الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

الإستخدام العسكري لنظم الذكاء الإصطناعي

بقلم: الباحث علي نعيم داود

 

 

يشهد العالم اليوم تحولات جذرية في طبيعة الصراعات المسلحة، اذ باتت تقنيات الذكاء الإصطناعي تعيد رسم ملامح الميدان العسكري بصورة غير مسبوقة. فمن الأسلحة المستقلة والطائرات من دون طيار، الى أنظمة استطلاع المعلومات وتحليل البيانات الضخمة، أصبح الذكاء الإصطناعي ركيزة اساسية في استراتيجيات الدفاع والهجوم لدى القوى الكبرى والدول الصاعدة على حد سواء. ولم تعد هذه التقنيات حكراً على الدول العظمى، بل امتدت لتشمل فاعلين من مختلف مستويات القدرة العسكرية، مما افرز معادلات امنية معقدة تتداخل فيها الابعاد التقنية والاخلاقية والقانونية والاستراتيجية. وتسعى هذه الورقة البحثية إلى استعراض أبرز تطبيقات الذكاء الإصطناعي في المجال العسكري، وتحليل انعكاساتها على الأمن والاستقرار الدوليين، مع الإشارة الى اهم النماذج التطبيقية والتحديات المصاحبة لها.

 

انظمة الاسلحة المستقلة

انظمة الاسلحة المستقلة هي فئة خاصة من انظمة الاسلحة التي تستخدم مجموعات اجهزة الاستشعار وخوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحديد الهدف على نحو مستقل، واستخدام نظام سلاح للاشتباك وتدمير الهدف من دون سيطرة بشرية يدوية على النظام ويمكن لأنظمة الاسلحة المستقلة تنفيذ العمليات في بيئات الاتصالات المتدهورة او المتدنية التي قد لا تكون فيها الانظمة التقليدية قادرة على العمل. وتأخذ هذه الاسلحة عدة اشكال رئيسة، منها الروبوتات العسكرية، التي تستطيع القيام بمهمات متنوعة داخل ارض المعركة، ومنها ايضا الطائرات المسيرة من دون طيار وسيتم توضيحها على النحو الاتي:

 

 

  1. الروبوتات العسكرية: تتعدد اشكال الروبوتات العسكرية واحجامها ووظائفها، وفقا للهدف منها في المعركة العسكرية فمنها المسؤول عن عمليات المناورة واخلاء الجنود، والتي تتحمل الظروف القاسية مثل الدخان الكثيف ودرجات الحرارة العالية، ومنها الروبوتات المسؤولة عن الاشتباك ورمي القذائف، ومنها المسؤول عن الكشف عن الالغام والمتفجرات، واحد هذه الاشكال هو “النظام المعياري المتقدم للروبوتات المسلحة” على الرغم من صغر حجم هذه الروبوتات، فأنها تستطيع اداء مهمات متنوعة منها اطلاق النيران بكثافة على هدف ما، او توجيه الليزر على الاهداف لإصابتها بالعمى وعدم القدرة على التمييز، او اطلاق القذائف اليدوية والغاز المسيل للدموع ويجدر الذكر ان حجم صناعة الروبوتات العسكرية بلغ نحو 83،30 مليار دولار امريكي بنهاية عام 2022.

  2. الطائرات من دون طيار: تستخدم المركبات الجوية غير المأهولة (UAVs)، المعروفة باسم الطائرات من دون طيار، والمركبات الأرضية الذاتية القيادة، على نحو متزايد في عمليات المراقبة والإستطلاع والقتال. ويمكن الذكاء الإصطناعي هذه الآلات من التنقل عبر التضاريس المعقدة، وتحديد الاهداف، وتنفيذ المهمات بأقل قدر من التدخل البشري وتنفذ هذه الطائرات مهمات عديدة، تشمل الوظائف اللوجستية، ومراقبة الحدود، وتتبع العواصف، واجراء عمليات التفتيش، وحمل الأمدادات والأسلحة والتعرف الى الأهداف الجوية، وقيادة المقاتلات الأعتراضية وتوجيهها، وعمليات الأنذار وعمليات الأستطلاع، أضافة الى الأنخراط في ساحات الصراع عبر تنفيذ مهمات قتالية.

  3. اسراب الطائرات المسيرة من دون طيار: تقوم فكرة اسراب هذه الطائرات على قيام مجموعة من الطائرات من دون طيار بالعمل على نحو جماعي، والتحرك بصورة ذاتية لتنفيذ مهمات قتالية، وتحديد مواضع الرادار، ومن ثم تدميرها وتستخدم وسيلة للخداع او التشويش اذ انه يصعب اسقاط هذه الطائرات بقذيفة واحدة، لصغر حجمها مقارنة بالطائرات التقليدية وقد عمل عدد من الدول على اختبار هذه التقنية فقد بلغ عددها، عام 2020، 38 دولة لديها برامج طائرات من دون طيار مسلحة، و28 دولة لديها برامج قيد التطوير، و11 دولة استخدمت هذه الطائرات في القتال.

 

 

المركبات المستقلة وشبه المستقلة

تقوم المركبات غير المأهولة شبه المستقلة بعمليات الاستطلاع، والتجسس، وجمع المعلومات، وتدمير الأهداف، لكن تحت اشراف بشري داخل غرف التحكم يستطيع ان يختار الهدف ويعطي اوامر إطلاق النار والتي تسمى أحيانًا بنظم التسليح المستقلة الخاضعة للإشراف Supervised autonomous weapon system. وهناك ايضا المركبات غير المأهولة المستقلة تماماً/ ذاتية التشغيل الكامل Fully Autonomous Weapon، حيث تقوم بجميع هذه المهام دون اي تدخل بشري على الاطلاق اثناء تنفيذ المهمة، سواء كان ذلك تحديد الهدف أو تدميره أو حتى تجاهله، وذلك عبر نظم الذكاء الأصطناعي، ومن اشكال هذه المركبات:

 

 

  1. الدبابات غير المأهولة: وتشمل انواعاً مختلفة من المركبات الصغيرة او الكبيرة التي تقوم بمهام متنوعة، وهي سلاح قديم الأستخدام نسبياً في المعارك العسكرية، ويرجع ذلك الى عام 2000، حينما ادخل الجيش الأمريكي الدبابة المسيرة Ripsaw MS1 داخل الخدمة، وتميزت بكونها خفيفة ومهامها محدودة تتبع في الغالب مركبات عسكرية اخرى يقودها الجنود، ويتحكمون فيها عن بعد. وتطوير هذه المركبات بات يسير بوتيرة متسارعة جداً، وظهرت انواع واشكال مختلفة من الدبابات الخفيفة الا ان مهامها كانت محدودة بصورة كبيرة، لكن في شباط 2019، دعا الجيش الأمريكي مجموعة من الخبراء في مجال الذكاء الأصطناعي والمركبات غير المأهولة، لتطوير دبابات غير مأهولة ذاتية القيادة بأوزان خفيفة واسعار مقبولة، قادرة على التعامل مع الأهداف العسكرية المتنوعة بصورة مستقلة، لإنشاء جيش من هذه المركبات التي يمكن ان تعمل بصورة متجانسة ومتناغمة معاً.

  2. الغواصات المسيرة: في نيسان 2016 احتفلت البحرية الأمريكية بإطلاق اول غواصة غير مأهولة من نوعها في العالم، مهمتها الرئيسية هي البحث عن أهداف في اعماق البحار وتدميرها، وتم تسميتها بإسم صائد البحر Sea Hunter، يبلغ طولها 132 قدماً، ومع ذلك يمكنها ان تبحر لشهور دون ان يكون أحد على متنها على الأطلاق، وتقوم بالكشف عن غواصات الأعداء، وارسال تقارير الى غرف التحكم بمواقعهم وكافة بياناتهم في انتظار رد للأشتباك مع الهدف او لا.

 

الأستخبارات وتحسين عملية اتخاذ القرار

تحلل نظم الذكاء الأصطناعي كل المعلومات المتوافرة من الأقمار الصناعية، وكاميرات المراقبة، ومواقع التواصل الأجتماعي، ومواقع الأنترنت، وتطبيقات جمع المعلومات الشخصية والحسابات البنكية، واجهزة الأستشعار الخاصة بجمع المعلومات المنتشرة في الشوارع والسيارات الذكية، فضلاً عن المعلومات المتوافرة في الصحف والدوريات، والقنوات التلفزيونية، ومحطات الراديو، والكتب والمجلات وعبر تحليل هذا الكم الكبير من البيانات الضخمة، يمكن تقديم تحليلات وسيناريوهات انية وفورية، تأخذ في الأعتبار التغيرات السريعة التي اصبحت سمة رئيسة لهذا العصر، وتتماشى مع حالة عدم اليقين التي سيطرت على تحليل كثير من الظواهر الأمنية، بما يساعد في النهاية في تحسين عملية اتخاذ القرار ومساندة القوات العسكرية في الميدان، لا سيما من خلال:

 

  1. تقديم الدعم المعلوماتي والأستخباراتي: وذلك من خلال توفير معلومات آنية حول الظروف المحيطة بالقوات على الأرض، سواء من خلال الصور التي توفرها بعض مواقع الأنترنت والأقمار هذه المناطق او من خلال التغريدات والتعليقات والفيديوهات الشخصية والمشاركات التي يقوم بها سكان المناطق التي تحدث فيها العمليات العسكرية على مواقع التواصل الأجتماعي والمواقع الأخبارية، وتحليلها عبر نظم الذكاء الأصطناعي، وتقديم توصيات فورية للجنود في الميدان العسكري.

  2. تقديم الدعم اللوجستي: يمكن ان تحصل القوات العسكرية على المعلومات الضرورية التي تحتاج اليها عبر نظم الذكاء الأصطناعي التي تقوم على جمع المعلومات من المصادر العلنية وتحليلها، مثل اماكن وجود المياه في بعض المناطق للقوات العسكرية، ودرجة الحرارة ونسبة الرطوبة وخط مسافات البصر، فضلاً عن توفير معلومات حول البنية التحتية المدنية ومحطات الطاقة، والطرق الممهدة والمعبدة، وقدرة الجسور والكباري على التحمّل، والطاقة الأستيعابية للموانئ، والأماكن المؤهلة لهبوط الطائرات، ومناطق الأمداد الجوي، والبنية التحتية الألكترونية والحوسبية، مثل خطوط الأتصالات والأنترنت.

  3. تقدير درجة الأستقرار الأمني في احدى المناطق: فمن خلال نظم الذكاء الأصطناعي يمكن تحليل البيانات الضخمة التي يتسنى من خلالها تحديد درجة الأحتقان السياسي او عدم الأستقرار الموجود في منطقة ما، وذلك عبر رصد ردود فعل الأفراد وتوجهاتهم عبر مواقع التواصل الأجتماعي، وكذلك رصد تحركاتهم الميدانية في حالة وجود مظاهرات مثلاً من خلال اجهزة الأستشعار الموجودة في الشوارع، او من خلال نظم التعرف الى الوجوه.

 

 

التطبيقات العسكرية والأمنية للذكاء الأصطناعي: دراسة حالة من ساحات القتال

شهد استخدام الذكاء الأصطناعي (AI) في العمليات العسكرية تحولاً جذرياً، حيث انتقلت من إطار البحث والتطوير الى الأستخدام الفعلي والواسع النطاق في ساحات القتال الحقيقية، يعكس هذا التحول سباقاً عسكرياً تقنياً حاداً بين القوى العظمى، والذي لم يعد مجرد تخمين مستقبلي بل أصبح واقعاً قائماً.

وتظهر الأدلة ان الطائرات المسيرة بدون طيار والتي تعتمد على الذكاء الأصطناعي اصبحت السلاح الأكثر أهمية في الحروب. ففي اوكرانيا مثلاً، تم تطوير ونشر العديد من انظمة الذكاء الأصطناعي المتقدمة، وتستخدم القوات المسلحة الأوكرانية أنظمة محلية مثل “Kropyva” و “GIS Arta”، والتي تعرف بإسم “أوبر المدفعية” لأنها تدمج بيانات الرادارات ولقطات الطائرات المسيرة لتحديد مواقع القوات الروسية بدقة ومشاركة المعلومات مع وحدات المدفعية في الوقت الفعلي، بالاضافة الى ذلك، تتعاون اوكرانيا مع شركات غربية، حيث تقدم شركة Palantir Technologies الأمريكية انظمة تحليلية مسؤولة عن معظم عمليات التصويب في اوكرانيا ، كما تطور اوكرانيا أنظمة متقدمة اخرى، مثل (لافندر) الذي يستخدم لتقليل وقت تجميع الهجمات من ساعات الى دقائق عبر حساب احمال الذخيرة وتوزيع المهام على الطائرات المسيرة. اما “إسرائيل“، فقد برزت كدولة رائدة في تطوير واستخدام انظمة الذكاء الأصطناعي لأغراض عسكرية. فخلال الحرب على غزة، استخدم الجيش “الإسرائيلي” مجموعة من الأنظمة المتقدمة، من أبرزها:

 

  1. نظام حبصور (Gospel): الذي يستخدم لتحديد المباني المستهدفة بناء على بيانات استخباراتية ضخمة، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية واعتراض الأتصالات وأبراج المراقبة، ويتم توجيه التوصيات الناتجة الى المحللين البشريين لاصدار القرار النهائي، لكن سرعة النظام قد تجعل عملية التحقق شكلية.

  2. نظام لافندر (Lavender): وهو قاعدة بيانات ذكية تربط بين مصادر مختلفة لتحديد الافراد كأهداف محتملة، وقد أنتج هذا النظام قائمة بأكثر من 37000 شخص مدني في غزة يعتقد أنهم مرتبطتين بحركة حماس وباقي فصائل المقاومة، ووصف مصدر داخلي العملية بأنها مصنع الاغتيالات الجماعية.

 

الخاتمة

ان الذكاء الأصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة في الميدان العسكري، بل غدا محوراً رئيسياً تتشكل حوله استراتيجيات الحرب والسلام في القرن الحادي والعشرين.

فمن الروبوتات العسكرية والطائرات المسيرة المستقلة، الى انظمة تحديد الأهداف بالذكاء الأصطناعي كلافندر و Where’s Daddy، وصولاً الى تقنيات سرب الأسماك الصينية تتجلى بوضوح ملامح حروب المستقبل القائمة على الآلة والخوارزمية.

وعليه، تغدو الحاجة ملحة الى إطار دولي تنظيمي فاعل يقيد توظيف هذه الأنظمة ضمن معايير قانونية واخلاقية واضحة، ويكرس مبدأ المسؤولية البشرية في القرارات المصيرية المتعلقة بإستخدام القوة المميتة. اذ لا يمكن ان يترك مصير الأنسان رهينة لخوارزمية، مهما بلغت دقتها وكفاءتها.

 

المصادر
  1. ايهاب خليفة، الخوارزميات القاتلة العلاقات الدولية في عصر الذكاء الأصطناعي، القاهرة، العربي للنشر والتوزيع، ط الاولى، 2024.
  2. شريف شعبان مبروك، الاستخدامات العسكرية للذكاء الأصطناعي الفرص والتحديات، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، 2024.
  3. مجلس الوزراء المصري، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، استخدامات الذكاء الأصطناعي في المجال العسكري، العدد3، 2023.
  4. يحيى دايخ، دراسة: الذكاء الأصطناعي في المجال العسكري تطبيقات مخاطر وتحديات قانونية واخلاقية، مركز
سونار الاعلامي، تاريخ النشر 18 أيلول 2025، متاح على الراب الآتي:
https://share.google/nKMRZNyUZloEjR0m0

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى