الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
التغير في الانتشار العسکري لحزب العمال الکردستاني في إقليم کردستان
قراءة لانتقال مرکز الثقل العسکري من الحدود الترکية إلى شرق الإقليم

بقلم: بختيار أحمد صالح
باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
تتناول هذه الورقة التغييرات الهيکلية والإستراتيجية في الانتشار العسکري لحزب العمال الکردستاني (PKK) داخل إقليم کردستان – العراق. وتسلط الضوء على عملية الانتقال البطيئة والمستمرة لمرکز الثقل العسکري والبنية التحتية من المناطق الحدودية الشمالية (الحدود الترکية – العراقية) إلى الشرق في إقليم کردستان (ولا سيما مناطق أسوس، ماوت، بنجوين، وحلبجة). تعتمد الورقة على ثلاثة محاور رئيسية لتدقيق الأحداث وتفسيرها: الضغوط العسکرية الترکية، الدبلوماسية الإقليمية وعملية السلام، والتغيرات في معادلة القوة الداخلية في إقليم کردستان.
إن ظاهرة نقل القواعد والمواقع العسکرية للحرکات المسلحة تحت ضغط الدول المجاورة أو تغيّر البيئة السياسية ليست حدثاً جديداً في الحروب اللامتکافئة. في العقود الماضية، اعتمد حزب العمال الکردستاني على إنشاء خط دفاعي عميق في المناطق الجغرافية الوعرة على الحدود العراقية – الترکية (مثل هفتان، الزاب، متينا، غاري، وخواکورک). غير أن هذا الانتشار واجه ضربة إستراتيجية کبيرة نتيجة العمليات المستمرة للجيش الترکي والتغيرات في الإستراتيجية الإقليمية.
السؤال الرئيسي: هل يُعد انتقال قوات حزب العمال الکردستاني إلى شرق الإقليم انسحاباً تکتيکياً أم تکيفاً جيوسياسياً وبداية لمرحلة جديدة من الحرب التنظيمية؟
-
المحرکات الرئيسية لتغيير الانتشار
-
الانسداد العسکري والعقيدة العسکرية الترکية الجديدة: منذ عام 2019، أعلنت أنقرة عقيدة عسکرية جديدة تقوم على رکنين أساسيين: الدفاع خارج الحدود والتفوق تکنولوجي من خلال الطائرات المسيرة ومراکز الاستخبارات.
-
السيطرة الميدانية: أدى إنشاء العشرات من القواعد العسکرية الثابتة في زاخو، العمادية، گارە وخواکورک إلى قطع خطوط التواصل بين الکوادر والمخيمات.
-
الحصار الجغرافي: أدى استخدام استطلاعات الدرون إلى تقييد الحرکة الحرّة تماماً، مما أفقد مفهوم “الدفاع تقليدي في الجبال الحدية” فعاليت.
2. دبلوماسية السلام وتوزيع الأدوار: في حال وجود عملية سلام أو مفاوضات جارية، يواجه حزب العمال الکردستاني مفترق طرق:
أ. الوجه السياسي: تحول التنظيم إلى النشاط السياسي داخل ترکيا.
ب. الوجه العسکر: نقل البنية التحتية الصلبة إلى مکان أکثر أماناً للحفاظ عليها واستخدامها کأوراق ضغط في حال فشل عملية السلام.
3. الانتشار الجيوسياسي الجديد: إن الخريطة الجديدة لإعادة انتشار حزب العمال الکردستاني ليست مجرد إخلاء للمواقع، بل هي إعادة هيکلة جغرافية لقوس الدفاع الممتد عبر المرتفعات الشرقية للإقليم: قنديل، قلعة دزة، جبال أسوس، ماوت، بنجوين، حلبجة. الخصائص الجيو-عسکرية للمناطق اعلاه:
-
الترابط التوبوغرافي: توفر السلاسل الجبلية العالية في هذه المناطق ممرات طبيعية وخفية لحرکة المشاة.
-
القرب من الحدود الإيرانية: الجوار المباشر للحدود الإيرانية يخلق تعقيدات أمام الطائرات والمسيرات الترکية، إذ إن العمليات الجوية في عمق هذه المناطق قد تصطدم بعوائق دبلوماسية وأمنية مع طهران.
-
تکتيک حرب الأنفاق: تشير التقارير إلى استخدام تقنيات حفر الأنفاق وإنشاء بنية تحتية شديدة العمق في مناطق مثل حلبجة وأسوس، مما يشکل العمود الفقري لإستراتيجية الدفاع الجديدة.
-
المعادلة السياسية الداخلية والعلاقات الإقليمية: العلاقة مع الاتحاد الوطني الکردستاني: مرت العلاقات بين حزب العمال والاتحاد الوطني بعدة مراحل:
-
تعزيز النفوذ (بعد عام 2012): بالتزامن مع تعقد الأوضاع في سوريا وتزايد التنافس السياسي مع الحزب الديمقراطي الکردستاني (KDP)، أصبحت منطقة نفوذ الاتحاد الوطني بيئة أکثر ملاءمة للتنظيم.
-
ضغط أنقرة والعقبات الدبلوماسية: في الآونة الأخيرة، تفعّلت قنوات الحوار رفيعة المستوى بين القيادة الجديدة للاتحاد الوطني (بافل طالباني وقباد طالباني) والمسؤولين الأمنيين في ترکيا. ويشير هذا إلى محاولة الاتحاد الوطني خلق مساحة للمناورة السياسية بين مطالبات أنقرة وواقع وجود حزب العمال في مناطقه.
-
5. الموقف الترکي
يُلاحظ أن أنقرة ترکز بشکل أساسي على قطع صلة حزبة العمال بالشمال و تطهير المناطق الحدودية المباشرة ، وقد يکون الصمت أو الرد المحدود لترکيا تجاه التموضع العميق للحزب في أسوس وحلبجة يعود إلى بعد هذه المناطق عن حدودها المباشرة، أو لإبقاء الخيارات الدبلوماسية مفتوحة مع السليمانية.
-
التقييم والآثار الإستراتيجية
البُعد |
مقارنة الانتشار القديم (الحدود الشمالية) |
مقارنة الانتشار الجديد (شرق الإقليم) |
الهدف |
الهجوم المباشر والعبور نحو الداخل الترکي |
الحفاظ على القوة، البقاء التنظيمي، وتطوير البنية التحتية |
التکنولوجيا |
المواجهة المباشرة مع المسيرات والقواعد الثابتة |
الاختباء والتخفي عبر الأنفاق والحدود الإيرانية |
الدور الجيوسياسي |
تهديد مباشر للحدود الترکية |
عامل مؤثر في المعادلة الأمنية بين السليمانية وبغداد و طهران
|
خاتمة
إن نقل مرکز الثقل العسکري لحزب العمال الکردستاني إلى شرق إقليم کردستان ليس حدثاً مؤقتاً أو تکتيکياً محضاً، بل هو یعبر لشکل جيو-سياسي جديد في سلوک هذا التنظيم.
حزب العمال الکردستاني لا يتخلى عن سلاحه، بل ينقل موقعه من منطقة “لصدام المباشر إلى منطقة التخفي والحفظ الإستراتيجي”. هذا التغيير قد تکون لە آثار عميقة على:
-
مستقبل العلاقات بين السليمانية وأنقرة.
-
ميزان القوى الداخلي بين القوى الکردية.
-
ظهور مرحلة جديدة من الصراعات الأمنية في “الشرق الأوسط” في حال فشل أي عملية سياسية أو مبادرة سلام.



