الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

جمود الميدان.. كيف غيّرت المسيّرات قواعد الاشتباك في الحرب الروسية – الأوكرانية؟

بقلم: حسن فاضل سليم

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

تُمثل الحرب الروسية-الأوكرانية، التي بدأت في شباط 2022، مختبراً فاعلاً في تطوير أنماط الصراع المسلح، فقد أدت الى استخدام مزيج من الأسلحة التقليدية والأسلحة الحديثة غير التقليدية، فقد اضطرت ظروف الميدان الطرفين الى تعزيز الابتكار والدخول في سباق ابتكار تسليحي معتمدين على الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية والطائرات المسيّرة، وعلى الرغم من أن الدبابات ومنظومات الصواريخ بعيدة المدى تصدّرت المشهد العسكري في بداية الحرب، الا ان الطائرات المسيّرة سرعان ما أصبحت أحد أبرز العناصر المؤثرة في إدارة العمليات القتالية وإعادة صياغة طبيعة المواجهات الميدانية.

ومع استمرار الحرب لأكثر من أربع سنوات، لم يتمكن أي من الطرفين من تحقيق حسم عسكري أو مكاسب استراتيجية نهائية، لتتحول خطوط المواجهة الممتدة على أكثر من ألف كيلومتر إلى ساحة تتسم بحالة من الجمود العسكري المدعوم بالتكنولوجيا. وفي هذا السياق، أصبحت الطائرات المسيّرة أداة رئيسية في أعمال الاستطلاع والمراقبة والاستهداف، الأمر الذي حدّ من قدرة القوات على تنفيذ مناورات واسعة النطاق أو تحقيق عنصر المفاجأة في العمليات العسكرية.

وبناءً على ذلك، تهدف هذه المقالة إلى استكشاف الدور الذي لعبته الطائرات المسيّرة في إعادة تشكيل قواعد الاشتباك خلال الحرب الروسية-الأوكرانية، مع التركيز على أثرها في ديناميات العمليات القتالية، ومستقبل الحروب البرية، ومدى انعكاسها على موازين الهجوم والدفاع في النزاعات المسلحة المعاصرة.

 

أولاً: الطائرات المسيّرة من وسيلة دعم إلى ركيزة أساسية في العمليات العسكرية

قبل اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية، انحصر الاستخدام الرئيس للطائرات المسيرة في تنفيذ مهام الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخبارية، إلى جانب توجيه ضربات دقيقة ضد أهداف محدودة الحماية، كما برز في النزاعات التي شهدتها أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا. غير أن مجريات الحرب الحالية أظهرت تحولاً جذرياً في مكانة هذه المنظومات ودورها داخل ميدان القتال.

فقد اعتمد طرفا النزاع على نطاق واسع على طيف متنوع من الطائرات المسيّرة، شمل النماذج التجارية التي جرى تطويرها لأغراض عسكرية، ومسيّرات الاستطلاع التكتيكي، إضافة إلى الذخائر الجوالة والمسيّرات الانتحارية القادرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى. كما ساعد انخفاض تكاليف الإنتاج وسرعة التصنيع على توفير أعداد كبيرة منها، بما يفوق في بعض الأحيان معدلات إنتاج العديد من الأسلحة التقليدية.

وأدى هذا الانتشار الواسع إلى تغير ملموس في طبيعة البيئة القتالية، إذ أصبحت ساحات المعارك تخضع لمراقبة شبه مستمرة، الأمر الذي قلّل من قدرة الوحدات العسكرية على المناورة أو تنفيذ عمليات الاختراق والمفاجأة التي شكّلت ركناً أساسياً في الفكر العسكري التقليدي خلال القرن العشرين.

وبذلك لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أداة مساندة للقوات البرية، بل أصبحت مكوناً محورياً في منظومة العمليات القتالية، إذ تؤدي أدواراً متكاملة تبدأ بالكشف عن الأهداف ورصدها، ثم تحديد مواقعها بدقة، وصولاً إلى توجيه النيران أو تنفيذ الضربة بشكل مباشر، وهو ما جعلها ركناً أساسياً في دورة الاستهداف الحديثة (Kill Chain).

 

 

ثانياً: دور الطائرات المسيّرة في تكريس الجمود العملياتي

اظهرت الحرب الروسية-الأوكرانية نمطاً جديداً من الجمود العسكري يختلف عن صور الجمود التي عرفتها الحروب التقليدية، ولا سيما ما شهدته الحرب العالمية الأولى. فحالة التوقف النسبي في خطوط القتال لم تكن نتيجة توازن القوى البشرية أو كثافة التحصينات فحسب، بل جاءت انعكاساً للتطور التكنولوجي الذي جعل ساحة المعركة خاضعة للمراقبة والاستهداف بصورة شبه مستمرة.

في العقائد العسكرية التقليدية كان بالإمكان حشد القوات والآليات في مناطق محددة استعداداً لتنفيذ عمليات هجومية واسعة مع الحفاظ على قدر من السرية والمفاجأة. أما في البيئة القتالية الحالية، فقد أصبحت أي محاولة لتجميع القوات أو نقلها لمسافات كبيرة عرضة للرصد الفوري عبر شبكات الطائرات المسيّرة وأنظمة الاستطلاع المتصلة بها، الأمر الذي يقلل من فرص إخفاء التحركات العسكرية.

وتؤدي الطائرات المسيّرة دوراً محورياً في ترسيخ هذا الواقع من خلال تنفيذ مجموعة من المهام المتكاملة، تشمل المراقبة المستمرة لخطوط المواجهة، والكشف المبكر عن تحركات القوات، وتزويد وحدات المدفعية بإحداثيات دقيقة لتصحيح النيران، فضلاً عن استهداف طرق الإمداد والمراكز اللوجستية، وإعاقة عمليات الحشد والمناورة قبل بدء الهجوم.

وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على ميزان العمليات العسكرية، إذ ارتفعت كلفة الهجمات البرية بشكل ملحوظ، بسبب اضطرار القوات المهاجمة إلى التحرك عبر مناطق مكشوفة تخضع لمراقبة دائمة واستهداف متكرر، مما يؤدي إلى استنزافها قبل الوصول إلى مواقع الخصم.

وبناءً على ذلك، تراجعت فعالية الهجوم مقارنة بالدفاع، وأصبح الحفاظ على الخنادق والمواقع المحصنة أكثر جدوى من تنفيذ عمليات الاختراق الواسعة، وهو ما أسهم في إطالة أمد الحرب وتعزيز نمط الاستنزاف المتبادل بين طرفي الصراع، وحول الوضع العملياتي الى ما يشبه حروب الخنادق التي سادت في الحرب العالمية الأولى وادت الى جمود عملياتي على الجبهة الألمانية الفرنسية آنذاك.

 

ثالثاً: المسيّرات الانتحارية وإعادة تشكيل معادلة الكلفة العسكرية

من أبرز النتائج التي كشفت عنها الحرب الروسية-الأوكرانية التحول الكبير في دور المسيّرات الانتحارية، التي أصبحت إحدى أكثر الوسائل القتالية تأثيراً في ميدان العمليات، فقد انتقلت هذه المنظومات من كونها أدوات محدودة الاستخدام إلى أسلحة يعتمد عليها بصورة متزايدة في استهداف الأهداف العسكرية ذات القيمة العالية، مع تحقيق مستوى مرتفع من الكفاءة مقابل تكلفة منخفضة.

وفي المفهوم العسكري التقليدي، كان تدمير الأهداف المحصنة أو المعدات المتطورة يتطلب استخدام ذخائر دقيقة باهظة الثمن أو تنفيذ غارات بواسطة طائرات مأهولة تمتلك قدرات تقنية عالية. إلا أن تطور المسيّرات الانتحارية غيّر هذه المعادلة، إذ أصبح بالإمكان تحييد دبابات أو منظومات دفاع جوي أو قطع مدفعية باستخدام وسائل هجومية لا تتجاوز كلفتها جزءاً يسيراً من قيمة الأهداف التي تستهدفها.

وقد أوجد هذا الواقع نمطاً جديداً من عدم التوازن الاقتصادي في العمليات العسكرية، حيث أصبحت الوسائل القتالية منخفضة التكلفة قادرة على إلحاق خسائر كبيرة بمنظومات عسكرية تتطلب استثمارات مالية ضخمة لإنتاجها وتشغيلها وصيانتها، مما ادى إلى إعادة النظر في مفهوم الكفاءة الاقتصادية للقوة العسكرية، بحيث لم يعد التفوق مرتبطاً بقيمة السلاح أو تعقيده التقني فقط، بل بقدرته على تحقيق تأثير قتالي مرتفع بأقل تكلفة ممكنة.

وانعكست هذه المتغيرات على عدد من الجوانب الأساسية، من أبرزها انخفاض الجدوى الاقتصادية لبعض المنصات القتالية التقليدية مرتفعة الكلفة، وارتفاع معدلات الاستنزاف المادي لدى أطراف الصراع، فضلاً عن تزايد أهمية الإنتاج الكمي لتلبية الاحتياجات الميدانية المستمرة، إلى جانب توسع مساهمة الصناعات المدنية والشركات التجارية في توفير المكونات والتقنيات المستخدمة في تصنيع الطائرات المسيّرة.

 

وبفعل  هذه التطورات، أصبحت القدرة على إنتاج المسيّرات بأعداد كبيرة وبوتيرة متواصلة أحد أهم عناصر القوة العسكرية الحديثة، بل إن أهميتها باتت تضاهي في بعض جوانبها امتلاك منظومات التسليح الاستراتيجية التقليدية، لما توفره من مرونة تشغيلية وكفاءة اقتصادية وقدرة على تعويض الخسائر بسرعة أثناء النزاعات طويلة الأمد.

 

رابعاً: الحرب الإلكترونية والصراع على الهيمنة في المجال الرقمي

أدى الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة في الحرب الروسية-الأوكرانية إلى تزايد أهمية الحرب الإلكترونية بوصفها أحد المكونات الأساسية للعمليات العسكرية الحديثة، فلم يعد نجاح هذه المنظومات يعتمد على قدراتها القتالية وحدها، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بمدى قدرتها على العمل في بيئة تتسم بالتنافس المستمر على السيطرة على الاتصالات والإشارات الكهرومغناطيسية.

ومع تزايد الاعتماد على المسيّرات في مهام الاستطلاع والاستهداف وتنفيذ الضربات، برزت الحاجة إلى تطوير قدرات متقدمة في مجال الحرب الإلكترونية، شملت التشويش على قنوات الاتصال، وتعطيل أنظمة الملاحة وتحديد المواقع، واعتراض البيانات المتبادلة بين الطائرات ومحطات التحكم، إضافة إلى اختراق الشبكات الرقمية المستخدمة في إدارة العمليات العسكرية. وأصبحت هذه الوسائل تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة التهديدات التي تفرضها المسيّرات منخفضة التكلفة وعالية الفاعلية.

وكشفت الحرب الروسية-الأوكرانية عن سباق تقني متواصل بين تطوير الطائرات المسيّرة وابتكار وسائل مضادة لها، حيث يقابل كل تقدم في تقنيات التوجيه أو الاتصال تحسينات مماثلة في أنظمة التشويش والإعاقة الإلكترونية، بينما تدفع فعالية وسائل التشويش إلى تطوير حلول جديدة لزيادة مقاومة المسيّرات للهجمات الإلكترونية. وقد أسهم هذا التفاعل المستمر في تسريع وتيرة الابتكار العسكري، وجعل التطور التقني عاملاً حاسماً في الحفاظ على التفوق العملياتي.

وعلى المستوى الاستراتيجي، لم تعد السيطرة على المجال الكهرومغناطيسي مسألة مساندة للعمليات العسكرية، بل غدت عنصراً أساسياً في تحقيق التفوق الميداني، إلى جانب السيطرة على البر والبحر والجو. ويعكس هذا التحول اتساع مفهوم القوة العسكرية في العصر الحديث، بحيث يشمل الفضاء الرقمي والبيئة الإلكترونية باعتبارهما ميدانين رئيسيين للتنافس والصراع في الحروب المعاصرة.

 

خامساً: إعادة تشكيل مفهوم القوة البرية في ظل تطور الطائرات المسيّرة

أظهرت الحرب الروسية-الأوكرانية أن التطورات التكنولوجية الحديثة فرضت مراجعة عميقة للمفاهيم التقليدية المتعلقة بالقوة البرية، ولا سيما تلك التي ارتكزت لعقود على الاعتماد المكثف على التشكيلات المدرعة والأسلحة الثقيلة بوصفها الركيزة الأساسية لتحقيق الحسم في المعارك.

فقد كشفت العمليات القتالية أن الدبابات والعربات المدرعة، رغم ما تتمتع به من قدرات نارية وحماية، أصبحت أكثر عرضة للاستهداف بواسطة الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، الأمر الذي قلّل من مستوى الحماية الذي كانت توفره هذه المنصات في النزاعات التقليدية. ونتيجة لذلك، لم يعد الاعتماد على التدريع وحده كافياً لضمان بقاء الوحدات القتالية، بل بات من الضروري دمجه مع منظومات دفاعية متكاملة تشمل وسائل الدفاع الجوي قصيرة المدى، وأنظمة الحرب الإلكترونية، وإجراءات التمويه والخداع، فضلاً عن منظومات الإنذار المبكر القادرة على اكتشاف التهديدات الجوية الصغيرة قبل وصولها إلى أهدافها.

وفي الوقت نفسه، برز توجه عملياتي جديد يقوم على تقليل الاعتماد على الحشود العسكرية الكبيرة، واستبدالها بوحدات أصغر حجماً وأكثر مرونة في الحركة والانتشار، بما يقلل من احتمالية رصدها واستهدافها في بيئة قتالية تتسم بالمراقبة المستمرة. ويعكس هذا التوجه تحولاً في أساليب إدارة المعركة، حيث أصبحت السرعة والمرونة والقدرة على العمل ضمن تشكيلات موزعة عوامل لا تقل أهمية عن حجم القوة المستخدمة.

وتشير المؤشرات المستخلصة من الحرب إلى أن الجيوش في المستقبل ستتجه بصورة متزايدة باتجاه توسيع استخدام المنصات غير المأهولة، والأنظمة ذاتية التشغيل، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وشبكات الاستشعار المترابطة التي تتيح تبادل البيانات واتخاذ القرارات في الزمن الحقيقي بما يعزز الوعي الظرفي لصانع القرار خلال العمليات العسكرية. ومن ثم، فإن مفهوم الكتلة العسكرية التقليدية قد يتراجع تدريجياً لصالح نماذج قتالية تعتمد على الترابط الشبكي والتكامل المعلوماتي، بحيث تصبح فعالية القوة العسكرية ناتجة عن سرعة تبادل المعلومات وتنسيق عمل الوحدات بقدر ما تعتمد على حجم القوات أو كثافة التسليح.

 

خاتمة
بناءً على ما تقدم يمكن القول أن الحرب الروسية-الأوكرانية أبرزت تحولاً جوهرياً في طبيعة الصراعات المسلحة، إذ انتقلت الطائرات المسيّرة من دورها التقليدي كوسيلة دعم إلى عنصر رئيسي يؤثر في التخطيط والعمليات العسكرية. وقد أسهم انتشارها في تعزيز قدرات الاستطلاع والمراقبة المستمرة، وزيادة دقة الاستهداف، ورفع كلفة العمليات الهجومية، بما انعكس على طبيعة المواجهات وأدى إلى بروز أنماط جديدة من القتال تعتمد على الاستنزاف والتفوق التقني.

كما أظهرت هذه الحرب أن تطور المسيّرات لا يعني تراجع أهمية الأسلحة التقليدية، وإنما إعادة توظيفها ضمن منظومات قتالية أكثر تكاملاً، الأمر الذي فرض على المؤسسات العسكرية مراجعة مفاهيمها العملياتية وعقائدها القتالية بما يتلاءم مع متطلبات البيئة القتالية الحديثة.

وبناءً على ذلك، يبدو أن مستقبل الحروب سيعتمد بدرجة متزايدة على امتلاك القدرات التكنولوجية المتقدمة، ولا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة، إلى جانب القدرة على دمج هذه التقنيات ضمن منظومات قيادة وسيطرة فعّالة. ومن ثم، تمثل الحرب الروسية-الأوكرانية نموذجاً مهماً لفهم التحولات الراهنة في الفكر العسكري واستشراف الاتجاهات المستقبلية للصراعات المسلحة.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى