 18 أيلول أشارت بيانات حركة السفن إلى عبور أربع سفن للسلع الأساسية مضيق هرمز في اليوم السابق مقارنة بمتوسط يقارب ست عشرة سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، في حين عبرت باب المندب ثلاث وعشرون سفينة مقارنة بمتوسط يقارب ست وعشرين سفينة خلال الفترة نفسها.
تكمن أهمية هذه التطورات في أن التزامن بين الضغط على هرمز وباب المندب يغير طبيعة المشكلة الأمنية ذاتها. فالمعضلة لم تعد مرتبطة بسؤال كيفية حماية ممر واحد من التهديد بل أصبحت مرتبطة بمدى قدرة النظام الإقليمي والدولي على المحافظة على تدفق الطاقة والتجارة عندما تتعرض نقاط الاختناق المتعاقبة في الشبكة البحرية للضغط في الوقت نفسه. وقد أشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن باب المندب تحول خلال الأزمة إلى مسار بديل للصادرات السعودية بعد تقييد حركة الملاحة في هرمز قبل أن تؤدي التطورات العسكرية في اليمن إلى تهديد هذا البديل أيضاً. وفي هذا السياق تبدو المسألة أوسع من أمن الملاحة بمعناه التقني لتتصل بتوزيع القوة والقدرة على فرض تكاليف استراتيجية على الخصوم وعلى الدول التي تعتمد على استقرار هذه الممرات.
وعليه تنطلق هذه الورقة من فرضية تحليلية مفادها أن التطورات الراهنة لا تكشف فقط هشاشة الممرات البحرية أمام النزاعات المسلحة وإنما تكشف تحولها إلى أصول جيوسياسية قابلة للتوظيف في إدارة الصراع والتفاوض وإعادة توزيع القوة. فالدولة أو الفاعل المسلح الذي يمتلك القدرة على تهديد نقطة اختناق بحرية لا يحتاج بالضرورة إلى السيطرة الكاملة على حركة التجارة حتى يحقق أثراً استراتيجياً. يكفي أحياناً أن يرفع تكلفة المرور أو التأمين أو التحويل إلى مسارات بديلة حتى تنتقل آثار القوة من المجال العسكري إلى الأسواق وسلاسل الإمداد والحسابات الدبلوماسية للدول الكبرى.
أولاً: من مضيق منفرد إلى شبكة اختناقات بحرية مترابطة
تكشف المقارنة بين هرمز وباب المندب عن تغير جوهري في مفهوم أمن الممرات البحرية في “الشرق الأوسط”. فمضيق هرمز يمثل البوابة البحرية الرئيسية التي تصل الخليج ببحر العرب والمحيط الهندي ويظل أحد أهم الممرات العالمية لنقل الطاقة. أما باب المندب فيربط البحر الأحمر بخليج عدن ويؤدي دوراً حاسماً في اتصال المحيط الهندي بقناة السويس والبحر المتوسط. وبالتالي فإن القيمة الاستراتيجية لأي منهما لا تتحدد بالمضيق ذاته فقط وإنما بالموقع الذي يحتله داخل شبكة أوسع من طرق الطاقة والتجارة العالمية.
وهنا تظهر إحدى أهم الزوايا التي تستحق االمعالجة هذا التقدير إن إغلاق أو تعطيل أحد المضائق لا يعني بالضرورة توقف التدفق وإنما يؤدي إلى إعادة توزيع التدفق على الشبكة. ولذلك فإن القوة الجيوسياسية للممرات البحرية لا تتحدد فقط بحجم التجارة التي تمر عبرها وإنما بمدى صعوبة إيجاد بدائل لها وبالكلفة التي تفرضها عملية الانتقال إلى البديل. وقد بينت التطورات الأخيرة أن السعودية بدأت استخدام ترتيبات لنقل النفط خارج المسار التقليدي عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قرب ميناء صحار العُماني، مع تقديرات بأن تصل صادراتها من موانئ الخليج إلى نحو ستين مليون برميل خلال أيلول وتشرين الأول.
ويكشف ذلك عن تحول مهم في مفهوم المرونة الجيوسياسية لسلاسل الإمداد فالممر البديل لا يشترط أن يكون مماثلاً للممر الأصلي من حيث الكفاءة أو الطاقة الاستيعابية يكفي أن يوفر قدرة جزئية على تخفيف الاختناق لكن المشكلة أن البدائل نفسها قد تصبح أهدافاً استراتيجية إذا طال أمد الصراع وهذا ما يجعل العلاقة بين هرمز وباب المندب أكثر أهمية من دراسة كل مضيق بصورة منفصلة فقد كان باب المندب يمثل في الأزمة الحالية نوعًا من صمام الأمان أمام تقييد حركة هرمز لكن التطورات العسكرية في اليمن جعلت هذا الصمام معرضًا للضغط هو الآخر.
وقد لفتت تشاتام هاوس في تحليل نشرته في 14 أيلول إلى أن سيطرة الحوثـ ـيين على ميناء المخا وتقدمهم على الساحل الغربي لليمن أعطياهم قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة عبر باب المندب، معتبرة أن التطورات الجديدة تتيح للجمهورية الإسلامية في إيران وحلفائها ممارسة ضغط على اثنين من أهم الاختناقات البحرية الاستراتيجية في آن واحد وتذهب هذه القراءة إلى جوهر التحول الجاري: أهمية باب المندب لا تنبع فقط من موقعه وإنما من ارتباطه بمضيق هرمز ضمن منظومة واحدة لأمن الطاقة والتجارة ولا تقتصر الدلالة الاستراتيجية للضغط على مضيق هرمز في استهداف الممر البحري ذاته، وإنما تمتد إلى قدرة الأطراف المتصارعة على التأثير في البدائل التي يفترض أن تحد من حساسية منظومة الطاقة تجاه الاختناق البحري. فقد أدى استهداف خط الأنابيب السعودي شرق ـ غرب إلى إضعاف إحدى القنوات الرئيسية التي يمكن من خلالها تجاوز مضيق هرمز والوصول إلى البحر الأحمر، بما جعل عملية تنويع مسارات تصدير الطاقة أكثر تعقيداً. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن خط الأنابيب كان يمثل جزءاً من البنية الاستراتيجية التي تسمح للسعودية بتقليل اعتمادها على المرور عبر الخليج، الأمر الذي يعني أن الصراع لم يعد يستهدف نقاط العبور فقط وإنما بدأ يمتد إلى شبكة البدائل التي تقوم عليها مرونة النظام الطاقوي. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى استهداف البنية التحتية المرتبطة بالممرات البحرية باعتباره انتقالاً من تعطيل عقدة جغرافية منفردة إلى التأثير في قدرة الشبكة بأكملها على إعادة توزيع التدفقات عند وقوع الاختناق. وهو تحول يرفع القيمة الجيوسياسية للأنابيب والموانئ ومنشآت التخزين ومسارات النقل البديلة إلى مستوى يقترب من القيمة الاستراتيجية للمضائق ذاتها.
ومن منظور العلاقات الدولية يمكن قراءة هذا التطور ضمن مفهوم القوة البنيوية فالقوة لا تُمارس فقط من خلال امتلاك القدرات العسكرية التقليدية وإنما أيضاً من خلال القدرة على التأثير في البنية التي تتحرك داخلها الدول والأسواق وعندما تصبح الدولة أو الفاعل قادرًا على إجبار الآخرين على تغيير طرق التجارة أو تحمل تكاليف إضافية أو إعادة توزيع الموارد العسكرية لحماية خطوط الملاحة فإن الموقع الجغرافي يتحول من مجرد ميزة طبيعية إلى مورد للقوة السياسية والاستراتيجية.

ثانياً: هرمز وباب المندب كأداتين لإعادة توزيع القوة في الإقليم
تظهر القيمة الاستراتيجية للتطورات الحالية بصورة أوضح عند الانتقال من مستوى حركة السفن إلى مستوى سلوك الدول فقد دفعت الضغوط على هرمز وباب المندب الدول المتضررة إلى البحث عن ترتيبات بديلة بدل الاكتفاء بالاستجابة العسكرية وهذا يعني أن أمن الممرات أصبح جزءاً من عملية صنع القرار الاقتصادي والدبلوماسي والأمني في الوقت نفسه.
بالنسبة إلى السعودية مثلاً لم تعد المسألة تتعلق بحماية صادرات النفط من تهديد عسكري محدد بل بضمان وجود مرونة استراتيجية في الوصول إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية وقد ظهر ذلك في تعدد مسارات التصدير ومحاولة استخدام موانئ ومسارات خارج الاختناق البحري. إلا أن استهداف خط الأنابيب الشرقي-الغربي أدى إلى إضعاف أحد أهم البدائل التي كانت الرياض تعتمد عليها للوصول إلى البحر الأحمر. ووفق ما نقلته رويترز في 15 أيلول فقد اضطرت السعودية إلى خفض بعض شحناتها المتجهة إلى أوروبا بعد الهجوم على خط الأنابيب وتعليق التحميل في ميناء ينبع، بينما اضطرت بعض الشركات الأوروبية إلى البحث عن مصادر بديلة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية لأن البديل الجغرافي نفسه أصبح موضع صراع فإذا بقي الخطر محصوراً في هرمز لأمكن للدول الخليجية استخدام الأنابيب والموانئ الواقعة خارج المضيق أو زيادة الاعتماد على مسارات برية وبحرية أخرى. لكن انتقال الضغط إلى باب المندب يعني أن قدرة دول الخليج على تجاوز الاختناق الأول أصبحت مرتبطة بأمن الاختناق الثاني. وهنا تتشكل حلقة استراتيجية يصعب فصل أطرافها: تعطيل هرمز يدفع نحو البحر الأحمر، وتهديد باب المندب يحد من قيمة البحر الأحمر كبديل، ثم يصبح تأمين المسارات البديلة أكثر تكلفة وأهمية.
وفي هذه البيئة لا يعود الفاعل المسلح بحاجة إلى السيطرة على التجارة العالمية بصورة مباشرة مجرد امتلاك القدرة على تعطيل جزء من الشبكة يكفي لإنتاج قوة تفاوضية. وهذا يفسر الاهتمام المتزايد بالدور الحوثي في الحسابات الإقليمية والدولية. فقد رأى محللون في المعهد الملكي للشؤون الدولية أن السيطرة الجديدة على الساحل اليمني تعني قدرة أكبر على التأثير في باب المندب، بينما أشار المعهد الملكي للخدمات المتحدة إلى أن التقدم الحوثـ ـي يمنح الجمهورية الإسلامية في إيران وحلفاءها قدرة إضافية على الضغط في مسارين بحريين استراتيجيين.
غير أن اختزال التطورات في مفهوم «الوكالة الإيرانية» سيكون تبسيطاً مفرطاً للمشهد. فالحوثيون يمتلكون حساباتهم المحلية الخاصة المرتبطة بموازين القوى داخل اليمن وبطبيعة علاقتهم بالسعودية وبالحكومة اليمنية وبالفاعلين الإقليميين. ولذلك ينبغي التمييز بين الاستفادة الإيرانية من الجغرافيا الحوثـ ـية وبين افتراض وجود سيطرة عملياتية كاملة على كل قرار حوثـ ـي. وهذه نقطة مهمة لأن تقدير القوة الجيوسياسية لا ينبغي أن يتحول إلى افتراضات غير قابلة للإثبات حول سلسلة القيادة.
وفي المقابل تتعامل الصين مع التطورات من زاوية مختلفة. فبكين لا تحتاج إلى السيطرة العسكرية على المضيق حتى تكون معنية بأمنه. تعتمد مصالحها الاقتصادية بدرجة كبيرة على استقرار تدفقات الطاقة والتجارة من “الشرق الأوسط”، ولذلك يصبح اضطراب هرمز أو باب المندب مشكلة مباشرة بالنسبة إلى أمنها الاقتصادي. وفي 16 أيلول دعت الصين الجمهورية الإسلامية في إيران والولايات المتحدة إلى ضبط النفس واستئناف المفاوضات، كما دعت إلى إعادة فتح مضيق هرمز سريعًا وحذرت من امتداد التوتر إلى اليمن والبحر الأحمر. وفي اليوم التالي كشفت رويترز أن السعودية طلبت من بكين المساعدة في احتواء الهجمات الحوثية، وأن الصين نقلت إلى طهران طلباً للمساعدة في كبح الحوثـ ـيين.
وهنا تظهر ظاهرة تستحق اهتماماً أكبر من مجرد وصفها بالوساطة الصينية. فالصين بدأت تتعامل مع أمن الممرات البحرية بوصفه جزءاً من إدارة مصالحها الاقتصادية العالمية وليس باعتباره مسألة أمنية تخص الولايات المتحدة وحدها. وهذا لا يعني تحول الصين إلى ضامن أمني للخليج أو إحلالها محل الولايات المتحدة. ولكنه يشير إلى توسع المجال الذي تمارس فيه بكين الدبلوماسية المرتبطة بحماية مصالحها الاقتصادية. وبذلك ينتقل التنافس الدولي من المنافسة على الموانئ والقواعد إلى المنافسة على القدرة على إدارة الأزمات التي تهدد شبكات التجارة والطاقة.
ويكتسب ذلك بعداً آخر في ضوء وجود القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي. فقد أظهر تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية نشر في 17 أيلول أن الصين أجرت تحديثات في منشأتها العسكرية هناك بما يعزز الاتصالات الداخلية وقدرات جمع المعلومات الاستخبارية، مشيراً إلى الموقع الاستراتيجي لجيبوتي قرب خليج عدن وباب المندب. ولا تكفي هذه المعطيات وحدها لإثبات تحول عسكري صيني في البحر الأحمر، لكنها تضع التطورات الحالية ضمن سياق أوسع يتعلق بقدرة الصين على العمل في مسرح بحري يقع خارج محيطها الجغرافي المباشر.

ثالثاً: الرؤية المستقبلية ــ هل يتجه “الشرق الأوسط” نحو منظومة أمنية جديدة للممرات البحرية؟
إذا استمرت الضغوط على هرمز وباب المندب في وقت واحد فإن المسألة لن تبقى محصورة في إدارة أزمة ملاحة مؤقتة، بل يمكن أن تؤدي إلى تغير تدريجي في طريقة بناء الأمن البحري في “الشرق الأوسط”. ويظهر ذلك في ثلاثة اتجاهات مترابطة: إعادة توزيع مسارات الطاقة، وتوسيع الحضور البحري الدولي، وتحول الممرات إلى عنصر دائم في الحسابات الاستراتيجية للدول. غير أن الأثر الاستراتيجي للأزمة لا يتوقف عند إعادة توزيع طرق التجارة والطاقة، وإنما يمتد إلى البيئة الاقتصادية التي تتحرك داخلها القوى الدولية. فقد أصبح ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن اضطراب الممرات البحرية أحد القنوات التي تنتقل عبرها الصدمة الجيوسياسية إلى التضخم والسياسة النقدية وتكلفة التمويل. وفي أيلول 2026 رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة إلى نطاق 3.75–4 في المئة في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الطاقة، بالتزامن مع تجاوز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات حاجز 5 في المئة. وتكشف هذه التطورات عن آلية انتقال تتجاوز المجال الإقليمي للحرب، إذ يمكن لاضطراب ممر بحري في “الشرق الأوسط” أن يؤثر في شروط إدارة الاقتصاد الكلي داخل الولايات المتحدة، بما يربط بصورة مباشرة بين أمن الممرات البحرية واستقرار الأسواق المالية الدولية. ومن ثم فإن القيمة الجيوسياسية للممرات لا تُقاس فقط بحجم التجارة التي تمر عبرها، وإنما بقدرتها على إنتاج سلسلة من الآثار الاقتصادية التي تصل في نهايتها إلى أدوات إدارة القوة الاقتصادية العالمية.
الاتجاه الأول يتمثل في تسارع البحث عن هندسة بديلة لتدفقات الطاقة. فالسعودية بدأت بالفعل استخدام عمليات نقل بحري خارج هرمز، بينما أظهرت بيانات الملاحة أن عدد السفن العابرة للمضيق ظل منخفضاً بصورة كبيرة خلال الفترة محل الدراسة. وقد يدفع استمرار هذه الحالة دول الخليج إلى الاستثمار بصورة أكبر في خطوط الأنابيب والموانئ خارج مناطق الاختناق وإلى توسيع قدرات التخزين والمناولة وإعادة الشحن. كما يمكن أن يعيد ذلك تنشيط مشاريع الممرات البرية والسككية التي كانت تُناقش أساساً لأغراض اقتصادية قبل أن تتحول المخاطر الجيوسياسية إلى عامل رئيسي في تصميمها.
لكن هذا الاتجاه لا يعني اختفاء أهمية هرمز أو باب المندب. فالبدائل لا تلغي الجغرافيا وإنما تخفف أثرها. وتؤكد تجربة الأزمة أن تكلفة تجاوز الاختناقات يمكن أن تكون مرتفعة جداً. وقد أشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن إعادة توجيه النفط السعودي عبر قناة السويس أو مسارات أطول إلى آسيا ترفع زمن الرحلة بصورة كبيرة وتزيد تكاليف النقل، في حين تظل قدرة البدائل محدودة مقارنة بالحجم المعتاد للتدفقات. ومن ثم فإن النتيجة المرجحة ليست نهاية عصر المضائق بل انتقال النظام إلى مزيج من الاعتماد على المضائق والاستثمار في بدائلها.
أما الاتجاه الثاني فيتعلق بتنامي الدور العسكري الدولي في حماية الممرات. فقد دعت إيطاليا في 18 أيلول إلى تعزيز الوجود البحري في البحر الأحمر لحماية السفن التجارية في ظل المخاوف المتعلقة بباب المندب. ويعني ذلك أن الأمن البحري قد يتحول من مسؤولية إقليمية محدودة إلى مجال للتنافس والتنسيق بين قوى دولية متعددة. وفي هذا السياق يصبح وجود القوات البحرية الدولية جزءاً من معادلة الردع بقدر ما يصبح وسيلة لحماية التجارة.
غير أن زيادة الانتشار العسكري تحمل مفارقة استراتيجية. فكلما ازدادت الدول اعتماداً على القوة البحرية لحماية التجارة ازدادت احتمالات أن ينظر الخصوم إلى هذا الوجود باعتباره جزءاً من الصراع نفسه. وهنا تظهر المعضلة الأمنية البحرية بصورة واضحة: تعزيز قوة الحماية من جانب قد يُفسر باعتباره استعدادًا للهجوم أو الحصار من جانب آخر، ما يدفع الخصوم إلى تطوير وسائل غير متماثلة مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ والزوارق غير المأهولة والألغام البحرية. وقد أشار المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن بيئة الأمن البحري باتت تتجاوز حماية السفن التجارية لتشمل البنى التحتية البحرية الحيوية مثل خطوط الأنابيب والكابلات والمنشآت الموجودة تحت سطح البحر.
أما الاتجاه الثالث فيتعلق بإعادة تعريف القوة الجيوسياسية في “الشرق الأوسط”. فقد كان التصور التقليدي للقوة يركز على السيطرة على الأرض والموانئ والقواعد العسكرية. أما التطورات الراهنة فتظهر أن القدرة على التأثير في حركة الشبكات قد تصبح ذات أهمية مماثلة للسيطرة الإقليمية المباشرة. فميناء صغير أو جزيرة أو موقع ساحلي يمكن أن يكتسب قيمة استراتيجية تفوق مساحته إذا كان قريباً من نقطة اختناق بحرية. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير أهمية ميناء المخا والجزر الواقعة قرب باب المندب في التطورات الأخيرة، وليس فقط باعتبارها مكاسب في الحرب اليمنية الداخلية.
وعلى هذا الأساس يمكن تصور ثلاثة مسارات مستقبلية رئيسية دون افتراض تحقق أحدها بصورة حتمية. المسار الأول المتفائل يتضمن الاحتواء وإعادة فتح الممرات من خلال ترتيبات تفاوضية تشترك فيها القوى الإقليمية والدولية وتعيد للمضائق وظيفتها التجارية مع استمرار إجراءات أمنية مشددة. ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في ظل انخراط الصين وسلطنة عُمان في الجهود الدبلوماسية المرتبطة بهرمز. و تشير المعلومات إلى وجود ترتيبات مؤقتة مرتبطة بمرور السفن في هرمز ووجود مسار تفاوضي بين الجمهورية الإسلامية في إيران وعُمان بشأن إدارة المرور في المضيق.
المسار الثاني هو استمرار عسكرة الممرات البحرية بحيث تصبح حماية السفن والطاقة مرتبطة بانتشار بحري دولي دائم وبقواعد اشتباك أكثر تعقيداً. وفي هذه الحالة قد تتحول الممرات إلى مناطق احتكاك مزمن حتى في حال انخفاض مستوى العمليات العسكرية المباشرة. وتصبح تكلفة التأمين والشحن جزءاً دائماً من تكلفة التجارة الدولية في المنطقة.
أما المسار الثالث فيتمثل في إعادة هندسة جغرافية الطاقة والتجارة عبر الاستثمار المتزايد في خطوط الأنابيب والموانئ البديلة والممرات البرية والسككية ومراكز التخزين وإعادة الشحن. وهذا المسار لا يتطلب استمرار الحرب إلى أجل طويل حتى يبدأ تأثيره. فالفاعلون الاقتصاديون عندما يختبرون هشاشة مسار معين قد يعيدون توزيع استثماراتهم حتى بعد عودة الاستقرار النسبي. وقد تناول المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية بالفعل فكرة إعادة تصميم ممر الهند ـ “الشرق الأوسط” ـ أوروبا في ضوء تزايد قابلية الممرات البحرية للتسييس والتعطيل.
ومن هنا فإن التطور الأكثر أهمية على المدى البعيد قد لا يكون عدد السفن التي عبرت هرمز أو باب المندب خلال يوم معين وإنما القرارات التي ستتخذها الدول والشركات بعد انتهاء الأزمة بشأن مقدار اعتمادها المستقبلي على هذه الممرات. فإذا تحولت البدائل المؤقتة إلى استثمارات دائمة فإن الأزمة تكون قد أنتجت أثراً بنيوياً حتى بعد انتهاء القتال. أما إذا عادت حركة التجارة إلى مستوياتها السابقة مع بقاء البنية التحتية والاستثمارات كما كانت فإن التطورات الحالية ستظل أقرب إلى أزمة أمنية حادة منها إلى تحول في بنية النظام الإقليمي.
خاتمة
تكشف تطورات 14–18 أيلول 2026 أن أمن الممرات البحرية في “الشرق الأوسط” دخل مرحلة مختلفة من حيث علاقته بالقوة والصراع. فمضيق هرمز لم يعد مجرد ممر للطاقة معرضاً للتهديد العسكري وإنما أصبح عنصراً في التفاوض الاستراتيجي بين القوى المتصارعة، بينما لم يعد باب المندب مجرد طريق بحري بديل وإنما تحول إلى مجال يمكن أن تتقاطع فيه الحرب اليمنية مع أمن الطاقة السعودي ومع المصالح التجارية الآسيوية والأوروبية. وتكمن خطورة الوضع في أن الضغط على المضيقين لا يحدث في بيئتين منفصلتين وإنما داخل شبكة بحرية واحدة تتصل فيها منطقة الخليج ببحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط.
والأهم أن الأزمة تكشف تغيراً في طبيعة القوة الجيوسياسية نفسها. فالقوة لم تعد مرتبطة فقط بمن يمتلك أكبر قوة بحرية أو أكبر عدد من السفن الحربية وإنما أيضاً بمن يستطيع رفع تكلفة الحركة داخل الشبكات الحيوية أو تخفيض قدرة الخصم على الوصول إلى الأسواق أو إجباره على إعادة توزيع موارده ومساراته. وهذا يفسر لماذا أصبح فاعل غير دولتي مثل الحوثـ ـيين قادراً على إنتاج آثار تتجاوز بكثير حدود الجغرافيا اليمنية، ولماذا أصبحت الصين معنية بالتدخل الدبلوماسي في ملف يتعلق ظاهرياً بأمن الخليج والبحر الأحمر، ولماذا بدأت الدول الأوروبية تنظر إلى حماية الملاحة باعتبارها جزءاً من أمنها الاقتصادي والاستراتيجي.
وعليه فإن العلاقة بين هرمز وباب المندب ينبغي ألا تُفهم باعتبارها مجرد تزامن جغرافي بين أزمتين بحريتين، بل باعتبارها اختباراً لقدرة النظام الإقليمي والدولي على إدارة نقاط الاختناق داخل شبكة مترابطة من الطاقة والتجارة والأمن. وإذا استمرت هذه النقاط في التحول إلى ساحات للتنافس فإن “الشرق الأوسط” قد يشهد خلال السنوات المقبلة انتقالاً من مفهوم حماية الممرات البحرية إلى مفهوم أوسع هو إدارة القوة عبر الممرات البحرية. أما ما إذا كان هذا التحول سيؤدي إلى إعادة تشكيل فعلية لتوازنات القوة الدولية أو سيبقى مجرد نتيجة ظرفية للحرب الراهنة، فسيتوقف بصورة أساسية على مدة استمرار الأزمة وعلى حجم الاستثمارات التي ستتجه إلى البدائل وعلى قدرة القوى الإقليمية والدولية على إنتاج ترتيبات أمنية مستقرة للملاحة.
وبذلك لا تكمن المسألة الاستراتيجية الأساسية في السؤال عن قدرة هرمز أو باب المندب على البقاء مفتوحاً فحسب، وإنما في سؤال أكثر عمقاً: من يمتلك القدرة على تحديد شروط الحركة داخل الممرات التي تعتمد عليها التجارة والطاقة العالمية، ومن يستطيع تحويل هذه القدرة إلى نفوذ سياسي قابل للاستمرار؟ وهذا هو التحول الذي يجعل الممرات البحرية في “الشرق الأوسط” جزءاً من معادلة القوة الجيوسياسية وليس مجرد موضوع من موضوعات أمن النقل البحري.



