الاكثر قراءةدراساتغير مصنف
حصر السلاح بيد الدولة بين الضغوط الدولية والمطالب الوطنية – ج 1
الجزء الأول

بقلم: د. مصدق عادل
كلية القانون/ جامعة بغداد
يعد موضوع حصر السلاح بيد الدول من اهم متطلبات بناء الدول المعاصرة التي تعتنق النظام الديمقراطي كأساس لتولي الحكم في ظل الوسيلة الوحيدة التي تعتنقها بشان اعتماد الانتخابات والاستفتاء بوصفهما الأسلوب الأمثل لتطبيق مبدأ التداول السلمي للسلطة.
وعلى الرغم من ان موضوع حصر السلاح بيد الدولة يعد من المواضيع التقليدية في مجال العلوم العسكرية والسياسية والقانونية، غير أن أهمية هذا الموضوع يكتسب أهمية متجددة ومعاصرة في العراق، وذلك للعديد من الأسباب لعل من أهمها استمرار الغموض القانوني بشأن تحديد التفرقة بين مفهوم الإرهـ ــاب وحق مقاومة المحتل ومدى انسجامه مع الرؤية الامريكية في ظل غياب تعريف دولي متفق عليه من جهة، فضلاً عن المتغيرات الدولية والإقليمية التي حصلت بعد الحرب الصهيوامريكية- الإيرانية عام 2026، وما كشف عنه من هشاشة وضعف البنى المؤسساتية والوظيفية للجهات المكلفة بتطبيق مبدأ سيادة القانون وحماية الأجواء والأراضي العراقية اثناء الحرب الدائرة من جهة أخرى، يضاف لذلك وجود العديد من التحديات العسكرية والقانونية التي تقف حائلاً امام التطبيق السليم لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة.
وتشير ابجديات القانون الدولي الى وجود ثوابت اممية تقرر شرعية نضال الشعوب من أجل التحرر من السيطرة الاستعمارية والأجنبية والاحتلال بجميع الوسائل المتاحة بما في ذلك الكفاح المسلح، وهو الامر الذي يثير مدى إضفاء شرعية على عملية نزع السلاح الذي تحمله بعض الجهات الرسمية في العراق كهيئة الحشد الشعبي وفصائل المقاومة الإسلامية في العراق في ظل استمرار وجود القوات الامريكية بالعمل في الأجواء العراقية، واشغال بعض القواعد العسكرية الامريكية لبعض الأراضي والأجواء الوطنية في إقليم كوردستان- العراق، ناهيك عن استمرار عمل التحالف الدولي لمحاربة د1عش رغم المطالبات النيابية والجماهيرية بأنهاء تواجد القوات الأجنبية من الأراضي والأجواء العراقية.
يضاف لما تقدم فإن هناك مشكلة داخلية ثانية تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة وهي وجود نصوص صريحة في دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تدعم القبائل والعشائر العراقية وقيمها الأصلية والتي من بينها اقتناء السلاح سواء تحت الاشراف الحكومي أو خارجه.
ومن اجل الوقوف على هذا المفهوم حصر السلاح بيد الدولة وبيان التحديات القانونية والواقعية التي تواجه تطبيق هذا المبدأ سنتناول ذلك تباعاً كالاتي:

أولاً: مفهوم مبدأ حصر السلاح بيد الدولة Disarmament
يعد مصطلح حصر السلاح بيد الدولة أو (نزاع السلاح) من المصطلحات المترادفة في الواقع العملي، حيث يلاحظ أن مصطلح (نزع السلاح) يحمل دلالات الاستسلام أو إزالة الأسلحة من قبل الجهة الفاعلة في المجتمع أو بموجب اتفاقيات سلام، ولهذا يفضل البعض استخدام مصطلحات بديلة مثل (حصر السلاح بيد الدولة) أو (القاء السلاح) أو (تحديد الأسلحة).
يقصد بحصر السلاح العمل على تقليل او منع الوصول الى الأسلحة أو ازالتها، وينصرف معناه الى المعنى العام المتعلق بنزع السلاح والتسريح وإعادة الادماج الذي يقصد به جمع وتوثيق وضبط والتخلص من الأسلحة الصغيرة والذخائر والمتفجرات والأسلحة الخفيفة والثقيلة التي يمتلكها المقاومون، وكذلك السكان المدنيون، ويشمل أيضا تطوير برامج مسؤولة لادارة الأسلحة.
اما المعنى الخاص لنزع السلاح فيقصد به جميع الإجراءات أو الجهود المحلية (الوطنية) الهادفة للحد من التسلح أو تقليصه أو إلغائه وحصر السلاح بيد الدولة وتحت اشراف القوات الرسمية.
يتضح مما تقدم ان نزع السلاح الداخلي يهدف الى تحقيق العديد من الأهداف منها إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت خارج نطاق الدولة من خلال خفض عدد الأسلحة والذخائر والمتفجرات التي تمتلكها الجماعات المسلحة، وحصر السلاح بيد الدولة والمؤسسات العسكرية الأمنية.
ثانياً: أسباب ومبررات حصر السلاح بيد الدولة وتطوره في العراق
إنَّ موضوع حصر السلاح بيد الدولة غاياته الظاهرية نبيلة وسامية وهي تعزيز بناء الدولة وتكريس مبدأ سيادة القانون، وتوفير الامن لجميع المواطنين، غير أنه غاياته الباطنة تتمثل في إزاحة القوى المؤثرة في المجتمع من اجل تمكين الدولة المحتلة أو بعض الدول التي لها غايات محددة في توسيع نفوذها أو القيام بانشطتها دون وجود تأثير يمارسها عليها من قبل الجماعات المسلحة المقاومة أو تقليل هذا التأثير الى الحد الأدنى من مستوياته.
وبناء على ما تقدم فإن حصر السلاح بيد الدولة يعد سلاحاً ذو حدين، اذ تتمثل غاياته المخفية في اضعاف نفوذ وقوة الجماعات المسلحة المقاومة للاحتلال بأدوات وطنية وقانونية بعيداً عن أسلوب القوة الصلبة في مواجهة هذه التشكيلات، أي: ان هذه الشعار يعد من أدوات القوة الناعمة التي تستعملها الدول المحتلة بعد انتهاء العمليات العسكرية لاسقاط النظام السياسي وذلك من اجل اضعاف جبهة المقاومة الداخلية لقوات الاحتلال، او قد تلجأ اليها الدول التي لها هيمنة أو مصالح لدى بعض الدول باستخدام هذه الوسيلة بعد فشل الهجمات العسكرية أو استخدام القوة الصلبة في انهاء وجود الجماعات المسلحة المقاومة للاحتلال او اضعافها، كما حصل في العراق بعد الحرب الصهيوامريكية – الإيرانية وتعمد الولايات المتحدة الامريكية تنفيذ عشرات العمليات العسكرية ضد مقار الوية الحشد الشعبي وفصائل المقاومة الإسلامية في العراق.
وبتطبيق عملية نزع السلاح في العراق نجد ان هذا الموضوع كان ولا يزال من اهم المواضيع الاستراتيجية التي شغلت اذهان الاحتلال الأمريكي – البريطاني للعراق منذ اسقاط النظام البائد بعد العام 2003، حيث استشعرت هذه القوات المحتلة أن انتشار أسلحة الجيش العراقي السابق بيد المواطنين المدنيين أو بيد الجماعات المسلحة المقاومة للاحتلال خارج اطار الدولة من شأنه تهديد وتقويض استمرار الهيمنة الكاملة لقوات الاحتلال على شؤون الحكم في العراق.

وبناء على هذه المخاوف فقد بادرت سلطة الاحتلال برئاسة الحاكم المدني (بول بريمر) الى اصدار الامر التشريعي رقم (2) في 23 أيار 2003 المتضمن حل القوات المسلحة العراقية وبضمنها وزارة الدفاع والأجهزة التابعة لهما.
ولم تكتفِ قوات الاحتلال الأمريكي- البريطاني بما تقدم فحسب، بل تعداه الامر الى اصدار الامر التشريعي رقم (3) لسنة 2003 (السيطرة على الأسلحة).
فضلاً عن ذلك فقد ذهبت سلطة الاحتلال الى مدى أوسع من خلال تشريع امر سلطة الائتلاف المؤقتة (المنحلة) رقم (91) في 7 حزيران 2004 (تنظيم القوات المسلحة والميليشيات في العراق)، حيث تضمن القسم (2) منه المحظور الأساسي الذي يكمن وراء تشريع هذا الامر بانه منع القوات المسلحة والميليشيات والمجموعات المسلحة من العمل داخل العراق باستثناء ما نص عليهم في هذا الامر.
كما اورد القسم (1) من الامر التشريعي أعلاه عدة تعريفات منها تعريف الميليشيا القانونية وغير القانونية بالنص “3- الميليشيا: وتعين قوة عسكرية او شبه عسكرية ليست جزء من القوات المسلحة العراقية او القوات الامنية العراقية المكونة بموجب اوامر سلطة الائتلاف المؤقتة وقوانينها ومذكراتها او بموجب القانون الفيدرالي العراقي وقانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية”… 5- القوة المسلحة او الميليشيا غير القانونية “وتعني قوة مسلحة او ميليشيا موجودة بشكل يخالف الحظر المتضمن في القسم الثاني من هذا الامر” .
كما تم تعريف نزع السلاح في القسم (1) من الامر التشريعي بالنص “8. خطة التحول واعادة الدمج: وتعني خطة موثقة ومسجلة توضح القضايا المهمة وعمليات للتحول واعادة الدمج التام بالنسبة للعنصر المتبقية في قوة مسلحة او ميليشيا”.
ومن اجل تحقيق اهداف التشريع فقد تم استحداث (لجنة تنفيذ عملية التحول واعادة الدمج) بموجب القسم (5) من الامر رقم (91) لسنة 2004 التي تنص “1- تؤسس لجنة تنفيذ عملية التحول واعادة الدمج (اللجنة) لممارسة الاشراف على عملية التحول واعادة الدمج وان تتولى الاجراءات الانضباطية او الاجراءات الاخرى التي تجدها ضرورية لتحديد ما اذا كان العنصر المتبقي من قوة مسلحة او ميليشيا لم يعد مؤهلاً للاستثناء . يترأس هذه اللجنة وزير الداخلية وترفع تقاريرها الى اللجنة الوزارية للامن الوطني”.
كما حددت وظائف هذه اللجنة بالاشراف على وضع البرامج المتعددة لعملية التحول واعادة الدمج، ومراجعة خطط التحول واعادة الدمج الفردية، وكذلك تنسيق سياسة الحكومة العراقية حول عملية تنفيذ التحول واعادة الدمج مع مختلف الوكالات والوزارات الحكومية وغير الحكومية، واعلام اللجنة الوزارية للامن الوطني بشكل منتظم ومن خلالها الى المدير الاداري او بعد انتقال السلطة الادارية كاملة، الى رئيس الوزراء، حول الوضع القانوني للبرامج المتعلقة بالتحول واعادة الدمج واي قضايا اخرى قد تؤثر على الامن الوطني ناشئة عن تلك البرامج .
وتطبيقاً لما تقدم فان قوات الاحتلال الأمريكي في العراق قامت بالتعامل مع ما يقارب (100000) فرد مسلح من مختلف التيارات السياسية والاجتماعية العاملة في العراق بموجب الامر التشريعي رقم (91) لسنة 2004، وتم دمجهم ضمن العملية السياسية وأجهزة الدولة العسكرية والأمنية، وهو الامر الذي يظهر ان الإدارة الامريكية هي من حملت منذ البدايات الأولى لوجودها الفعلي في العراق شعار حصر السلاح بيد الدولة اثناء فترة الاحتلال الأمريكي للعراق بعد العام 2003، ونجحت في تحييد غالبية الجهات والكيانات السياسية الشيعية التي كانت تمتلك اجنحة عسكرية مسلحة، واقناعها بالتخلي عن العمل العسكري كجزء من عملية الاندماج في المجتمع العراقي والنظام السياسي آنذاك.
ثالثاً: الأساس الدستوري والقانوني لحصر السلاح بيد الدولة في العراق
ان عملية نزع السلاح أو حصر السلاح تعد من المسائل الجوهرية التي ترتبط بوجود الميليشات أو الفصائل المسلحة او حركات المقاومة المسلحة في جميع الدول دون استثناء، ولعل المثال الأبرز لها في الدستور الأمريكي، حيث تنص المادة (2) من دستور الولايات المتحدة الامريكية لعام 1787 على أنه “1- يكون الرئيس قائداً أعلى لجيش وبحرية الولايات المتحدة، ولمليشيات مختلف الولايات عندما تدعى إلى الخدمة الفعلية لدى الولايات المتحدة”.
كما تنص الفقرة (8) من المادة (1) من الدستور الأمريكي “تكون للكونغرس سلطة: 15- وضع أحكام لدعوة المليشيا إلى تنفيذ قوانين الاتحاد، وقمع التمرد وصد الغزو. 16- وضع أحكام لتنظيم وتسليح وتدريب المليشيا، وإدارة أقسامها التي قد تكون عاملة في خدمة الولايات المتحدة، محتفظاً للولايات، كل على حدة، بحق تعيين الضباط، وسلطة تدريب المليشيا وفقاً للنظام الذي يضعه الكونغرس”.
وبهذا فان مسألة نزع السلاح في الولايات المتحدة الامريكية ترتبط بالميليشات من جهة، وبحق كل مواطن في حمل السلاح وفق التعديل الثاني للدستور الأمريكي من جهة أخرى، ولهذا فان حق حمل السلاح يرتبط ارتباطاً وثيقاً بين هذا الحق وضرورة وجود “ميليشيا حسنة التنظيم” لضمان أمن الولاية، وعلى الرغم من ذلك فأن الدستور لا يجيز تشكيل ميليشيات مسلحة خاصة أو مستقلة خارجة عن سلطة الحكومة الفيدرالية أو حكومات الولايات([1]).
اما في العراق فقد تم نقل الاحكام الخاصة بالميليشات المتعارف عليه في الولايات المتحدة الامريكية الى التشريع العراقي وذلك بموجب قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام 2004، حيث نصت المادة (27) منه “ب- لا يجوز تشكيل قوّات مسلحة وميليشيات ليست خاضعة مباشرة لإمرة القيادة للحكومة العراقية الانتقالية، إلا بموجب قانون اتحادي”.
ولقد تم نقل هذا المبدأ الى امر سلطة الائتلاف المؤقتة (المنحلة) رقم (91) في 7 حزيران 2004 (تنظيم القوات المسلحة والميليشيات في العراق).
ولقد تكرر نفس الحكم في دستور جمهورية العراق لسنة 2005 حيث تنص المادة (9) منه “ب- يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج اطار القوات المسلحة”.
وبهذا يتضح أن تشكيل الجماعات المسلحة خارج اطار القوات المسلحة يعد من الأمور المحظورة في الدستور أو القوانين العراقية، حيث ان المبدأ الذي يسير عليه المشرع العراقي يتمثل بحظر تشكيل الجمعات المسلحة أو امتلاكها السلاح الا في حالة الارتباط بالقوات المسلحة الرسمية.
ولقد كرس المشرع العراقي مبدأ حصر السلاح بيد الدولة في قانون الأسلحة رقم (51) لسنة 2017 حيث حدد الجهات الرسمية والمكلفين بخدمة عامة الذين يحق لها حمل السلاح، واجاز استثناءً للمدنيين اصدار اجازات مؤقتة أو دائمية بحمل السلاح.
أما الأساس الدستوري غير المباشر لحصر السلاح بيد الدولة فيتمثل بالمادة (45/ثانياً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 التي تنص ” تحرص الدولة على النهوض بالقبائل والعشائر العراقية وتهتم بشؤونها بما ينسجم مع الدين والقانون، وتعزز قيمها الإنسانية النبيلة بما يساهم في تطوير المجتمع، وتمنع الأعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الانسان”.
حيث ان الالتزام الدستوري المفروض على الدولة عموماً والحكومة خصوصاً بالنهوض بالقبائل والعشائر لا يتضمن بالضرورة الزام هذه العشائر بعدم امتلاك أو حيازة السلاح، أو حصره كلياً بيد الدولة، حيث ان قوة القبيلة او العشيرة في العراق وفق المفهوم العشائري تقاس بنوعية الأسلحة والترسانة العسكرية التي تملكها، والتي تجعلها في منأى من الاعتداء عليها أو النيل منها من قبل العشائر الأخرى، وهذه القوة المسلحة العشائرية قد أدت في بعض الحالات العملية الى الزام الحكومة العراقية بالتفاوض مع العشائر التي تقطن في بعض القرى من اجل السماح بالدخول اليها وفرض قوة القانون.
رابعاً: التحديات التي تواجه تطبيق مبدأ حصر السلاح بيد الدولة
هناك العديد من التحديات التي تواجه الحكومة في تطبيق مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، اذ يتمثل أولها في الشرعية الشعبية التي تتمثل بمدى رضا الشعب في استمرار وجود القوات الامريكية وقوات التحالف في الأجواء والأراضي العراقية.
وبهذا نسجل أنه على الرغم من الانهاء الصوري للاحتلال الأمريكي وجلائه الكامل المزعوم من العراق بتاريخ (31 كانون الاول 2011) بعد توقيع (اتفاقية سوفا) بشأن انسحاب قوات الولايات المتحدة من العراق وتنظيم أنشطتها خلال وجودها المؤقت فيه لعام 2008، وكذلك توقيع اتفاقية الاطار الاستراتيجي لعلاقة الصداقة والتعاون الدائم بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الامريكية لعام 2008 غير ان الولايات المتحدة الامريكية استمرت في وجودها العسكري (غير المشروع) في العراق، فضلاً عن التدخل في الشأن العراقي وتوجيهه بالطريقة التي تنسجم مع المصالح الامريكية، ومثالها الأبرز عندما ارغمت الكتلة النيابية الأكثر عدداً على تغيير مرشحها لرئاسة مجلس الوزراء عام 2026.
فضلاً عن استمرار دعم الولايات المتحدة الامريكية للجماعات الإرهــ ـــابية (التكفيرية) المسلحة لتنفيذ العمليات والهجمات الإرهــ ــابية في العراق تحت مسميات مختلفة تمثل اخرها بتنظيم د1عش الإرهــ ــابي، ومن ثم نتيجة احتلال هذه الجماعات الإرهــ ـــابية – بمساعدة أمريكية- لثلث مساحات العراق الكلية تم إعادة تشكيل فصائل المقاومة المسلحة تلبية لفتوى الجهاد الكفائي للسيد علي السيستاني (دام ظله) لغرض طرد هذه التنظيمات الإرهــ ــابية من العراق واستكمال تحرير العراق منها.
وبناء على ما تقدم يمكن القول ان مسألة حصر السلاح بيد الدولة العراقية ترتبط وجوداً وعدماً مع وجود قوات الاحتلال الأمريكي والتحالف الدولي واستمرار عمله في الأجواء والأراضي العراقية، حيث تكررت المطالبات الوطنية النيابية بانهاء الوجود العسكري الرسمي وغير الرسمي للقوات المسلحة الامريكية ولقوات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم د1عش الارهــ ــابي المتواجدة في العراق بعد انتهاء عمليات تحرير العراق بتاريخ 10 كانون الأول 2017، والذي تجلت لاحقاً باصدار مجلس النواب القرار النيابي المتضمن الزام الحكومة العراقي بانهاء الوجود العسكري الأجنبي في العراق بتاريخ 5 كانون الثاني 2020، الذي صوت عليه اغلبية (173) نائباً في مجلس النواب العراقي وذلك على خلفية قيام القوات الامريكية المحتلة باغتيال نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي ورئيس اركان الحشد الشعبي (أبو مهدي المهندس) وضيف العراق (الجنرال قاسم سليماني- قائد الحرس الثوري الإيراني) ومرافقيهما في محيط مطار بغداد الدولي بتاريخ 3 كانون الثاني 2020.
غير انه لم يصار الى تحقيق الاستقلال الكامل للعراق عن الولايات المتحدة الامريكية وذلك من خلال تنفيذ عمليات الجلاء الكامل للقوات الامريكية العسكرية (البرية والجوية) العاملة في العراق، وكذلك الحال بالنسبة لقوات التحالف الدولي، ومن ثم تماهلت غالبية الحكومات العراقية السابقة في تأجيل عملية الانسحاب من العراق بصورة متكررة لعدة مرات كان اخرها نهاية أيلول 2026، فضلاً عن استمرار انتهاك القوات الامريكية للسيادة العراقية والذي تجلى في المشاركة الفعلية للتحالف الصهيوامريكي في استباحة واستخدام الأجواء العراقية من خلال تنفيذ ضربات وطلعات جوية عسكرية بالطائرات والصواريخ ضد الجمهورية الإسلامية في ايران في الحرب الممتدة (28 شباط 2026) لغاية 7 نيسان 2026، فضلاً عن قيام هذه القوات بتنفيذ عشرات الهجمات العسكرية والقصف الممنهج لمقرات الحشد الشعبي في العراق الذي يعد تشكيلاً عسكرياً يرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة وفقاً لقانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016.
وبناء على ما تقدم فان الأساس القانوني الحالي لحصر السلاح بيد الدولة إضافة للتشريعات المذكورة أعلاه – التي تمثلت بالدستور وقانون الأسلحة- فانه يتمثل بالقرار النيابي لمجلس النواب الصادر في 5 كانون الثاني 2020 حيث نص صراحة في البند (3) منه على حصر السلاح بيد الدولة، فضلاً عن النص في البند (1) منه على الزام الحكومة العراقية بانهاء تواجد القوات العسكرية الأجنبية من الأراضي والأجواء العراقية.
وهو الامر الذي يظهر وجود التزامات قانونية متبادلة على عاتق الحكومة العراقية في انهاء الوجود العسكري (الامريكية والتحالف الدولي) من الأراضي والأجواء العراقية في حالة الرغبة بنزع سلاح فصائل المقاومة الإسلامية في العراق، حيث ان إزالة سبب وجود هذا السلاح يتمثل في ضرورة تحقيق السيادة العراقية الكاملة والاستقلال التام لجمهورية العراق ارضاً وجواً عن القوات الامريكية المحتلة وعن قوات التحالف الدولية من اجل الشروع بمرحلة حصر السلاح بيد الدولة العراقية، حيث ان انتفاء وجود الاحتلال الأجنبي في العراق ينتفي معه سبب حمل السلاح وهو تحرير العراق.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التحدي الثاني الذي يواجه عملية حصر السلاح بيد الدولة فيتمثل بالمادة (45/ثانياً) من الدستور التي توجب على الدولة النهوض بالعشيرة وتعزيز قيمها الإنسانية النبيلة، حيث يلاحظ ان هناك علاقة عكسية بين قوة الدولة وبين قوة العشيرة، فكلما زادت قوة الدولة قلت قوة العشيرة والعكس صحيح، يضاف لذلك فان عدم قيام الحكومة ومجلس النواب بتشريع قانون ينظم شؤون العشائر في العراق، حيث سبق لمجلس النواب ان قرأ قراءة أولى مشروع قانون مجلس القبائل والعشائر العراقية عام 2016 ولم يتم تشريع هذا القانون لغاية يومنا هذا.
يضاف لذلك استمرار وجود العديد من الأعراف العشائرية المحمية المنصوص عليها في قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل، ومنها جريمة القتل في حالة الزنا، او جرائم غسل العار، فضلاً عن استمرار بعض التقاليد والأعراف العشائرية التي تتناقض مع سلطة الدولة في فرض القانون ونقصد بها (الدكة العشائرية) رغم انخفاض مستويات بعد تدخل مجلس القضاء الأعلى في معالجة هذه الظاهرة.
اما التحدي الثالث الذي يواجه تطبيق مبدأ حصر السلاح بيد الدولة فيتمثل بضعف الوعي القانوني لدى اغلبية المجتمع العراقي، وعدم وجود الثقة المطلقة بأجهزة الدولة ومؤسساتها نتيجة شيوع حالات الفساد المالي والإداري.
فيما يتمثل التحدي الرابع الذي يواجه تطبيق حصر السلاح بيد الدولة في عدم وجود اليات قانونية وواضحة لدى صانع القرار العراقي في حصر سلاح فصائل المقاومة الإسلامية التي كانت ولازالت تقارع الاحتلال الأمريكي، حيث يرى البعض ان هذه الفصائل المقاومة لا زالت تشكل ورقة ضغط إقليمية في منطقة “الشرق الأوسط” في مواجهة التحالف الصهيوامريكي وتوسعاته وبالأخص في ظل فشل المؤسسات العسكرية والأمنية وعدم قدرة الدفاع الجوي العراقي في ردع أو إيقاف الاعتداءات الصهيوامريكية على الأراضي والأجواء العراقية اثناء الحرب الدائرة مع الجمهورية الإسلامية في ايران، بالشكل الذي جعل الكثير من المواطنين يثقون بقدرة هذه الفصائل على رد العدوان الحاصل على العراق في حالة تراخي أو فشل الرد العسكري العراقي عليها.
ولعلنا لا نغالي اذا ما قلنا ان عدم وجود الضمانات الدولية والحكومية الكافية لضمان الانسحاب الأمريكي الشاكل والكلي من الأراضي والأجواء العراقية من جهة، فضلاً عن قوة العقيدة الدينية التي يؤمن بها بعض فصائل المقاومة الإسلامية في العراق بشأن تطبيق الواجب الديني والشرعي المفروض عليه بعدم التخلي عن السلاح وابقائه ساهراً في حماية الوطن والذود عنه في مواجهة المحتل من جهة أخرى تعد من اهم التحديات التي توجب على الحكومة العراقية البحث عن ضمانات ومسارات قانونية وإنسانية تحفظ كرامة الوطن والمقاوم امام الشعب، وتوفر القناعة الوجدانية التامة بقدرة الحكومة على ايفاء واجباتها في تحقيق الاستقلال التام للعراق من اجل ان يكون ذلك طريقاً للدخول في مفاوضات جادة وحقيقية لحصر السلاح بيد الدولة، دون الحاجة للدخول في مواجهة مسلحة مع فصائل المقاومة أو التطبيق الاعمى لنصوص قانون العقوبات بالشكل الذي يؤدي الى تقويض السلم والامن المجتمعي لصالح القوات الأجنبية ومصالحها في العراق.
([1]) للمزيد من التفصيلات ينظر: الميليشيات المسلحة في أميركا: النشاة والاشكال القانونية، والتقديرات الأمنية، المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، 2020، ص 6 وما بعدها.




