الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

بين اتفاق ترامب مع إيران وتوقعات أسعار النفط: هل يقترب الانخفاض؟

بقلم: كيث جونسون
ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

في أعقاب التوصل إلى مذكرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الأعمال العدائية المباشرة ولا سيما في مضيق هرمز المتنازع عليه يبرز السؤال الأهم:

إلى أي مدى يمكن أن تنخفض أسعار النفط المرتفعة وبأي سرعة؟

شهدت أسعار خام برنت القياسي تراجعاً طفيفاً يوم الاثنين عقب الإعلان عن الاتفاق حيث جرى تداول عقود شهر آب عند نحو 83 دولاراً للبرميل، ورغم أن هذا المستوى لا يزال أعلى بكثير من الأسعار التي سبقت اندلاع الحرب فإنه يبقى دون الذروة التي تجاوزت 100 دولار خلال ذروة التصعيد، وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن الاتفاق مساء الأحد عبر وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً “سفن العالم أطلقوا محركاتكم، دعوا النفط يتدفق”! قبل أن يعود لاحقاً لتعديل تصريحاته موضحاً “مع فتح المضيق عند توقيع الاتفاق يوم الجمعة، ولأغراض إزالة الألغام، سيُسمح بتدفق النفط في الاتجاهين إلى المنطقة ومن المنطقة إلى العالم”.

غير أن أحد التعقيدات الرئيسة يتمثل في أن تفاصيل مذكرة التفاهم لا تزال غير مكتملة، ولن تتضح بالكامل إلا بعد نشرها خلال هذا الأسبوع، وتشير تقارير إلى أن إيران ستسمح بمرور غير معرقل ومجاني عبر المضيق خلال فترة التفاوض الممتدة 60 يوماً لكنها قد تسعى لاحقاً إلى فرض رسوم على حركة الملاحة، وفي المقابل، لوّح ترامب بإمكانية استئناف العمليات العسكرية وفرض حصار أمريكي في حال عدم التزام طهران ما يبقي مستوى عدم اليقين مرتفعاً بشأن انفتاح المضيق وسرعة تطبيقه.

ورغم الاتفاق، يرى محللون أن عدداً من العوامل التي دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع خلال الأشهر الماضية سيستمر تأثيرها بدرجات متفاوتة لعدة أشهر قادمة، وهذا يعني أن مستويات الإنتاج والتدفقات النفطية والمخزونات – التي استُنزفت بشدة خلال أكثر من ثلاثة أشهر من الاضطرابات – لن تعود سريعاً إلى وضعها الطبيعي.

لا تتعلق المشكلة أساساً بأضرار مادية كبيرة في منشآت إنتاج النفط في الخليج (بينما تبقى منشآت الغاز الطبيعي حالة مختلفة)، بل بتعطّل عمليات التصدير نتيجة نقص الناقلات، ما أجبر دولاً منتجة كبرى مثل العراق والكويت على خفض الإنتاج بسبب عدم القدرة على تصريف الفائض المخزّن.

وتختلف التقديرات، إلا أن معظم المحللين يشيرون إلى خروج ما بين 11 و13 مليون برميل يومياً من السوق خلال فترة النزاع، ويمكن استعادة جزء كبير من هذا الإنتاج نسبياً، غير أن الشق الأخير من عملية التعافي سيبقى معقداً.

وفي هذا السياق حذّر مسؤول نفطي كويتي خلال مؤتمر نظمه مجلس الأطلسي في واشنطن من أن ما يصل إلى 4 ملايين برميل يومياً من إجمالي إنتاج النفط والمنتجات النفطية في الخليج – البالغ نحو 20 مليون برميل يومياً – قد يبقى خارج الخدمة لعدة أشهر أخرى، ويمكن تعويض جزء من هذا النقص عبر رفع الإنتاج في دول أخرى خصوصاً الولايات المتحدة وغيانا والبرازيل.

 

 

لكن هذا التعويض لا يكفي للوصول إلى الفائض الذي كان يضغط على السوق العالمية قبل الأزمة، وتشير تقديرات شركة “كلير فيو إنرجي بارتنرز” إلى أن التوازن المستدام بين العرض والطلب قد لا يتحقق قبل أواخر العام.

العقبة الكبرى الثانية تتمثل في إعادة تشغيل منظومة الشحن البحري: تفريغ الناقلات العالقة وإعادة السفن الفارغة من مختلف أنحاء العالم إلى الخليج، ثم استئناف الملاحة عبر منطقة كانت حتى وقت قريب ساحة حرب. وتشير “أوكسفورد إيكونوميكس” إلى أن المرور عبر المضيق سيظل أكثر خطورة وكلفة مما كان عليه قبل الحرب، ما يعني أن تعافي التدفقات سيكون تدريجياً لا فورياً، حتى في حال استقرار الإشارات السياسية بشأن الاتفاق.  وكما أوضح وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت “سيستغرق الأمر عدة أشهر للعودة إلى مستويات التدفق الطبيعية للطاقة”.

ومن غير المتوقع أن يغيّر الاتفاق الأمريكي-الإيراني سريعاً حسابات شركات الشحن والتأمين والبحارة، إذ يتطلب الأمر أولاً التأكد من خلو المضيق من الألغام ثم معالجة السفن المتوقفة التي قد تتعرض لتراكمات بحرية على هياكلها ومراوحها خلال أشهر التوقف، يلي ذلك إعادة تنظيم حركة الملاحة، ثم استئناف عمليات التحميل والنقل إلى الأسواق العالمية.

وتشير “كلير فيو” إلى أن المخزونات العالمية التي تعرضت بالفعل لاستنزاف كبير، ستواصل التراجع إلى حين استعادة الملاحة الطبيعية وإعادة تشغيل المنشآت وعودة السفن غير المحملة إلى المنطقة، كما تُظهر البيانات أن أسعار النفط لا تزال أعلى بنحو 20 دولاراً للبرميل مقارنة بالعام الماضي ما يعكس استمرار علاوة المخاطر.

وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فإن المخزونات في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية باتت عند أدنى مستوياتها منذ أكثر من عقدين، وتؤكد الإدارة أن الأسعار ستبقى مرتفعة إلى حين عودة التدفقات النفطية إلى مستوياتها الطبيعية وإعادة بناء المخزونات.

وبناءً عليه، فإن العودة إلى الوضع الطبيعي – حتى في ظل فترة تفاوض تمتد 60 يوماً – قد تستغرق أشهراً وربما أكثر، ما لم تظهر مفاجآت جوهرية في الإمدادات أو الملاحة أو المخزونات.

 

لماذا لم تنهَر أسعار النفط؟

يبقى السؤال الآخر لماذا لم تصل الأسعار إلى مستويات صادمة رغم كونها أكبر صدمة طاقة في التاريخ الحديث؟ تتراوح الإجابة بين أربعة عوامل رئيسية: الصين، وإعادة توجيه التدفقات، وسحب المخزونات، والدبلوماسية السياسية.

فقد انخفض الطلب الصيني – أكبر مستورد للنفط في العالم – من نحو 11 مليون برميل يومياً إلى ما بين 6 و8 ملايين برميل نتيجة اضطرابات الإمدادات من الخليج، وتم تعويض ذلك عبر السحب من المخزونات الضخمة التي تمتلكها بكين (والتي تُقدّر بنحو 1.4 مليار برميل)، إضافة إلى تقليص صادرات المنتجات المكررة.

كما لعبت التحويلات اللوجستية دوراً محورياً، إذ قامت السعودية بنقل نحو نصف إنتاجها عبر خطوط أنابيب داخلية لتجنب المرور عبر المضيق، وهو ما وفر قرابة 7 ملايين برميل يومياً من التعرض المباشر لنقطة الاختناق، وفي السياق ذاته ورغم انسحاب الولايات المتحدة المبكر من مرافقة السفن، ساهمت المسارات البديلة – بما في ذلك الشحنات غير المعلنة أو “الشبحية” – في تمرير نحو 3 ملايين برميل يومياً خارج المضيق.

أما العامل الرابع فكان الإفراج عن الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية من قبل الولايات المتحدة واليابان وأوروبا، بما يصل إلى 2.5 مليون برميل يومياً، إلا أن هذا الإجراء سيولد لاحقاً طلباً إضافياً لإعادة تعبئة تلك الاحتياطيات ما قد يضيف ضغطاً جديداً على السوق.

وبجمع هذه العوامل – انخفاض الطلب الصيني والتحويلات اللوجستية والتدفقات غير المعلنة، والسحوبات من الاحتياطيات – يتضح كيف أمكن تعويض جزء كبير من تدفقات الخليج البالغة نحو 20 مليون برميل يومياً، ومنع انهيار السوق الفعلي.

إلى جانب العوامل المادية لعب الخطاب السياسي دوراً مهماً في كبح الذعر في أسواق العقود الآجلة، فقد كرر ترامب أكثر من 40 مرة أن الحرب قد انتهت، ما أسهم في تهدئة توقعات المستثمرين رغم استمرار المخاطر الفعلية، وقد ساعد هذا “التطمين السياسي للأسواق” في منع اندفاع الأسعار نحو مستويات مفرطة، حتى عندما كانت المخاطر الجيوسياسية في ذروتها.

ومع صدور تأكيدات إضافية هذه المرة من إيران والوسيط الباكستاني، إلى جانب واشنطن ترتفع احتمالات صمود الاتفاق نسبياً، ومع ذلك فإن أي انتكاسة في التنفيذ قد تعيد أسعار الطاقة سريعاً إلى مسارها التصاعدي.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى