الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

ديناميات الصراع الإيراني – الأميركي “الإسرائيلي” في ضوء منحنى مايكل لوند لتطور الصراعات

بقلم: نور نبيه جميل

باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

مقدمة

يشكل الصراع الإيراني-الأمريكي-“الإسرائيلي” أحد أكثر الصراعات المركبة في البيئة الدولية المعاصرة، إذ يجمع بين خصائص الصراع الجيوسياسي والصراع الأمني الأيديولوجي فضلًا عن صراع النفوذ الإقليمي في آن واحد. وتزداد خصوصية هذا النزاع لكونه لا يدور حول قضية واحدة محددة يمكن تسويتها عبر المفاوضات التقليدية، بل يتمحور حول رؤى متناقضة لمستقبل النظام الأمني في “الشرق الأوسط”. فالولايات المتحدة و”إسرائيل” ينظران إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية باعتبارها القوة الأكثر قدرة على تحدي الترتيبات الأمنية الإقليمية القائمة، بينما ترى إيران أن الوجود الأمريكي والتحالفات “الإسرائيلية” يمثلان المصدر الرئيس للتهديد الاستراتيجي لأمنها القومي. ومن هذا المنطلق فإن الصراع لا يتعلق بسلوك طرف تجاه طرف آخر فقط، وإنما يتعلق بتعارض مشاريع استراتيجية متنافسة تسعى كل منها إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية وفق تصوراتها الخاصة. ويعد منحنى مايكل لوند أحد أكثر الأدوات النظرية قدرة على تفسير تطور هذا النوع من الصراعات، لأنه لا يتعامل مع الصراع بإعتباره حالة ثابتة، بل بإعتباره عملية ديناميكية تنتقل بين مستويات مختلفة من التصعيد والانفراج.

 

الإطار النظري لمنحنى مايكل لوند

ينطلق مايكل لوند من فرضية أساسية مفادها أن الحروب لا تنشأ بصورة مفاجئة، وإنما تتطور تدريجياً عبر سلسلة من المراحل المتعاقبة. ويفترض المنحنى أن العلاقات بين الأطراف المتنازعة تمر بمسار تصاعدي يبدأ بحالة الاستقرار النسبي ثم ينتقل تدريجياً نحو التوتر والأزمة وصولاً إلى الحرب، قبل أن يبدأ لاحقاً بالانحدار نحو إدارة الصراع والتسوية. وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه يسمح للباحث بتحديد الموقع الحالي للصراع، وتقدير الاتجاهات المستقبلية المحتملة، واختيار الأدوات المناسبة للتعامل مع كل مرحلة.

ويفرق لوند بين خمسة مستويات رئيسة:

  1. السلام المستقر.

  2. السلام غير المستقر.

  3. النزاع المفتوح.

  4. الأزمة.

  5. الحرب.

ثم تبدأ مرحلة الانحدار عبر:

  • وقف التصعيد.

  • إدارة الصراع.

  • تسوية الصراع.

  • بناء السلام.

 

ومن منظور إدارة الصراعات فإن الانتقال من مرحلة إلى أخرى لا يحدث بسبب حدث منفرد، بل نتيجة تراكم متغيرات سياسية وعسكرية وأمنية ونفسية تؤدي تدريجياً إلى رفع مستوى التهديد المدرك لدى الأطراف. وتتجسد هذه المراحل  في الصراع الايراني-الامريكي-“الإسرائيلي” عبر الاتي:-

 

أولاً: السلام غير المستقر طويل الأمد (1979–2018)

 أن العلاقات الإيرانية-الأمريكية-“الإسرائيلية” لم تعرف مرحلة “السلام المستقر” بالمعنى الذي يقصده مايكل لوند. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979 تشكلت حالة مستمرة من العداء الاستراتيجي المتبادل، إلا أن هذا العداء ظل محكوماً بمنظومات الردع والاحتواء أكثر من كونه مواجهة عسكرية مباشرة. وعلى الرغم من الأزمات المتكررة التي شهدتها المنطقة، فإن الأطراف الثلاثة حافظت لعقود على مستوى من ضبط النفس الاستراتيجي حال دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، الأمر الذي يجعل توصيف هذه المرحلة أقرب إلى “السلام غير المستقر طويل الأمد” أو “العداء المنظم” الذي تميز بوجود خصومة بنيوية دائمة دون انتقال إلى مواجهة عسكرية مباشرة شاملة.

 

 

ثانياً: مرحلة تآكل الردع وبداية التصعيد البنيوي (2018–2023)

تمثل هذه المرحلة نقطة التحول الأكثر أهمية في مسار الصراع قبل أحداث السابع من تشرين الاول، لأنها شهدت انتقال العلاقات الإيرانية-الأمريكية-“الإسرائيلية” من حالة الردع المستقر نسبياً إلى مرحلة بدأ فيها التوازن القائم يفقد قدرته على ضبط سلوك الأطراف. ففي أدبيات إدارة الصراعات لا يحدث التصعيد عادة بسبب حادثة واحدة، بل نتيجة تراكم تدريجي لعوامل تؤدي إلى تآكل فعالية الردع القائم وإضعاف الثقة بقدرته على منع المواجهة. وقد شكل الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018 نقطة الانطلاق لهذا التحول، إذ لم يُنظر إليه في طهران بوصفه مجرد تغيير في السياسة الأمريكية، بل باعتباره مؤشراً على هشاشة التفاهمات الاستراتيجية وإمكانية التراجع عنها وفق المتغيرات السياسية الداخلية الأمريكية. ومنذ تلك اللحظة بدأت إيران بإعادة تقييم افتراضاتها المتعلقة بأمنها القومي، في حين بدأت الولايات المتحدة و”إسرائيل” بالنظر إلى الضغوط الاقتصادية والعسكرية بوصفها أدوات قادرة على تغيير السلوك الإيراني أو تقليص قدرته على التأثير الإقليمي.

وأدى ذلك إلى نشوء ما يمكن تسميته “حلقة التصعيد المتبادل”. فكل إجراء اتخذه أحد الأطراف لتعزيز أمنه أو تحسين موقعه التفاوضي فُسر من الطرف الآخر باعتباره خطوة هجومية تستدعي الرد. وهنا ظهرت معضلة الأمن بصورة واضحة، فالتوسع الإيراني في تطوير القدرات الصاروخية وتعزيز الشراكات الإقليمية عُدّ في “إسرائيل” والولايات المتحدة دليلاً على نوايا توسعية، بينما اعتبرت إيران أن العقوبات والاغتيالات والضربات المحدودة تمثل محاولة لإضعاف قدرتها الردعية تمهيداً لفرض ترتيبات إقليمية جديدة.

وفي هذه المرحلة لم يكن الصراع قد تحول بعد إلى مواجهة مفتوحة، لكنه تجاوز مرحلة العداء المنضبط. فقد بدأت أدوات الحرب غير المباشرة تأخذ مكانة متزايدة في سلوك الأطراف، سواء عبر العمليات السيبرانية أو الضربات المحدودة أو استهداف المصالح الاقتصادية والعسكرية. وهكذا أخذ الصراع يتحرك تدريجياً صعوداً على منحنى لوند باتجاه المنطقة الفاصلة بين السلام غير المستقر والصراع المفتوح، حيث أصبحت احتمالات التصعيد أعلى من قدرة الردع التقليدي على احتوائها. والأهم من ذلك أن هذه المرحلة شهدت تحولاً في طبيعة التفكير الاستراتيجي “الإسرائيلي” نفسه. فبدلاً من التركيز على احتواء التهديدات القائمة، بدأ يتبلور اتجاه يدعو إلى تقليص مصادر التهديد قبل أن تتحول إلى وقائع يصعب التعامل معها مستقبلاً. وهذا التحول الفكري سيظهر بصورة أكثر وضوحاً في المرحلة التالية.

 

ثالثاً: مرحلة الصراع المفتوح وإعادة تعريف التهديد (2023–2025)

إذا كانت مرحلة 2018–2023 قد شهدت تآكل الردع، فإن أحداث السابع من تشرين الأول  2023 مثلت اللحظة التي انهارت فيها كثير من الافتراضات الأمنية التي حكمت المنطقة لعقود. ففي دراسات إدارة الصراعات توجد أحداث توصف بأنها أحداث تحويلية، أي أحداث لا تغير ميزان القوى فقط، بل تغير طريقة إدراك الأطراف للواقع الأمني برمته. وهذا ما حدث في الحالة “الإسرائيلية” فبعد السابع من تشرين الأول لم يعد النقاش داخل المؤسسة الأمنية “الإسرائيلية” يدور حول كيفية إدارة المخاطر، وإنما حول كيفية إزالة مصادرها ومنع تكرارها مستقبلاً. ومن هنا بدأ الانتقال من استراتيجية الاحتواء إلى استراتيجية إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة “بإسرائيل”.

وانعكس ذلك على طبيعة الصراع مع  الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فبدلاً من النظر إلى طهران باعتبارها داعماً لقوى إقليمية معادية، بدأت تُعامل بوصفها مركز شبكة التهديد الإقليمي بأكملها. ونتيجة لذلك توسعت ساحة النزاع جغرافياً لتشمل عدة جبهات متزامنة، وأصبحت العمليات العسكرية جزءاً طبيعياً من إدارة الصراع اليومية. وفي هذه المرحلة انتقل النزاع فعلياً إلى ما يسميه لوند “النزاع المفتوح”، اذ لم تعد المواجهات استثنائية أو مرتبطة بظروف محددة، بل أصبحت مكوناً ثابتاً في العلاقات بين الأطراف. كما بدأت حسابات الردع التقليدية بالتراجع أمام اعتبارات أكثر ارتباطاً بإعادة صياغة التوازنات الإقليمية. ومن منظور إيراني، عززت هذه التطورات القناعة بأن الهدف لم يعد احتواء النفوذ الإيراني فقط، بل تقليصه بصورة جذرية وإعادة توزيع القوة في الإقليم بطريقة تحد من قدرة طهران على التأثير. ولذلك ازداد تمسك إيران بأدوات الردع التي تمتلكها، ما أدى إلى مزيد من التصعيد المتبادل.

 

رابعاً: مرحلة الأزمة (2025–2026)

تمثل الأزمة الاستراتيجية المرحلة التي تصبح فيها الحرب احتمالاً واقعياً وليس مجرد سيناريو نظري. وفي هذه المرحلة يصل إدراك التهديد لدى الأطراف إلى مستويات مرتفعة تجعل القرارات السياسية والعسكرية محكومة بمنطق الوقت والضرورة أكثر من كونها محكومة بالحسابات الطويلة الأمد. وقد تميزت هذه المرحلة بظهور ثلاثة تحولات أساسية.

التحول الأول تمثل في تضاؤل فاعلية الأدوات الدبلوماسية. فالقنوات السياسية لم تعد قادرة على معالجة أسباب النزاع أو احتواء تداعياته، الأمر الذي جعل الخيارات العسكرية أكثر حضوراً في حسابات صناع القرار.

أما التحول الثاني فتمثل في ازدياد الحشد العسكري الإقليمي والدولي. ففي هذه المرحلة لم تعد القوات العسكرية تتحرك لإرسال رسائل سياسية فقط، بل أصبحت تستعد فعلياً لاحتمالات المواجهة المباشرة. وهذا مؤشر كلاسيكي في أدبيات إدارة الصراعات على اقتراب النزاع من مرحلة الحرب.

أما التحول الثالث والأخطر فقد تمثل في انتقال الأطراف إلى إدراك متبادل للتهديد الوجودي. “فإسرائيل” بدأت تنظر إلى بعض القدرات الإيرانية باعتبارها تهديداً لا يمكن التعايش معه على المدى البعيد، بينما رأت إيران أن التحركات الأمريكية و”الإسرائيلية” تستهدف تقويض مكانتها الإقليمية بصورة استراتيجية. وعندما يبدأ كل طرف بالنظر إلى الطرف الآخر بوصفه تهديداً لوجوده أو لمستقبله الاستراتيجي، يصبح هامش التسوية أضيق بكثير وتصبح احتمالات الحرب أعلى. وهكذا وصل الصراع إلى قمة منحنى لوند تقريباً، حيث تصبح الأزمة بوابة مباشرة نحو المواجهة العسكرية الواسعة.

 

خامساً: مرحلة الحرب وإعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية (2026)

تمثل هذه المرحلة الذروة الحالية لمسار التصعيد. غير أن فهمها يتطلب تجاوز التصورات التقليدية للحرب بوصفها مواجهة تهدف إلى احتلال الأراضي أو إسقاط الأنظمة. فالحرب في الحالة الإيرانية-الأمريكية-“الإسرائيلية” تحمل طابعاً أكثر تعقيداً يرتبط بإعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية.

فمن منظور “إسرائيل والولايات المتحدة لا يتمثل الهدف الرئيس في تحقيق نصر عسكري تقليدي بقدر ما يتمثل في تعديل ميزان القوى وتقليص القدرات التي يُعتقد أنها تهدد الاستقرار الإقليمي أو التفوق العسكري “الإسرائيلي”. ولذلك فإن الحرب الحالية تركز بصورة كبيرة على استهداف القدرات والبنى التحتية والشبكات العسكرية أكثر من تركيزها على السيطرة الجغرافية. أما من منظور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن جوهر الاستراتيجية يتمثل في منع خصومها من تحقيق أهدافهم السياسية عبر رفع كلفة الحرب إلى أقصى حد ممكن. ولهذا تعتمد طهران على مزيج من الصمود الاستراتيجي والاستنزاف طويل الأمد وتوسيع نطاق الضغوط غير المباشرة. ومن هنا فإن المرحلة الحالية لا تمثل حرباً بالمعنى التقليدي فقط، بل تمثل صراعاً على شكل النظام الأمني الإقليمي نفسه. فالسؤال الحقيقي لم يعد من سينتصر عسكرياً، وإنما أي رؤية للأمن الإقليمي ستفرض نفسها بعد انتهاء هذه الدورة من الصراع.

وبناءً على ذلك، فإن الموقع الحالي للصراع على منحنى لوند لا يقع عند نقطة الحرب فحسب، بل عند المنطقة الفاصلة بين الحرب وإدارة الصراع. فالأطراف ما زالت تستخدم القوة العسكرية بصورة واسعة، لكنها في الوقت نفسه بدأت تدرك أن الحسم الكامل قد يكون أكثر كلفة من الاستمرار في إدارة الصراع ضمن مستويات يمكن السيطرة عليها. ولهذا السبب يبدو أن الاتجاه الأكثر ترجيحاً ليس السلام الشامل ولا الحرب الشاملة، بل الدخول في مرحلة طويلة من الصراع المُدار والاستنزاف الاستراتيجي المتبادل. الشكل أدناه يفسر هذا التحليل

الشكل من إعداد الباحثة بالاعتماد على:
Michael S. Lund, Preventing Violent Conflicts: A Strategy for Preventive Diplomacy (Washington, DC: United States Institute of Peace Press, 1996),P 38.

 

المتغيرات الحاكمة لمسار الصراع على منحنى لوند

لا يمكن فهم الموقع الحالي للصراع الإيراني-الأمريكي-“الإسرائيلي” على منحنى مايكل لوند من خلال متابعة العمليات العسكرية المباشرة فقط، لأن مستوى النزاع لا يتحدد بحجم القوة المستخدمة فحسب، وإنما بمجموعة من المتغيرات البنيوية التي تدفع الأطراف نحو التصعيد أو تضبط اندفاعها نحوه. لذلك فإن قراءة المرحلة الراهنة تقتضي النظر إلى مجموعة من العوامل الجيوسياسية والعسكرية والاقتصادية التي أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في مسار الصراع ومستقبله.

وفي مقدمة هذه العوامل يبرز البعد الجغرافي-الأمني الذي يشكل أحد المرتكزات الأساسية للتفكير الاستراتيجي “الإسرائيلي”. فمنذ عقود لم تعد “إسرائيل” تنظر إلى أمنها القومي من خلال حدودها السياسية فقط، وإنما من خلال ما تسميه العمق الأمني ومناطق الإنذار المبكر ومجالات منع التهديد قبل وصوله إلى الحدود الفعلية للدولة. وفي هذا السياق يكتسب جنوب لبنان ونهر الليطاني أهمية استثنائية في العقل الأمني “الإسرائيلي”، إذ يُنظر إلى المنطقة الواقعة بين الحدود “الإسرائيلية” والليطاني باعتبارها حزاماً أمنياً متقدماً يؤثر بصورة مباشرة في قدرة “إسرائيل” على تحقيق الردع. ومن هنا فإن أي وجود عسكري لقوى حليفة لإيران في هذه المنطقة لا يُفهم “إسرائيلياً” باعتباره مجرد تموضع ميداني، بل يُفسر على أنه مساس بالتوازن الأمني الاستراتيجي. وفي المقابل ترى إيران أن السعي “الإسرائيلي” لدفع القوى المتحالفة معها إلى ما وراء الليطاني ليس إجراءً دفاعياً، بل محاولة لإعادة صياغة البيئة الأمنية الإقليمية بصورة تقلص نفوذها الاستراتيجي. وهكذا يتحول العامل الجغرافي إلى مولد دائم للتوتر يسهم في إبقاء الصراع ضمن مستويات مرتفعة على منحنى لوند.

ويرتبط بذلك عامل آخر يتمثل في شبكة القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا. فمن المنظور الأمريكي تمثل هذه القواعد أدوات للردع وحماية خطوط الملاحة والطاقة ودعم الحلفاء الإقليميين، إلا أن الإدراك الإيراني يختلف بصورة جوهرية، إذ تنظر طهران إلى هذا الانتشار العسكري باعتباره بنية هجومية محتملة يمكن استخدامها ضدها في أي لحظة. وتكمن خطورة هذا العامل في أنه يعكس ما تعرفه أدبيات العلاقات الدولية بمعضلة الأمن، حيث تُفسر الإجراءات الدفاعية لطرف ما باعتبارها استعدادات هجومية من قبل الطرف الآخر. ونتيجة لذلك يصبح وجود القواعد العسكرية عاملاً مزدوجاً، فهو يقلل احتمالات الانهيار الفوري للردع، لكنه في الوقت ذاته يرفع مستوى الشك المتبادل ويجعل إمكانية الانتقال من الأزمة إلى المواجهة المباشرة قائمة بصورة مستمرة.

ولا يقل العامل الاقتصادي أهمية عن العامل العسكري في تفسير طبيعة المرحلة الحالية من الصراع. فالعقوبات الاقتصادية المفروضة على الجمهورية الإسلاميةالإيرانية لم تعد مجرد أدوات ضغط دبلوماسي، وإنما تحولت إلى أحد ميادين الصراع الاستراتيجي نفسه. فواشنطن تسعى من خلال الضغوط المالية والتجارية إلى تقليص قدرة إيران على تمويل برامجها العسكرية وشبكات نفوذها الإقليمية، بينما تحاول طهران تطوير استراتيجيات تكيف تقلل من تأثير هذه الضغوط وتزيد كلفة استمرارها على خصومها. ومن منظور إدارة الصراعات فإن الاستنزاف الاقتصادي يمثل أحد أخطر العوامل المؤثرة في مسار النزاعات، لأنه قد يدفع الأطراف إلى التفاوض إذا أصبحت كلفة المواجهة غير محتملة، لكنه قد يدفعها أيضاً إلى مزيد من التصعيد إذا رأت أن التراجع سيؤدي إلى خسائر استراتيجية أكبر من خسائر المواجهة نفسها.

ويضاف إلى ذلك تأثير متغير القيادة السياسية وصناعة القرار داخل الولايات المتحدة. فعلى الرغم من أن المصالح الاستراتيجية الأمريكية الكبرى تتمتع بدرجة عالية من الاستمرارية، إلا أن شخصية الرئيس والإدارة الحاكمة تؤثر في سقف المخاطرة المقبول وفي طبيعة الاستجابة للأزمات. فبعض الإدارات تميل إلى توسيع الردع العسكري وإظهار القوة، بينما تفضل إدارات أخرى إعطاء مساحة أكبر للأدوات الدبلوماسية. غير أن هذا العامل يبقى مقيداً بدور المؤسسات الأمريكية الأخرى، وعلى رأسها الكونغرس، الذي يساهم عبر التشريعات المتعلقة بالعقوبات والإنفاق الدفاعي والمساعدات العسكرية في رسم حدود الحركة المتاحة أمام السلطة التنفيذية. ولذلك فإن أي محاولة لفهم السياسة الأمريكية تجاه إيران تقتضي النظر إلى التفاعل بين الرئاسة والمؤسسة التشريعية بوصفهما جزءاً من بنية استراتيجية واحدة لا يمكن فصل عناصرها عن بعضها على الرغم من الخوف من طبيعية ترامب وخطابه الشعبوي.

ومن جهة أخرى، يفرض أمن الطاقة العالمي نفسه باعتباره أحد أكثر المتغيرات حساسية في الصراع الراهن. فمضيق هرمز لا يمثل مجرد ممر بحري إقليمي، بل يشكل أحد الشرايين الرئيسة لتدفق الطاقة نحو الأسواق العالمية. وبالتالي فإن أي تهديد محتمل للملاحة فيه لا ينعكس على الأطراف المباشرة للنزاع فقط، بل يمتد ليؤثر في الاقتصاد العالمي بأسره من خلال أسعار النفط والغاز وسلاسل التوريد الدولية. ولهذا السبب فإن قضية هرمز تضفي بعداً دولياً على الصراع وتجعل القوى الكبرى أكثر انخراطاً في متابعة تطوراته. ومن المفارقات أن هذا العامل يؤدي دوراً مزدوجاً، فهو يحد من اندفاع الأطراف نحو حرب شاملة بسبب الكلفة الاقتصادية الهائلة التي قد تترتب عليها، لكنه في الوقت نفسه يزيد تعقيد الصراع من خلال إدخال أطراف دولية إضافية إلى معادلة الصراع.

أما على المستوى الإقليمي، فإن مواقف الحلفاء والشركاء الاستراتيجيين للأطراف المتصارعة تمثل عاملاً إضافياً يؤثر في مسار النزاع. فالدول العربية وتركيا والقوى الإقليمية الأخرى لا تنظر إلى الصراع من زاوية واحدة، بل تتباين حساباتها تبعاً لأولوياتها الأمنية والاقتصادية. وهذا التباين يخلق ضغوطاً متناقضة على صناع القرار في واشنطن و وطهران، بحيث يصبح من الصعب بناء استراتيجية تصعيد أو تهدئة تحظى بدعم إقليمي كامل. ومن ثم فإن البيئة الإقليمية لا تعمل فقط كساحة للصراع، وإنما بوصفها متغيراً مستقلاً يساهم في تحديد اتجاهاته ومستوى حدته.

 

الاستنتاج الاستراتيجي

يكشف تطبيق منحنى مايكل لوند أن الصراع الإيراني-الأمريكي-“الإسرائيلي” لم يعد مجرد نزاع حول البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي، بل أصبح صراعاً حول شكل النظام الأمني “للشرق الأوسط” بعد 7 تشرين الأول  2023. ومن هنا فإن جوهر النزاع لم يعد متعلقاً بالقدرات العسكرية فقط، بل يتعلق بإعادة تعريف التوازنات الإقليمية نفسها. “فإسرائيل” تسعى إلى تثبيت بيئة أمنية جديدة تمنع ظهور أي قوة قادرة على تهديد تفوقها الاستراتيجي، بينما تسعى إيران إلى منع تشكل نظام إقليمي يستبعدها أو يحد من قدرتها على التأثير.

لذلك فإن أخطر ما يكشفه منحنى لوند ليس أن الأطراف وصلت إلى مرحلة الحرب، بل أن الأسباب البنيوية التي دفعتها إلى الحرب ما تزال قائمة. وعندما تبقى الأسباب البنيوية دون معالجة، فإن الانتقال من الحرب إلى إدارة الصراع لا يعني نهاية النزاع، وإنما يعني فقط دخوله في دورة جديدة من التنافس الاستراتيجي قد تنتج أزمات وحروباً أخرى مستقبلاً. وهذا يجعل المرحلة الحالية أقرب إلى إعادة تشكيل للتوازن الإقليمي منها إلى مجرد مواجهة عسكرية عابرة، وهو ما يمنحها أهمية استثنائية في دراسة تطور الصراعات الدولية المعاصرة.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى