الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
الانتقائية في تفعيل معايير حقوق المرأة
دراسة مقارنة في الخطاب الغربي الرسمي تجاه إيران وأفغانستان من جهة، وغزة ولبنان من جهة أخرى

بقلم: الباحث دماني مصطفى كمال / الجزائر
مقدمة
على نقيض الضجيج الحقوقي الغربي الذي رافق وفاة مهسا أميني في إيران، والتصعيد الغربي المصاحب للحادث، والمطالب الغربية بتحسين أوضاع حقوق المرأة في إيران وأفغانستان عقب عودة طالبان إلى الحكم، تكاد تغيب عن الخطاب الحقوقي الغربي الرسمي وضعية حقوق المرأة في بؤر الصراع العربي مع الاحتلال “الإسرائيلي”. ويكشف ذلك الانتقائية الغربية المعتمدة في التفاعل مع القضايا الحقوقية المتعلقة بالمرأة في غزة ولبنان.
ولمناقشة هذه الازدواجية من خلال مقارنة السياسات الغربية في التعاطي مع حقوق المرأة في إيران وأفغانستان، ونظيرتها في غزة ولبنان في ظل الانتهاكات “الإسرائيلية” الصارخة، مع محاولة إبراز دلالات هذا التباين في الخطاب والممارسة، وتسعى هذه الدراسة الى مناقشة هذه الانتقائية.
السياسة الحقوقية الغربية تجاه إيران
برز رد الفعل الغربي على حادثة وفاة مهسا أميني في طهران كنموذج يوضح طبيعة الضغوط الحقوقية الغربية على الدول عند وقوع انتهاكات مرتبطة بحقوق المرأة. فقد أعقبت الحادثة موجة واسعة من الإدانات والعقوبات الغربية ضد إيران، شملت عقوبات أوروبية وكندية وأمريكية، إلى جانب تصريحات سياسية ودبلوماسية شديدة اللهجة تدين تعامل السلطات الإيرانية مع الاحتجاجات المرتبطة بالقضية(¹). كما صرحت وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين بأن وفاة مهسا أميني تمثل (عملاً وحشياً) من قبل قوات الأمن الإيرانية، داعية الحكومة الإيرانية إلى إنهاء العنف الممارس ضد النساء وضمان حرية التعبير والتجمع(²).
السياسة الحقوقية الأوروبية تجاه أفغانستان
بعد عودة حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان، تصاعدت حدة المواقف الأوروبية الرسمية تجاه الحركة، خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة. وقد أدان الاتحاد الأوروبي بشدة قرار طالبان منع النساء من العمل في المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية، معتبراً ذلك انتهاكاً واضحاً للحقوق الأساسية للمرأة(³). كما لوّح الاتحاد الأوروبي بإعادة تقييم سياساته المتعلقة بالمساعدات الإنسانية في أفغانستان في ظل استمرار القيود المفروضة على النساء، ما يعكس مركزية ملف حقوق المرأة في الخطاب الغربي تجاه طالبان.

حقوق المرأة الفلسطينية في السياسة الغربية: شيرين أبو عاقلة نموذجاً
رغم الضجة الحقوقية التي صاحبت اغتيال الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، إلا أن مسار العدالة ظل متعثراً بعد سنوات من الحادثة، في ظل غياب أي مساءلة قانونية حقيقية. وقد أثيرت مخاوف من تدخلات سياسية أثرت على نتائج التحقيقات الأمريكية، خاصة بعد تصريحات مسؤولين سابقين تحدثوا عن محاولات “تخفيف” التقييم الرسمي الأمريكي للحادثة، وهو ما يعكس استمرار سياسة الإفلات من العقاب(⁴). كما لم تبادر المحكمة الجنائية الدولية إلى فتح تحقيق فعلي في القضية رغم الشكاوى المقدمة من عائلة أبو عاقلة ومؤسسات إعلامية دولية.
الموقف الغربي من انتهاكات حقوق المرأة في غزة
رغم الجرائم والانتهاكات الموثقة دولياً ضد النساء في غزة، لم تدفع هذه الانتهاكات الدول الغربية إلى اتخاذ مواقف حازمة لمحاسبة “إسرائيل”، بل إن بعض القوى الغربية واصلت تقديم الدعم السياسي والدبلوماسي لها. وقد وفّر هذا الموقف غطاءً لاستمرار الانتهاكات ضد النساء والأطفال والصحفيين، رغم وجود مواثيق وقوانين دولية تنص على حمايتهم أثناء النزاعات المسلحة.
الموقف الغربي من انتهاكات حقوق المرأة في لبنان
لا يختلف واقع المرأة اللبنانية خلال الحرب الأخيرة كثيراً عن واقع المرأة الفلسطينية، حيث تواصلت الانتهاكات “الإسرائيلية” وما رافقها من عمليات قتل ونزوح قسري. وقد حذرت الأمم المتحدة من استمرار قتل النساء وتشريدهن في لبنان رغم دخول اتفاقات وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، مؤكدة أن النساء والفتيات ما زلن يواجهن مخاطر جسيمة أثناء محاولتهن العودة إلى مناطقهن(⁵).
دلالات السياسة الغربية الحقوقية المتباينة
تشير المقارنة بين المواقف الغربية تجاه إيران وأفغانستان من جهة، وغزة ولبنان من جهة أخرى، إلى وجود انتقائية واضحة في توظيف ملف حقوق المرأة داخل السياسة الغربية. فبينما يتم تصعيد الخطاب الحقوقي وفرض العقوبات عندما يتعلق الأمر بدول لا تتماشى مع المصالح الغربية، يتم التغاضي عن انتهاكات جسيمة عندما تكون مرتبطة بحلفاء استراتيجيين. كما يكشف ذلك أن ملف حقوق المرأة يُستخدم أحياناً كوسيلة ضغط سياسي أكثر من كونه التزاماً حقيقياً بمبادئ حقوق الإنسان والعدالة الدولية.
خاتمة
تكشف الدراسة أن الخطاب الحقوقي الغربي يتسم بازدواجية واضحة في التعامل مع قضايا حقوق المرأة، حيث تختلف حدة المواقف والإجراءات تبعاً للمصالح السياسية والاستراتيجية، لا تبعاً لطبيعة الانتهاكات ذاتها.
ويؤكد ذلك الحاجة إلى إعادة الاعتبار لمبدأ عالمية حقوق الإنسان بعيداً عن التوظيف السياسي الانتقائي، مع ضرورة تفعيل آليات العدالة الدولية بصورة متوازنة تشمل جميع الأطراف دون استثناء.




