الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

استعادة الردع..المواجهة الأميركية – الإيرانية بين الاتفاق وتثبيت قواعد الاشتباك

بقلم: حسن فاضل سليم

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

في تقدير موقف سابق بعنوان “التماسك الاستراتيجي: تحول الحرب الإيرانية-الامريكية إلى اختبار إجهاد حقيقي”([1])جرى تناول فكرة “اختبار الإجهاد” بوصفها أحد الأطر التفسيرية لفهم طبيعة المواجهة بين واشنطن وطهران، حيث لا يسعى أي من الطرفين إلى تحقيق حسم عسكري مباشر بقدر ما يسعى إلى استنزاف قدرة الطرف المقابل على تحمل الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية مع مرور الوقت.

وبعد مرور ثلاث أشهر على بدء المفاوضات والتصعيد المتبادل، تبدو التطورات اللاحقة وكأنها تؤكد صحة هذا المنطق بصورة أكبر. فالمواجهة لم تتجه نحو الحسم، كما لم تصل إلى تسوية نهائية، بل أفرزت مجموعة من قواعد الاشتباك الجديدة التي أعادت تعريف حدود الردع المتبادل بين الطرفين. ومن هنا تأتي هذه القراءة بوصفها استكمالاً للتحليل السابق، من خلال الانتقال من دراسة “اختبار الإجهاد” إلى دراسة النتائج الاستراتيجية التي أنتجها هذا الاختبار على مستوى الردع والتفاوض وإدارة الصراع.

ما تطور في الوضع الراهن وبعد اكثر من ثلاث اشهر من المفاوضات القائمة على شد وجذب والتي بدأت بمواقف متصلبة من الطرفين لاسيما من الجانب الأمريكي بأملائه شروط متصلبة على ايران، فإن الطرفين دخلا في مناوشات جانبية على صعيد المفاوضات تمت من خلال استهدافات متبادلة، حيث قامت الولايات المتحدة بمهاجمة بعض المواقع الإيرانية فيما كان الرد الإيراني مباشراً على الهجوم باستهداف القواعد الامريكية في الخليج خلال المفاوضات فتم استهداف القواعد الامريكية في الكويت ومقر الاسطول الخامس في البحرين، ومواقع في الامارات، ان الاستهداف المتبادل ارسى وثبت قواعد اشتباك في منطقة الخليج قائمة على معادلة قصف الأراضي الإيرانية مقابل قصف القواعد والمصالح الامريكية في الخليج، فيما ثبت معادلة حصار اقتصادي متبادل قائمة على اغلاق مضيق هرمز مقابل اغلاق بحر العرب من جانب الولايات المتحدة .

 

 

ان أهمية مضيق هرمز لا تقتصر على جانب امن الطاقة العالمي بل تمتد لتشمل جوانب أخرى تعرضت للتهديد نتيجة للإغلاق مثل الامن الغذائي العالمي الذي تعرض للتهديد نتيجة لتراجع صادرات الأسمدة التي تصدر قطر حوالي 40% منها، ما هدد الكثير من الحقول في اسيا وافريقيا، وهو ما سينعكس سلباً على الامن الغذائي العالمي في المستقبل القريب، ما جعل قضية الأسمدة واحدة من القضايا الضاغطة على الإدارة الامريكية للإسراع بفتح مضيق هرمز.

بالإضافة الى ذلك كله مازالت الجمهورية الاسلامية في ايران تملك أوراق ضغط صلبة لم تفعلها بعد، أهمها ورقة الكابلات البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز الذي يعد عقدة مهمة في البنية التحتية للاتصالات الدولية عبر شبكة واسعة من كابلات الالياف الضوئية التي توفر نقلاً سريعاً بسرعة الضوء للبيانات حول العالم مما يجعل شبكة الانترنيت العالمية فعالة وسريعة، حيث توجد شبكة من الكابلات البحرية في المضيق او بالقرب منه بينها 7 رئيسية مسؤولة عن ربط الاتصالات الدولية بين دول جنوب شرق اسيا والخليج وأوروبا، حيث يؤدي أي انقطاع لهذه الكابلات الى انقطاع هائل في شبكة الانترنيت حول العالم يؤدي لتوقف وشلل تام للكثير من القطاعات الاقتصادية والحكومية والعسكرية والمدنية عالمياً ويتسبب بخسائر اقتصادية هائلة تفوق ما يتسبب به انقطاع امدادات الطاقة من منطقة الخليج، وما يضيف قيمة إضافية لهذه الكابلات هو وجود محطات استقبال لها في منطقة الخليج حيث تتوفر خوادم شركات انترنيت عملاقة مثل امازون وكوكل وميتا ومايكروسوفت، ما يؤدي لأضرار بالغة تمس عصب الاقتصاد العالمي بشكل عام والامريكي بشكل خاص الذي يعتمد على شركات التكنولوجيا.

وتشير التقارير ان إيران تعمل للتهديد ليس لاستحصال رسوم عبور من السفن التي تمر عبر مضيق هرمز بل تهدد بفرض رسوم على شركات الانترنيت وشركات الكابلات البحرية مقابل مرور البيانات عبر هذه الكابلات الموجودة في المضيق ما يضاعف من الضغط على الإدارة الامريكية في التفاوض ويجعلها أكثر رغبة بالتوصل الى حل بدلاً من المواجهة.

إضافة الى هذه الورقة فإن ورقة باب المندب مازالت حاضرة ويمكن تفعيلها في المرحلة القادمة من المواجهة في حال اقبلت الولايات المتحدة على تجديد الهجوم على إيران ما يهدد ليس النقل البحري والتجارة الدولية عبر باب المندب ومضيق هرمز فحسب بل يهدد أيضا كابلات الانترنيت البحرية في كلا المضيقين ما يفرض ضغوط إضافية رادعة عن التفكير بتجديد الحملة العسكرية على إيران وحلفاءها في المنطقة.

لقد كان هناك متغير اخر مؤثر في أوراق الضغط والمعادلات التي صاغتها هذه المفاوضات وهو المتغير اللبناني، فبينما أعلنت واشنطن وقف إطلاق النار مرات عدة على الجبهة اللبنانية، لم تلتزم “إسرائيل” بذلك وواصلت عملياتها مما دفع الحزب اللبناني الى مواصلة ضرباته واستهدافاته للقوات “الإسرائيلية” المتوغلة في أراضيه، بالتزامن مع قيام الحكومة اللبنانية وعلى غير العادة بتفاوض دبلوماسي تمهيداً للتطبيع مع “إسرائيل”.

تعمل إيران في المتغير اللبناني على استراتيجية تفاوضية تعيد ربط الجبهات، بعدما قامت “إسرائيل” بفصلها عملياً، من خلال استراتيجية تفكيك الساحات في رد على استراتيجية وحدة الساحات، فكانت تهاجم كل ساحة من ساحات محور المقاومة بشكل منفرد مع قيام الولايات المتحدة بجهود دبلوماسية وعسكرية ضاغطة على الدول لمنع تدخل الساحات المختلفة في كل معركة، ما ساهم في عملية الفصل.

اليوم بعد حرب الـ40 يوماً التي دخلت فيها لبنان الى جانب ايران وفتح جبهة خففت الضغط عن ايران، وشتتت جهود “إسرائيل” التي اضطرت لتوزيع قواتها الجوية على جبهتين، ونتيجة لتوقف الحرب في ايران، فإن الأخيرة تضغط لوقف الحرب في لبنان ايضاً من خلال التفاوض حيث تجعل وقف الحرب شرطاً لاستمرار التفاوض، وقد شكلت المفارقة في ذلك ان “إسرائيل” لم تتوقف عن القصف حتى هددت ايران بقصف الشمال “الإسرائيلي” مقابل قصف “إسرائيل” لبيروت ما أدى لتثبيت معادلة اشتباك جديدة بيروت مقابل شمال “إسرائيل”، واجبر الأخيرة وبضغط امريكي على التراجع عن هجومها على بيروت.

 هذا الامر يؤكد ان إيران بقدر ما تمكنت من استعادة جزء من الردع المفقود بعد حرب الـ 12 يوماً في حزيران عام 2025 يؤكد ايضاً قدرتها على فرض شروطها على الجانب الأمريكي، الذي اضطر تحت وطأ ة ضغط الوقت والضغوط الاقتصادية وضغط المواجهة والرد الإيراني المباشر على كل ضربة أمريكية، الى تخفيف من حدة المطالب في المفاوضات والعمل على التوصل لحل سريع للازمة.

 

 

الى جانب المتغير اللبناني تبرز الساحة العراقية كساحة مختلفة واقل توتراً مع اقبال الفصائل العراقية على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة وهو ما ضغطت الولايات المتحدة لتحقيقه وما طلبته من حكومة الزيدي، ولعل حالة العراق مختلفة فهو لا يخوض مواجهة مباشرة مع “إسرائيل” او الولايات المتحدة على الرغم من مشاركة بعض فصائله بعمليات استهداف للقواعد الامريكية، الا انه يبقى اقل الساحات توتراً وتاثيراً على الأقل مادامت الساحة اللبنانية مستمرة في الضغط على “إسرائيل”، وما دامت ايران ما تزال تضغط وتجهد الولايات المتحدة، حيث لم تسلم الفصائل التي شاركت بالحرب سلاحها ورفضت ذلك متمسكة بموقفها حيث ترى ان حماية العراق لن تحصل الا من خلال هذا السلاح.

وبالعودة للمفاوضات الإيرانية الامريكية فنلاحظ تغير النبرة الامريكية من الجانب الإيراني حيث تم الانتقال بالمطالب والتفاوض من تسليم البرنامج الصاروخي الى انهاء البرنامج النووي وتسليم اليورانيوم ثم وصولاً الى فتح مضيق هرمز، فقد تمكنت ايران من خلال الانهاك المتكرر للأمريكيين بمطالب متعددة والحوار بالقضية النووية من دفع الولايات المتحدة الى تقليل سقف مطالبها من التسليم الشامل الى التركيز على البرنامج النووي، وإعادة فتح مضيق هرمز، ثم بات التفاوض يجري حول مسالة فتح المضيق وفرض رسوم عليه من قبل ايران في مقابل رفض امريكي لمبدأ الرسوم.

بالتالي فأن ايران تعمل على اغراق ترامب وفريقه بالتفاصيل الدقيقة كجزء من الانهاك التفاوضي لتحقيق هدفين أولا تشتيته عن أهدافه الرئيسية في انهاء البرنامج النووي والبالستي والثاني المماطلة لكسب المزيد من الوقت الذي يشكل بدوره ضغطاً على ترامب لان استمرار ازمة اغلاق مضيق هرمز لمدة أطول ستفجر أسعار الطاقة على مستوى العالم، سيما في الولايات المتحدة التي يزداد الغضب الشعبي فيها من الاستمرار في هذه الحرب، حيث يسعى ترامب لإنهاء الحرب وفتح المضيق بسرعة اكبر قبل ان تزداد ازمة الطاقة في الولايات المتحدة وقبل أحداث كأس العالم 2026 التي تشارك بلاده باستضافتها وأيضاً قبل انتخابات التجديد النصفي التي تنطلق نهاية العام الجاري وهي استحقاقات مهمة بالنسبة لترامب لذلك بدأ الأخير يخفف من حدة مطالبه سعياً للوصول الى اتفاق يمكن ترويجه للناخبين الأمريكيين على انه انتصار على ايران وارغام لها على ترك برنامجها النووي.

 

خاتمة

يمكن القول إن مسار الأحداث منذ اندلاع المواجهة، وصولاً إلى طاولات التفاوض، يثبت أن مقياس النصر والهزيمة في صراعات القوى الإقليمية والكبرى لم يعد مقتصراً على حجم التدمير النيراني العسكري، بل على القدرة على “التكيف تحت الضغط”. لقد استطاعت طهران، عبر استراتيجية الإنهاك وتفعيل أوراق ردع غير تقليدية- مثل تهديد أمن البيانات العالمية، والأمن الغذائي، واحتجاز الممرات البحرية كرهينة- أن تفرغ التفوق العسكري والتكنولوجي الأمريكي من فاعليته السريعة، وتحوله إلى عبء سياسي واقتصادي على إدارة ترامب.

في هذا النمط المتقدم من حروب حافة الهاوية، تتكامل الجبهات الرديفة (في لبنان والعراق واليمن) مع الجغرافيا السياسية للمضايق البحرية، لتصنع “شبكة ردع معقدة” يصعب على صانع القرار الأمريكي تفكيكها بالضربات الخاطفة. وعلى ضوء ذلك، فإن الاتفاق المحتمل الذي ستسفر عنه هذه المفاوضات لن يكون إعلاناً بانتهاء الصراع، بل سيكون وثيقة رسمية لتثبيت قواعد اشتباك جديدة، واعترافاً أمريكياً صريحاً بمحدودية القوة الصلبة أمام استراتيجيات الصبر الاستراتيجي وحروب الاستنزاف المركبة. فالمنتصر الحقيقي في هذه الحرب ليس من دمر عتاداً أكثر واغتال قيادات أكبر وأكثر، بل من استطاع الحفاظ على تماسك جبهته الداخلية، وفرض إيقاعه الزمني الخاص وشروطه على المشهد العالمي.

 

(1) للعودة الى فكرة اختبار الاجهاد ينظر: حسن فاضل سليم، التماسك الاستراتيجي: تحول الحرب الإيرانية-الامريكية إلى اختبار إجهاد حقيقي، تقدير موقف، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 29 نيسان 2026، متوفر على الرابط: https://www.hcrsiraq.net/2026/04/29/

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى