الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

تحولات الدولتية في العراق: إدارة الهشاشة البنيوية في بيئة الصراع المتعدد المستويات

بقلم: د. عباس فاضل علوان

 

 

تمثل عملية بناء الدولة في العراق بعد عام 2003 حالة دراسية فريدة ومعقدة في أدبيات العلوم السياسية المعاصرة، حيث لم يكن الانتقال من النظام الشمولي إلى التعددية مجرد عملية إصلاح إداري أو سياسي، بل كان زلزالاً بنيوياً أعاد صياغة مفهوم (الدولتية) برمته.

المعنى التقليدي للمشهد العراقي الحالي لا يمكن اختزاله في وصف (الدولة الفاشلة) بكل سهولة، بل هو تجسيد حي لنموذج (الدولة الهجينة) التي تتعايش فيها المؤسسات الديمقراطية الرسمية كالدستور والبرلمان والانتخابات، مع شبكات نفوذ غير رسمية تقوم على المحاصصة الطائفية والولاءات الفرعية، وتتجلى الهشاشة هنا ليس كضعف عابر في الأداء بل كخيار إداري قسري انتهجته النخب السياسية للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار من خلال (توزيع الريع) بدلاً من بناء مؤسسات مواطنة فاعلة، كما يلاحظ إن الصراع في العراق يدور على مستويات متعددة ومتداخلة: صراع نخبوي على الموارد والامتيازات، وصراع هوياتي بين المكونات يسعى لتثبيت حقوق الفئات على حساب الهوية الجامعة، وصراع إقليمي ودولي بالوكالة جعل من الجغرافيا العراقية ساحة لتصفية الحسابات وإرسال الرسائل الاستراتيجية العابرة للحدود، هذا التداخل المعقد خلق بيئة من (سيولة السيادة) وفقدان الدولة لاحتكار العنف الشرعي حيث تبرز قوى لادولتية تنافس سلطة المركز، ومع تصاعد الضغوط الديموغرافية وتدهور الخدمات الأساسية برزت حركات احتجاجية تطالب باستعادة الوطن ككيان سياسي يحفظ كرامة المواطن بعيداً عن صراعات المكونات (بمعزل عن القيمة الثبوتية لهذه المطالبات) مما يضع النظام السياسي أمام مأزق وجودي يتطلب إعادة تعريف العقد الاجتماعي وبناء عقيدة وطنية موحدة قادرة على مواجهة تحديات الهشاشة المستدامة وإدارة الصراعات العميقة التي نخرت جسد الدولة والمجتمع لعقود طويلة.

 

وسوف ننتقل الآن لتشريح هذه التحولات البنيوية عبر محاور تحليلية معمقة تستعرض واقع الدولة وإدارتها للأزمات عبر الآتي:

 

أولاً: الجذور التاريخية للهشاشة وعقدة التأسيس القسري

بدأت ملامح الهشاشة البنيوية في الدولة العراقية الحديثة مع لحظة التأسيس التي أعقبت عام 2003 حيث جرى تفكيك مؤسسات الدولة السابقة بشكل فوضوي وفي مقدمتها الجيش العراقي والطبقات العليا من الخدمة المدنية مما خلق فراغاً مؤسسياً وأمنياً هائلاً لم تنجح القوى الناشئة في ملئه بصورة شاملة، هذا التفكيك لم يكن إدارياً فحسب بل كان سياسياً بامتياز إذ تم استبدال البنية المركزية بنظام يقوم على توازنات هشة بين قوى المعارضة السابقة التي عادت بمشاريع هوياتية متباينة.

لقد وُلد النظام الجديد في بيئة من (الصدمة الخارجية) التي لم تسمح بنمو طبيعي للمؤسسات بل فرضت قواعد اشتباك سياسية جعلت من الدولة كياناً مرتهناً بالتوافقات اللحظية بين النخب بدلاً من الاستناد إلى دستور يحظى بإجماع وطني حقيقي، مما جعل (الهشاشة) سمة بنيوية تلازم الدولة في كافة مراحل تطورها اللاحقة.

 

ثانياً: النظام السياسي الهجين ومعضلة المحاصصة كآلية لإدارة الصراع

استندت الهيكلية السياسية للعراق بعد عام 2005 إلى ما عرف بـ (ديمقراطية المكونات) أو (المحاصصة الطائفية) وهي تسوية سياسية تعود جذورها المفاهيمية إلى مؤتمرات المعارضة في الخارج وتحديداً لقاء صلاح الدين عام 1992، هذا النظام قام على مبدأ (تقسيم الحصص) حيث يتم توزيع المناصب الوزارية والسيادية والهيئات المستقلة ليس على أساس الكفاءة المهنية بل كإقطاعيات تابعة للأحزاب لضمان ولاء قواعدها الشعبية عبر شبكات الزبائنية السياسية، إن هذه المحاصصة أدت إلى مأسسة الانقسام الوطني حيث أصبح المواطن يلجأ إلى (المكون) للحصول على حقوقه بدلاً من اللجوء إلى الدولة بوصفها راعية للمواطنة، ومن الناحية الوظيفية تسببت المحاصصة في شلل كامل لصناعة القرار حيث أصبح لكل وزارة مرجعية حزبية تمنع أي محاولة للإصلاح الشامل الذي قد يمس مصالح النخبة الحاكمة، إن الدولة في هذا النموذج أصبحت (هجينة) بامتياز فهي تمتلك واجهات ديمقراطية كالبرلمان والانتخابات، لكن جوهرها يدار عبر تفاهمات خلفية بين زعماء الكتل السياسية الذين يمتلكون القوة والمال والسلاح، هذا الوضع خلق (أزمة شرعية) حادة، حيث يشعر قطاع واسع من الشعب العراقي بأن النظام السياسي لا يمثله بل يمثل مصالح طبقة سياسية منغلقة على نفسها، كما أن المحاصصة منعت بناء مؤسسات رقابية فاعلة مما جعل الفساد جزءاً لا يتجزأ من آلية عمل النظام السياسي وليس مجرد خلل عارض في الأداء الحكومي وهو ما يعمق الهشاشة السياسية ويجعل الدولة عاجزة عن الاستجابة للأزمات الوطنية الكبرى.

 

ثالثاً: الاقتصاد الريعي ومعضلة (الدولة التوزيعية) في ظل الفساد الهيكلي

 

يمثل الاقتصاد الريعي التحدي الأكبر لاستقرار الدولة العراقية وفك ارتهانها للهشاشة حيث يعتمد العراق بنسبة تفوق 95% من إيراداته المالية على الصادرات النفطية، هذا النمط من الاقتصاد جعل الدولة (توزيعية) تفتقر لأي رؤية إنتاجية حقيقية حيث يتم استخدام ريع النفط لتمويل موازنة تشغيلية ضخمة تذهب في معظمها كرواتب لقطاع عام متضخم وغير منتج، يهدف بالأساس إلى امتصاص البطالة شكلياً وضمان الولاءات الانتخابية للأحزاب.

 إن هذا الاعتماد المفرط على النفط أدى إلى ظهور ما يعرف بـ (المرض الهولندي) حيث تراجعت القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة أمام تدفق السلع المستوردة مما جعل الأمن الغذائي والدوائي مرتهناً بالكامل للأسواق الخارجية، وفي هذا السياق تحول الفساد المالي والإداري من حالات فردية إلى (منظومة مؤسسية) تديرها مكاتب اقتصادية تابعة للأحزاب حيث يتم نهب الموارد العامة عبر عقود ومشاريع، وتشير التقارير الدولية إلى أن العراق سجل مستويات متدنية جداً في مؤشرات النزاهة والشفافية، خاصة في الفترة بين 2014 و2020 حيث تسببت فضائح مالية كبرى في هدر مئات المليارات من الدولارات التي كان يمكن أن تبني بنية تحتية حديثة تخرج البلاد من واقع الهشاشة، اذ إن غياب سيادة القانون والشفافية في إدارة الموارد جعل من الصعب جذب الاستثمارات الأجنبية الرصينة وتحول القطاع الخاص العراقي إلى مجرد وسيط طفيلي يعيش على فتات العقود الحكومية، والأخطر من ذلك هو الهشاشة الاقتصادية الشديدة أمام الصدمات العالمية، فكل انخفاض في أسعار النفط يضع الدولة على حافة الانهيار المالي والعجز عن دفع الرواتب، مما يهدد السلم الاجتماعي ويؤجج الاحتجاجات الشعبية الغاضبة، إن بنية الاقتصاد العراقي تعكس واقع (دولة رخوة) تصدر القوانين والخطط التنموية الورقية لكنها تعجز عن تطبيقها بسبب هيمنة مراكز القوى التي تستفيد من استمرار الفوضى المالية وغياب المحاسبة القانونية.

 

رابعاً: الحركات الاحتجاجية وتحولات الوعي الاجتماعي والسياسي

أمام انسداد الأفق السياسي وتفشي الفساد الممنهج وتدهور الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه، شهد العراق موجات احتجاجية متصاعدة بلغت ذروتها في احداث تشرين عام 2019 هذه الاحتجاجات لم تكن مجرد مطالب معيشية، بل كانت شعاراتهم تعبيراً عن (رفض بنيوي) شامل لمنظومة الحكم القائمة على المحاصصة، مما كشف عن فجوة عميقة وخطيرة بين جيل شاب يمثل الأغلبية السكانية الساحقة وبين نخبة حاكمة متمسكة بامتيازاتها، لقد أدت هذه الحركات إلى تحولات جوهرية في الوعي الجمعي العراقي حيث تراجعت السرديات الطائفية التقليدية لصالح سردية وطنية جامعة تتجاوز الانتماءات الضيقة للمكونات. ورغم انتهاء الاحتجاجات، إلا أنها نجحت في فرض تغييرات تشريعية وانتخابية وأسست لمبدأ أن الشرعية السياسية لا تمنح عبر صناديق الانتخابات (المتلاعب بها) فقط، بل عبر الأداء الميداني الحقيقي وتلبية تطلعات المواطن البسيط، إن ديناميات الاحتجاج كشفت عن (صخب الفائض الإنساني) في العراق حيث تشعر أجيال كاملة بالتهميش في بلد يمتلك موارد هائلة لكنه عاجز عن توفير الحد الأدنى من الفرص لمواطنيه بشكل عادل ومنصف للجميع.

 

 

خامساً: التفاعلات الإقليمية والدولية وأثرها في تفتيت السيادة الوطنية

لا يمكن فصل هشاشة الدولة العراقية عن محيطها الإقليمي الشديد الاضطراب، حيث تحول العراق إلى ساحة مفضلة لتصفية الحسابات الاستراتيجية بين القوى الكبرى والإقليمية، إن التدخل الخارجي في الشأن العراقي ليس مجرد دعم عسكري أو سياسي عابر، بل هو تغلغل عميق في بنية النظام السياسي والأمني عبر حلفاء محليين يتناغمون مع الأجندات الإقليمية والمصالح الخارجية، هذا التكالب الدولي جعل من القرار السيادي العراقي مقيداً بتفاهمات القوى الكبرى وأدى إلى تشتت بوصلة السياسة الخارجية وضعف قدرة الدولة على حماية حدودها أو إدارة ملفات سيادية وحساسة كملف المياه مع دول الجوار أو ملف الاستثمارات النفطية الكبرى، إن (تجزئة السيادة) نتيجة الولاءات العابرة للحدود جعلت من العراق بلداً يتأثر بكل أزمة إقليمية تطرأ مما يزيد من تكلفة الهشاشة الأمنية ويعطل مشاريع التنمية المستدامة التي تتطلب استقراراً سياسياً وسيادياً بعيداً عن سياسة المحاور.

 

سادساً: آفاق التحول نحو الدولة الفاعلة وإدارة الهشاشة

إن الخروج من دائرة الهشاشة البنيوية في العراق يتطلب رؤية إصلاحية جذرية تتجاوز الحلول الترقيعية وتبدأ من إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع عبر عقد اجتماعي جديد يضع المواطنة فوق كل اعتبار، إن هذا المسار يستلزم حصر السلاح بيد الدولة فعلياً وليس اسمياً فقط، وتطوير عقيدة عسكرية وطنية موحدة توحد القوات المسلحة تحت قيادة مهنية بعيدة عن التأثيرات الحزبية أو المذهبية.

أما على الصعيد الاقتصادي فلا بد من الانتقال من حالة (الدولة الموزعة) إلى حالة (الدولة المنتجة) عبر تفعيل القطاع الخاص وتنويع مصادر الدخل القومي وتفكيك منظومات الفساد المؤسسي التي تلتهم موارد البلاد.

 

 إن بناء (دولة المواطنة) هو الطريق الوحيد لضمان استقرار العراق المستقبلي، وهو ما يتطلب إرادة سياسية شجاعة وتوافقاً وطنياً شاملاً يضع مصلحة العراقيين وأجيالهم القادمة فوق المصالح الفئوية الضيقة التي استنزفت الدولة وجعلتها هشة أمام رياح التغيير والتدخلات الخارجية.

 

الخاتمة

تبين في ختام هذا التحليل بوضوح أن تحولات الدولتية في العراق منذ عام 2003 هي نتاج صراع مرير ومستمر بين إرادة البناء المؤسسي الحديث وبين قوى الشد العكسي التي تستمد قوتها وديمومتها من استمرار الهشاشة والفساد، لقد أثبتت التجربة التاريخية والأزمات المتلاحقة من الحروب الطائفية إلى الاجتياح الإرهــ ـــابي وصولاً إلى الاحتجاجات الشعبية أن نموذج (دولة المكونات) القائمة على المحاصصة قد وصلت إلى طريق مسدود، ولم تعد قادرة على توفير الاستقرار المستدام أو تحقيق التنمية المنشودة.

إن الهشاشة البنيوية التي يعيشها العراق اليوم ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة لتراكم سياسات خاطئة فضلت التوافق بين النخب على سيادة القانون، إن الأمل يكمن في الوعي المتنامي لدى الشعب بجميع فئاته وأن يصر على استعادة الدولة وبناء مؤسسات وطنية حديثة تتجاوز منطق (توزيع المغانم) نحو منطق (بناء الوطن)، إن العراق اليوم يقف أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة مساره شريطة أن يتم تغليب المصلحة الوطنية العليا وحماية السيادة بقرار وطني مستقل لضمان الانتقال الآمن من (الدولة الهشة) إلى (لدولة الفاعلة) التي تحمي مواطنيها وتفرض هيبتها في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد والاضطراب.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى