الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف
التحالف البحري الدفاعي السعودي متعدد الجنسيات

قراءة في فرص إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي في البحر الأحمر
بقلم: العميد دكتور محمد حجاب
مصر
يشهد البحر الأحمر تحولًا نوعيًا في بيئته الأمنية منذ أواخر عام 2023، بعدما تجاوزت التهديدات البحرية إطارها التقليدي لتصبح عاملًا مؤثرًا في أمن التجارة الدولية واستقرار سلاسل الإمداد العالمية. فقد أظهرت الهجمات المتكررة على السفن التجارية محدودية الترتيبات الأمنية القائمة في مواجهة التهديدات غير المتماثلة، وأعادت طرح الحاجة إلى مقاربة أكثر فاعلية تقوم على تعزيز الدور الإقليمي في إدارة الأمن البحري، بالتوازي مع استمرار التعاون مع القوى الدولية.
وفي هذا السياق، يكتسب الإعلان السعودي عن العمل على إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات أهمية خاصة، بوصفه محاولة لإعادة صياغة معادلات الأمن في البحر الأحمر، من خلال بناء إطار مؤسسي يعزز التنسيق بين الدول الساحلية، ويرفع قدرتها على حماية الممرات البحرية ومواجهة التهديدات المتغيرة، في ظل التحولات التي يشهدها الإقليم وتزايد الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية للبحر الأحمر. وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن السؤال الرئيس الآتي:
إلى أي مدى يمكن أن يسهم التحالف البحري الدفاعي السعودي متعدد الجنسيات في إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي في البحر الأحمر، وما أبرز الفرص والتحديات التي تواجهه، وما انعكاساته المحتملة على الأمن القومي المصري؟
وللإجابة عن هذا السؤال، تعتمد الورقة على مقاربة تحليلية تستند إلى دراسة البيئة الأمنية للبحر الأحمر، وتحليل دوافع المبادرة السعودية، ومقارنتها بالترتيبات الأمنية القائمة، وصولًا إلى استشراف السيناريوهات المحتملة وتقديم تقدير موقف بشأن مستقبل التحالف ودوره في إعادة تشكيل منظومة الأمن البحري في المنطقة.
التحالف الجديد والتحولات في البيئة الأمنية للبحر الأحمر
لم تعد التهديدات في البحر الأحمر تقتصر على أعمال القرصنة أو النزاعات البحرية المحدودة، بل شهدت البيئة الأمنية منذ أواخر عام 2023 تحولًا نوعيًا مع تصاعد الهجمات على السفن التجارية وناقلات الطاقة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق غير المأهولة، ما أدى إلى اضطراب حركة الملاحة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتعطيل سلاسل الإمداد العالمية. غير أن حرب عام 2026 رفعت مستوى التهديد إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، بعدما توسع نطاق الاستهداف ليشمل السفن المرتبطة بالمملكة العربية السعودية، بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز وتحويل جزء من الصادرات النفطية الخليجية إلى مسار البحر الأحمر، الأمر الذي زاد من الكثافة الملاحية وأهمية الممر الاستراتيجية، لكنه جعله في الوقت ذاته أكثر عرضة للاستهداف، بما أكد هشاشة منظومة الأمن البحري الإقليمية والحاجة إلى ترتيبات أمنية أكثر فاعلية واستدامة ([1]).
ولا تعكس هذه التطورات مجرد تصاعد في مستوى التهديد، وإنما تشير إلى تحول في طبيعة البيئة الأمنية للبحر الأحمر، إذ انتقلت مصادر الخطر من المواجهات البحرية التقليدية بين الدول إلى تهديدات هجينة تعتمد على فاعلين من غير الدول يمتلكون وسائل منخفضة الكلفة وعالية التأثير. وهو ما أظهر محدودية أدوات الردع البحري التقليدية، وأعاد طرح سؤال جوهري حول مدى قدرة الترتيبات الأمنية القائمة على حماية أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم ([2]).
وفي هذا السياق، لم يعد أمن البحر الأحمر قضية تخص الدول الساحلية وحدها، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي. فالمنطقة تمثل حلقة وصل بين البحر المتوسط والمحيط الهندي عبر قناة السويس ومضيق باب المندب، ويعبر من خلالها جزء معتبر من تجارة العالم المنقولة بحرًا، فضلًا عن نسبة مهمة من صادرات النفط والغاز. ومن ثم، فإن أي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر ينعكس بصورة مباشرة على أسعار الشحن والطاقة والتجارة الدولية.
وفي الوقت ذاته، كشفت الأزمة عن حدود فعالية الترتيبات الأمنية الدولية القائمة. فعلى الرغم من انتشار قوات بحرية متعددة الجنسيات في المنطقة وتدشين عمليات لحماية الملاحة، فإن استمرار الهجمات أظهر أن هذه الآليات ركزت بدرجة أكبر على إدارة تداعيات الأزمة أكثر من معالجة أسبابها البنيوية أو بناء منظومة أمنية إقليمية مستدامة.
من ناحية أخرى، تتزامن هذه المتغيرات مع تحولات أوسع في بنية النظام الإقليمي، أبرزها التراجع النسبي في الانخراط العسكري الأمريكي المباشر، وتنامي أدوار القوى الإقليمية الساعية إلى تعزيز استقلالية قرارها الأمني. وفي هذا الإطار، برزت المملكة العربية السعودية كمبادِرة رئيسية لتطوير مقاربة جديدة للأمن البحري تنطلق من المصالح المشتركة للدول المطلة على البحر الأحمر ([3]).
كما ارتبطت المبادرة السعودية بتحولات داخلية تتصل بإعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني في إطار رؤية المملكة 2030، التي جعلت من البحر الأحمر فضاءً اقتصاديًا واستثماريًا رئيسيًا عبر مشروعات كبرى مثل نيوم ومشروعات البحر الأحمر السياحية وتطوير الموانئ..
لقراءة تقدير الموقف كاملاً وتحميل الملف أدناه:



