الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

دول الخليج وحدها قادرة على وضع حد للحرب مع إيران

الملكيات العربية مطالبة بمساعدة واشنطن وطهران على الخروج من الحرب بما يحفظ ماء الوجه

 

بقلم: أليسون ماينور ونيت سوانسون

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

لقد مثّلت الحرب مع إيران إخفاقاً استراتيجياً لجميع الأطراف المنخرطة فيها. فعلى الرغم من نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق بعض الأهداف العسكرية المحدودة، مثل إغراق البحرية الإيرانية، فإنهما أثبتتا، بعد ثمانية أشهر من القتال وممارسة الضغوط، عجزهما عن فرض أهدافهما الاستراتيجية الرئيسية بالقوة، سواء تعلق الأمر بتغيير النظام الإيراني، أو تدمير برنامجه النووي، أو حتى إعادة فتح مضيق هرمز، الذي لم يكن مغلقاً عند اندلاع الحرب. وفي المقابل، أثبتت الجمهورية الإسلامية قدرتها على الصمود في وجه القصف المكثف، لكنها أخفقت في كسر الحصار الأمريكي الذي يستنزف اقتصادها، كما لم تتمكن حتى الآن من تحقيق هدفها المتمثل في وضع حد للتهديدات المستمرة بشن حرب عليها.

ومن المفترض، نظرياً، أن يفتح انزلاق الحرب إلى حالة من الجمود الميداني والاستنزاف المتبادل المجال أمام التوصل إلى تسوية دبلوماسية غير أن الطرفين أظهرا عجزاً عن تقديم التنازلات الضرورية لإبرام اتفاق وبدلاً من ذلك، يبدو أنهما يفضلان الإبقاء على حالة راهنة مدمرة للطرفين، تقوم على وهم إمكانية تحقيق النصر، وتتيح لكل منهما تبرير استمرارها من خلال الأضرار التي يلحقها بخصمه ونتيجة لذلك، وبدلاً من الاقتراب من تسوية تنهي الصراع، بات الطرفان يهددان باستئناف الهجمات.

ومع ذلك، ثمة مخرج يتيح لإيران والولايات المتحدة إنهاء هذا الصراع مع الحفاظ على ماء الوجه، ويتمثل في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار تتوسط فيه الدول العربية الخليجية وتتولى الإشراف على تنفيذه ويقوم هذا الاتفاق على تقديم دول الخليج تسهيلات اقتصادية لإيران، مقابل رفع الأخيرة القيود المفروضة على الملاحة عبر مضيق هرمز، الأمر الذي يتيح للولايات المتحدة بدوره رفع حصارها البحري كذلك، يتعين على دول الخليج الالتزام باتخاذ تدابير تحول دون عودة واشنطن إلى شن ضربات عسكرية ضد إيران مستقبلاً وبهذه الصيغة، لن تضطر الولايات المتحدة أو إيران إلى تقديم تنازلات مباشرة للطرف الآخر، بما يجنب كلاً منهما الاضطرار إلى القبول بتسويات تمس أكثر مصالحه حساسية فعلى سبيل المثال، لن تكون الولايات المتحدة مطالبة بالتخلي عن حملة «الضغط الأقصى»، كما لن تضطر إيران إلى الموافقة على فرض قيود على برنامجها النووي. وفي مرحلة لاحقة، تستطيع دول الخليج توظيف نفوذها وأوراق الضغط التي تمتلكها للحفاظ على وقف إطلاق النار، إلى حين تهيئة الظروف للتوصل إلى اتفاق أكثر شمولاً.

ولا شك أن تولي دول الخليج دور الضامن لوقف إطلاق النار ينطوي على تكاليف ومخاطر حقيقية، غير أن لديها دوافع قوية لقبول هذا الدور فهي تقع في صلب ساحة المواجهة التي تدور فيها الحرب مع إيران، واستمرار الصراع إلى أجل غير مسمى من شأنه أن يهدد الأسس الاقتصادية والسياسية التي تقوم عليها هذه الدول. فاقتصادات الخليج تعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط والغاز، ولا تملك هذه الدول وسيلة تتيح لها تجاوز مضيق هرمز بالكامل في نقل مواردها من الطاقة إلى الأسواق الخارجية فضلاً عن ذلك، فإن مساعيها لتنويع اقتصاداتها وتقليص اعتمادها على المحروقات تظل هي الأخرى عرضة لمخاطر تجدد الهجمات الإيرانية.

ولن يكون التوصل إلى وقف لإطلاق النار مهمة يسيرة؛ إذ يتطلب نجاح هذه المبادرة أن تتجاوز دول الخليج حالة التباين والافتقار إلى التنسيق فيما بينها، وأن تضع إيران التعافي الاقتصادي في صدارة أولوياتها، وأن تقبل بالتخلي عن المطالبة بضمانات صريحة بشأن السلوك الأمريكي مستقبلاً، فضلاً عن ضرورة إتاحة واشنطن المجال الكافي لدول الخليج للمضي في جهود الوساطة والتوصل إلى اتفاق وحتى إذا أُنجزت هذه التسوية، فإنها لن تعالج الأسباب الجوهرية الكامنة وراء الحرب غير أنه في ظل محدودية البدائل المتاحة، تظل هذه المبادرة الخيار الأجدى، وربما الوحيد، لاحتواء تداعيات الصراع والحد من معاناة جميع الأطراف.

 

حفظ ماء الوجه

من الناحية النظرية، لا ينبغي أن يكون التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران أمراً معقداً. فهناك صيغة تاريخية للتفاهمات بين البلدين تقوم على قبول طهران تقييد سلوك معين أو التخلي عنه، مقابل تقديم واشنطن حوافز مالية واعتراف سياسي لها، وهي صيغة يمكن تطبيقها على الصراع الراهن ففي اتفاقيات الجزائر لعام 1981، على سبيل المثال، وافقت إيران على إطلاق سراح الدبلوماسيين الأمريكيين الذين احتجزتهم رهائن، مقابل الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة وتعهد الولايات المتحدة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية. وفي الاتفاق النووي لعام 2015، قبلت طهران فرض قيود صارمة على برنامجها النووي، مقابل تخفيف العقوبات والاعتراف الضمني بحقها في تخصيب اليورانيوم. واليوم، يمكن لإيران أن تتوقف عن عرقلة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وربما تقدم لاحقاً تنازلات بشأن برنامجها النووي، في مقابل حصولها على حزمة من الحوافز الأمريكية تشمل تخفيف العقوبات والمساعدات المالية والاعتراف بدور رسمي لطهران في شؤون المضيق.

لكن التوصل إلى مثل هذا التفاهم يظل بالغ الصعوبة من الناحية العملية ويعود ذلك، جزئياً، إلى اعتبارات فنية؛ إذ لن تقدم إيران التنازلات النووية التي يريدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في حين لن تكون الولايات المتحدة مستعدة لتقديم الحوافز المالية المسبقة وغير القابلة للتراجع التي تطالب بها طهران. غير أن العقبة الأكبر تتعلق بالاعتبارات السياسية ومكانة الطرفين. فترامب يريد انتزاع تنازلات واسعة من طهران لتبرير حربه التي يصعب تبرير أهدافها وقراره الانسحاب من الاتفاق النووي لعام 2015. أما إيران، فلا ترغب في القبول بمكاسب تقل عما تعهدت واشنطن بمنحها إياها في مذكرة التفاهم التي توصل إليها الطرفان في حزيران، والتي تضمنت تعهداً أمريكياً بتقديم تخفيف كبير للعقوبات. ونتيجة لذلك، يجد الطرفان نفسيهما مدفوعين إلى مواصلة المواجهة، رغم ما يترتب عليها من أضرار متبادلة.

ولا تستطيع دول الخليج تسوية الخلاف المتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، لكنها قادرة على الإسهام في تحقيق قدر من الاستقرار من خلال معالجة قضايا أساسية أخرى. فقد لا تكون الولايات المتحدة مستعدة لتقديم مقابل مالي لإيران لمجرد إعادة فتح مضيق هرمز، لكن شركاءها الخليجيين يمتلكون الموارد المالية والدوافع الكافية لتقديم حوافز اقتصادية فورية للنظام الإيراني ويمكن لهذه الدول، على سبيل المثال، تخصيص مساعدات إنسانية وتمويل لجهود إعادة الإعمار في إيران. وفي المقابل، توقف طهران هجماتها على السفن العابرة للمضيق وعلى دول الخليج نفسها وعقب وقف إيران استهداف حركة التجارة والملاحة، ترفع الولايات المتحدة حصارها البحري، فيما تنشئ دول الخليج وإيران آلية مؤقتة لتنسيق حركة الملاحة ومنع الاحتكاك، تأخذ في الحسبان دور إيران في المضيق، من دون إرساء سوابق من شأنها الإضرار بحرية التجارة الدولية وقد تقتضي هذه الآلية التزام السفن بمسارات الملاحة التي تفضلها إيران، من دون إضفاء طابع رسمي على سيطرتها على المضيق أو على حركة العبور فيه.

 

 

غير أن هذه الترتيبات لن تعالج هدفاً إيرانياً جوهرياً آخر، يتمثل في منع الولايات المتحدة و”إسرائيل” من شن حملة عسكرية جديدة ضدها ويبدو التعامل مع هذا الهاجس أكثر صعوبة فعلى الرغم من افتقار الولايات المتحدة إلى تصور موثوق لنهاية عسكرية للصراع، وعدم تمتع الحرب بشعبية على المستوى الداخلي، فإن ذلك لم يمنع ترامب، المعروف بتقلب مواقفه، من إعداد خطط لاستئناف العمليات العسكرية. ومع ذلك، تستطيع دول الخليج تقديم تطمينات لإيران بأنها ستستخدم نفوذها لدى واشنطن للمساعدة في ردع أي هجمات مستقبلية. فعلى سبيل المثال، علّقت الكويت والسعودية مؤقتاً، في آيار، الموافقات التي تتيح للقوات الأمريكية الوصول إلى المنشآت العسكرية واستخدام القواعد وعبور الأجواء الخليجية، وذلك بسبب مخاوفهما من الخطط الأمريكية لمرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز. وقد أثمرت هذه الخطوة، إذ أوقفت الولايات المتحدة العملية مؤقتاً.

وقد تبدي الولايات المتحدة استياءها من إسناد إدارة المفاوضات مع إيران إلى دول الخليج، لكن المسؤولين الأمريكيين ينبغي أن يكونوا قادرين، في نهاية المطاف، على تقديم الاتفاق باعتباره مكسباً لواشنطن. فبوسع ترامب، على سبيل المثال، إنهاء الحرب وإبلاغ الأمريكيين بأنه جنّب العالم موجة من ارتفاع أسعار الطاقة، من دون تقديم التنازلات الاقتصادية والنووية لإيران التي قدمتها إدارة أوباما بموجب اتفاق عام 2015. كما يمكنه التفاخر بالخطوات التي اتخذها لإضعاف إيران، والإشارة إلى أن العقوبات التي يصفها بأنها سياسة «الضغط الأقصى» لا تزال سارية في غياب اتفاق نووي جديد. بل إن الاتفاق الذي تتوسط فيه دول الخليج يجسد، من بعض الوجوه، نهج السياسة الخارجية القائم على مبدأ «أمريكا أولاً» الذي وعد به ترامب؛ إذ يتيح لدول المنطقة تحمل مسؤولية إدارة التعامل مع طرف يُنظر إليه بوصفه مصدر تهديد، بما في ذلك تقديم معظم التنازلات اللازمة للتوصل إلى تسوية. وقد يكون ترامب قد انتهى إلى هذه النتيجة من دون تخطيط مسبق، لكنه سيترك وراءه، مع ذلك، حلفاء أكثر قدرة على إدارة شؤونهم الأمنية بأنفسهم.

أما إيران، فلن تقتصر مكاسبها على الحصول على فوائد اقتصادية كبيرة، بل قد تتمكن أيضاً من إحراز تقدم في مساعيها الرامية إلى تقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة. ففي نهاية المطاف، إذا أقدمت “إسرائيل” أو الولايات المتحدة مستقبلاً على تقويض هذا الترتيب، فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى تسريع تراجع مصداقية واشنطن ونفوذها لدى شركائها الخليجيين. فالولايات المتحدة أضعفت بالفعل علاقاتها مع هذه الدول عندما خاضت الحرب ضد إيران، وهي حرب لم تطلبها تلك الدول، لكنها تكبدت جميعها بسببها عواقب وخيمة. ومن ثم، فإن التوصل إلى اتفاق بوساطة خليجية سيتيح لطهران توظيف أي حملات عسكرية أمريكية مستقبلية ضدها لتعميق الخلاف بين واشنطن وشركائها الإقليميين.

وقد أكدت إيران مراراً أن أولويتها القصوى المرتبطة بالحرب تتمثل في إنهائها بشروط تقلل احتمالات اندلاع صراع جديد في المستقبل. وإلى حد ما، تكون إيران قد حققت بالفعل جانباً من هذا الهدف من خلال الأضرار التي ألحقتها بالاقتصاد العالمي. وبافتراض انتهاء الحرب في نهاية المطاف، فإن أي رئيس أمريكي سيجد نفسه، في المرة المقبلة التي يطلب فيها رئيس وزراء “إسرائيلي” موافقته على شن هجوم ضد إيران، مضطراً إلى الموازنة بين مخاطر زعزعة الاستقرار الاقتصادي العالمي ومقتضيات الأمن “الإسرائيلي”. وفي غياب اختراق نووي إيراني أو هجوم إرهـ ـابي واسع النطاق، قد لا يبلغ التهديد الذي تمثله إيران حداً يبرر المخاطرة بالاقتصاد العالمي. وربما تقدم “إسرائيل” على التحرك بصورة مستقلة عن الولايات المتحدة، لكن مثل هذه الخطوة ستنطوي على مخاطر إلحاق مزيد من الضرر بالعلاقات الأمريكية “الإسرائيلية”، فضلاً عن احتمال تعرضها لرد إيراني من دون حماية أمريكية.

غير أن هذه القدرة على الردع لن تكون فاعلة إلا بعد انتهاء المرحلة الراهنة من الحرب. فإذا استمر الصراع، ستفقد إيران ميزة الردع غير المباشر التي تتيحها لها قدرتها على التأثير في الملاحة عبر مضيق هرمز وما يرتبط بذلك من تداعيات اقتصادية عالمية. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت قوة موقف الأطراف داخل “إسرائيل” والولايات المتحدة التي تدعو إلى تغيير النظام الإيراني أو مواصلة الحرب بلا نهاية. وما لم يُتوصّل إلى حل لمشكلة ارتفاع أسعار الطاقة يتيح لترامب إنهاء انخراط الولايات المتحدة في الصراع مع إيران، فسيواصل البحث عن مخرج، وقد ينتهي به الأمر إلى اللجوء إلى خيارات عسكرية هجومية لم تُستخدم بعد، رغم وجود أسباب وجيهة حالت دون اللجوء إليها حتى الآن.

 

الخيار الأقل سوءاً

تبحث إيران ودول الخليج بالفعل عن حلول إقليمية للصراع، تتولى دول المنطقة قيادتها. فــــــــــفي 26 تشرين الاول، توجه مسؤولون سعوديون إلى طهران للقاء نظرائهم الإيرانيين، بمشاركة مسؤولين من باكستان وتركيا. كما كانت دول الخليج تعتزم عقد اجتماع مع إيران في مدينة صلالة العُمانية، في 14 ايلول، لمناقشة ملف مضيق هرمز. غير أن الاجتماع لم يُعقد، وفي غياب تسوية إقليمية أوسع، ستلجأ دول الخليج في الغالب إلى إبرام تفاهمات ثنائية غير معلنة مع إيران، لتجنب تعرض سفنها أو أراضيها لهجمات مستقبلية. وقد تسهم هذه التفاهمات في تخفيف حدة المخاطر التي تواجهها كل دولة على حدة في المدى القصير، لكنها لن تعالج خطر التصعيد الإيراني على نطاق أوسع، ولن تضع حداً للتداعيات العالمية الناجمة عن الخلافات المتعلقة بمضيق هرمز. فضلاً عن ذلك، تتيح هذه التفاهمات لإيران تأجيج الانقسامات وانعدام الثقة بين دول الخليج، بالتزامن مع رفع سقف مطالبها.

وللتوصل إلى اتفاق قابل للتطبيق، يتعين على دول الخليج تعزيز تماسكها الداخلي. غير أن تحقيق ذلك أسهل قولاً منه فعلاً، ولا سيما في ظل استمرار التوترات بين اثنتين من القوى الخليجية الرئيسية، السعودية والإمارات. غير أن معالجة هذه المشكلة تقع بالكامل ضمن نطاق قدرة دول الخليج، كما تكشف مبادرة صلالة عن وجود رغبة في ذلك. ولا يتطلب تعزيز التماسك الخليجي تسوية الخلافات الثنائية الأوسع أو إنهاء التنافس بين عواصم المنطقة، بل يقتصر على عزل الملف الإيراني عن تلك الخلافات والتعامل معه باعتباره أولوية مشتركة. ولذلك، ينبغي لدول الخليج الاتفاق جماعياً على الخطوط الحمراء للسلوك الإيراني، وتنسيق مواقفها بشأن سبل فرض الالتزام بها. وإذا حاولت إيران اختبار الاتفاق أو المطالبة بمزيد من التنازلات من الحكومات الخليجية، فعلى هذه الدول أن تتخذ موقفاً موحداً، من خلال تعليق المساعدات الاقتصادية أو التعاون، حتى وإن عرّضها ذلك لاحتمال الرد الإيراني.

وستواجه دول الخليج وإيران أيضاً اختباراً يتعلق بجماعة الحوثيين. فمن المفهوم أن تحمّل السعودية إيران مسؤولية الهجمات الحوثية على أراضيها، نظراً إلى دور طهران في بناء قدرات جماعة الحوثـ ــيين، واستمرارها في تقديم دعم تقني ومادي كبير لها، فضلاً عن إسهامها في تجدد التصعيد في الصراع اليمني خلال تموز. لكن إيران لا تسيطر على الحوثـ ـيين بشكل كامل مثلما يتوقع الكثير، فالحـ ـوثيين يبدوا ان لهم مرونة كبيرة في استقلالية قرارهم الخارجي، ولذلك لن تتوقف الجماعة عن مهاجمة السعودية أو تنهي حملتها داخل اليمن لمجرد أن طهران طلبت منها ذلك. ومن ثم، يتعين على طهران تقديم بادرة حسن نية للرياض، عبر إظهار استعدادها للحد من تدخلها المباشر في الهجمات الحوثية الراهنة على السعودية.

ومع ذلك، قد لا تكلل الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق بالنجاح. فحتى إذا تمكنت دول الخليج من تجاوز خلافاتها الداخلية وتحييد مخاوفها المتعلقة بنشاط الحوثـ ـيين، فقد ترفض طهران وواشنطن الانضمام إلى الاتفاق. إذ قد ترى إيران أن السيطرة على المضيق والقدرة على التأثير في أسواق الطاقة من خلال تقييد تدفق الإمدادات تمثلان أفضل ضمانة أمنية لها، في حين قد تجد الولايات المتحدة صعوبة في الإقرار، ولو ضمناً، بأن الحرب لن تحقق النتائج التي وعدت قيادتها بتحقيقها. وحتى إذا نجح اتفاق وقف إطلاق النار، فلن تكون نتائجه مثالية، سواء بالنسبة إلى الولايات المتحدة أو شركائها الخليجيين؛ إذ قد يشجع إيران على توسيع سيطرتها على المضيق، ويضعف الشراكات الأمريكية الخليجية. والأهم من ذلك أنه لن يعالج الأسباب الجوهرية للصراع الأمريكي الإيراني، ولا مصادر التوتر بين إيران وجيرانها، والمتمثلة، على التوالي، في البرنامج النووي الإيراني ودعم طهران للجماعات المسلحة.

لكن التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران ليس ممكناً في الوقت الراهن، في حين تظل التسوية بشأن مضيق هرمز بوساطة خليجية أمراً قابلاً للتحقق. بل قد تكون السبيل الوحيد لإنهاء حالة الجمود والاستنزاف المتبادل التي يُرجح أن تستمر سنوات، وتتسبب في أضرار متزايدة بالأسواق العالمية. ومن المرجح أن تبدأ الاستراتيجيات التي اعتمدتها الدول للتخفيف من تداعيات النقص العالمي في إمدادات النفط والغاز بفقدان فاعليتها خلال عام 2027، مع استنزاف الحكومات احتياطياتها الاستراتيجية، وارتفاع الطلب الصيني، وتعرض مسارات الإمداد البديلة من الخليج لهجمات إيرانية. وقد تؤدي التداعيات الاقتصادية للصراع إلى زعزعة الاستقرار الداخلي في أكثر دول الخليج هشاشة، أو إلى تجدد صراعات قديمة، كما حدث في اليمن هذا العام.

 

وعليه، فإن الاتفاق بوساطة خليجية يمثل الخيار الأقل سوءاً. وتكمن مفارقة هذا الصراع في أن الأطراف التي وقفت على هامشه وتكبدت بالفعل أكبر الخسائر، هي التي ستضطر إلى إنقاذ أطراف الحرب من تبعاتها.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى