الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
التوتر الدائم في العلاقات اليمنية السعودية

من إرث الحدود وصراع النفوذ إلى معضلة الأمن والسيادة وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية
بقلم: د. حمدي محمود
مدير المركز الديمقراطي العربي / مصر
لا يمكن تفسير التوتر في العلاقات اليمنية السعودية بوصفه خلافاً حدودياً أو امتداداً للتنافس السعودي الإيراني فحسب، بل باعتباره حصيلة تفاعل طويل بين الجغرافيا والتاريخ واختلال موازين القوة وأزمات بناء الدولة. فالموقع المتاخم للسعودية يجعل استقرار اليمن جزءاً من حساباتها الأمنية، بينما يضع تفاوت الإمكانات بين البلدين الدولة اليمنية أمام تحدي الحفاظ على استقلال قرارها وإدارة علاقاتها الإقليمية دون أن تتحول حاجتها إلى الدعم الخارجي إلى مدخل للتأثير في خياراتها السياسية. ومن هنا، تتجاوز المعضلة طبيعة العلاقات الثنائية لتطرح سؤالاً أعمق: كيف يمكن تحقيق أمن مستدام بين دولتين تتباين قدراتهما، وتختلف أولوياتهما، بينما يرتبط استقرار إحداهما بدرجة كبيرة بما يحدث داخل الأخرى؟
لم يتخذ هذا التوتر شكلاً واحداً عبر التاريخ؛ فقد تراوحت العلاقة بين المواجهة والتسوية والتعاون، وفقاً للتحولات الداخلية والإقليمية. لكن بعض مصادر القلق ظلت قابلة للتجدد، خصوصاً عندما ضعفت مؤسسات الدولة اليمنية أو تعددت مراكز السلطة أو أصبحت البلاد ساحة لتنافس القوى الإقليمية. ولذلك، فإن فهم العلاقة يتطلب تجاوز التفسير الذي يربط أزماتها بقرار سياسي منفرد، والنظر إليها باعتبارها معضلة تتداخل فيها المصالح الأمنية المشروعة مع أسئلة السيادة والنفوذ والشرعية. كما يقتضي التمييز بين أسباب الخلاف التاريخية والعوامل التي أعادت إنتاجه في ظروف مختلفة، حتى لا يتحول التاريخ إلى تفسير حتمي يعفي الفاعلين المعاصرين من مسؤولية قراراتهم.
شكلت حرب عام 1934 ومعاهدة الطائف محطة تأسيسية في النزاع على الحدود ومجالات النفوذ في جنوب الجزيرة العربية. ولم تقتصر آثار تلك المرحلة على نتائجها السياسية، بل امتدت إلى الذاكرة المرتبطة بالأرض والانتماء والسيادة، وهي عناصر قد تستمر في تشكيل التصورات الوطنية حتى بعد تغير الظروف. ومع ذلك، لا يصح التعامل مع هذه الذاكرة باعتبارها سبباً كافياً لكل خلاف لاحق؛ فالعلاقات الدولية تتغير بفعل المصالح والتحولات المؤسسية، ولا تظل أسيرة الماضي بالضرورة. وقد مثّل توقيع معاهدة جدة عام 2000 لترسيم الحدود خطوة مهمة نحو إنهاء النزاع الحدودي قانونياً، لكنه لم ينهِ التباينات المتعلقة بالنفوذ وطبيعة الاستقرار السياسي في اليمن. وهنا تظهر الفجوة بين تسوية الحدود وإدارة العلاقات: فقد تتفق الدول على خطوط السيادة، بينما تظل رؤيتها للأمن والنظام السياسي في الجانب الآخر مختلفة.(¹)
وتزداد أهمية هذه الفجوة بسبب الطبيعة الجغرافية والاجتماعية للحدود اليمنية السعودية، التي تتداخل فيها التضاريس الجبلية والقرى والروابط الأسرية والقبلية وحركة التجارة والعمل. فمن المنظور السعودي، يفرض ضعف الرقابة في بعض المناطق اليمنية مخاطر تتعلق بتهريب السلاح وتسلل الجماعات المسلحة والهجمات العابرة للحدود. أما المجتمعات اليمنية الحدودية، فقد تتضرر من الإجراءات التي تعطل أنماط الحركة والتجارة التقليدية أو تزيد عزلتها الاقتصادية. ولا يتعارض الاعتراف بحق السعودية في حماية أراضيها مع ضرورة مراعاة المصالح الاجتماعية والاقتصادية للسكان؛ فالأمن المستدام يحتاج إلى ما هو أبعد من المراقبة العسكرية، ويستفيد من التعاون الحدودي والتنمية المحلية وتنظيم التجارة المشروعة. وعندما تصبح الحدود منطقة عسكرية أكثر منها مجالاً للتفاعل المنظم، قد تتراجع بعض المخاطر المباشرة، لكن أسباب الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية تظل قائمة.
ويمنح التفاوت في الموارد الاقتصادية والعسكرية السعودية قدرة أكبر على التأثير في البيئة اليمنية، لكنه لا يضمن لها التحكم في نتائج الصراع. فالقوة المادية تواجه حدوداً واضحة عندما تتعامل مع مجتمع متعدد الانتماءات، ومؤسسات منقسمة، وفاعلين محليين يمتلكون قواعد اجتماعية ومصالح مستقلة. وفي المقابل، لا يعني ضعف الدولة اليمنية فقدانها أهميتها الاستراتيجية؛ بل قد يجعلها أكثر تأثيراً في أمن محيطها، لأن تعدد مراكز السلطة يصعّب التوصل إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ. وتنشأ هنا مفارقة أساسية: تحتاج السعودية إلى جار مستقر قادر على ضبط أراضيه، لكن هذا الاستقرار لا يمكن فرضه بصورة دائمة من الخارج، بينما يحتاج اليمن إلى علاقات إقليمية داعمة لإعادة بناء مؤسساته، من دون أن يفقد استقلال قراره. ولا تعالج هذه المعضلة بتجاهل اختلال القوة، وإنما بوضع قواعد تحدد كيفية استخدام النفوذ وحدوده.
وقد كشفت التحولات اليمنية، منذ قيام الجمهورية في الشمال واستقلال الجنوب، مروراً بالوحدة عام 1990 وحرب 1994، عن صعوبة بناء دولة تستوعب التباينات السياسية والمناطقية وتدير الموارد بصورة مقبولة. كما أضافت أزمة حرب الخليج عام 1990 توتراً إلى العلاقات العربية، قبل أن يفتح اتفاق الحدود عام 2000 مجالاً لتحسين جانب مهم من العلاقة مع الرياض. غير أن الوحدة السياسية لم تنتج تلقائياً مؤسسات متماسكة أو توافقاً مستقراً بشأن توزيع السلطة والثروة. ومن الخطأ رد أزمات اليمن كلها إلى التدخل الخارجي، لأن الفساد والصراعات الداخلية وسوء إدارة الانتقال السياسي أسهمت في إضعاف الدولة، مثلما لا يجوز تجاهل دور التدخلات الإقليمية في تعميق الانقسامات. فالأزمة اليمنية نتاج تفاعل بين عوامل داخلية وخارجية، وأي تفسير يستبعد أحد المستويين يعجز عن توضيح كيفية نشوء الصراع واستمراره.
مثّل سيطرة الحوثـ ـيين على صنعاء عام 2014 تحولاً حاسماً في العلاقة بين الأزمة اليمنية والأمن السعودي. فقد نشأت الحركة وتطورت في سياق الحروب المتكررة في صعدة، ثم استفادت من أزمة الانتقال السياسي وضعف مؤسسات الدولة. ومع توسع سيطرتها، رأت الرياض في تقدمها تهديداً لحدودها ومصدراً لتعاظم النفوذ الإيراني في جوارها المباشر. وفي آذار 2015، قادت السعودية تدخلاً عسكرياً ضمن تحالف عربي دعماً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ومواجهةً لما اعتبرته تهديداً لأمنها. لكن سنوات الحرب أظهرت أن التفوق الجوي والعسكري لا يكفي وحده لفرض تسوية سياسية مستقرة؛ فقد تمكن الحوثـ ـيون من التكيف مع الضغط العسكري وتطوير قدرات صاروخية وطائرات مسيرة، بينما ارتفعت الكلفة الإنسانية والاقتصادية واتسعت صعوبات الوصول إلى تسوية شاملة. ويشير تحليل توماس جونو إلى أن التدخل السعودي تجاوز، وفق تقديره، ما كان مطلوباً لتحقيق التوازن الأمني، وأسهم في حرب مكلفة لم تحقق حسماً سياسياً مستداماً.(²) وتبرز هذه التجربة الفرق بين استخدام القوة لردع التهديد وبين استمرارها من دون أفق سياسي واضح.
ولا يكتمل التحليل من دون مساءلة سلوك جميع الأطراف. فالحوثـ ـيون ليسوا مجرد أداة خارجية كما تصفهم السعودية بل فاعل يمني يمتلك أهدافاً ومصالح وقرارات يتحمل مسؤوليتها، بما في ذلك فرض السلطة بالقوة والهجمات العابرة للحدود. وفي الوقت نفسه، لا يلغي ارتباط الحركة بالجمهورية الاسلامية في إيران أهمية جذورها المحلية أو مسؤولية الأطراف الأخرى عن نتائج الحرب. كذلك، لا تبرر المخاوف الأمنية أي تجاوز للقواعد التي تحمي المدنيين والبنية التحتية، ولا تعفي العمليات العسكرية للتحالف من المساءلة عن آثارها الإنسانية ومدى التزامها بالقانون الدولي الإنساني. ويقتضي الموقف النقدي تطبيق معايير واحدة على الجميع، والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وبين الحق في حماية الأمن والوسائل المستخدمة لتحقيقه. فحين تصبح المبررات الأمنية حصانة سياسية، تتراجع فرص المساءلة، ويدفع المدنيون ثمن صراع تتداخل فيه حسابات محلية وإقليمية.
كما غيرت الصواريخ والطائرات المسيرة طبيعة التوازن العسكري، إذ باتت جماعات مسلحة قادرة على تهديد منشآت حيوية وإجبار دول أكبر على تخصيص موارد ضخمة للدفاع. ولا يعني ذلك تلاشي التفوق العسكري التقليدي، بل إن قيمته أصبحت مرتبطة بقدرته على الاندماج ضمن منظومة تشمل الاستخبارات والإنذار المبكر والدفاع متعدد الطبقات والعمل الدبلوماسي. وقد أظهرت التجربة اليمنية أن الهجمات منخفضة الكلفة نسبياً يمكن أن تفرض أعباء اقتصادية وأمنية تتجاوز نطاق المواجهة المباشرة. وبذلك لم يعد أمن السعودية مرتبطًا بحماية الحدود وحدها، بل أيضاً بقدرة الدولة اليمنية على منع استخدام أراضيها منصةً للهجمات، وبوجود ترتيبات سياسية تقلل دوافع التصعيد.(³)
ويمتد أثر النزاع إلى الاقتصاد والمجتمع؛ فاليمن يرتبط بالسعودية من خلال التجارة والعمل والتحويلات والروابط الاجتماعية، ما يجعل اضطرابه مؤثراً في حياة ملايين الأشخاص. وقد أدى استمرار الحرب إلى إضعاف المؤسسات الخدمية، وتراجع النشاط الاقتصادي، واتساع النزوح والاحتياجات الإنسانية. وفي مثل هذه الظروف، لا تكفي المساعدات وحدها لإعادة بناء الدولة، كما لا تستطيع الاتفاقات الأمنية معالجة انهيار الخدمات وفرص العمل. المطلوب هو ربط التسوية السياسية ببرنامج اقتصادي واقعي يشمل استعادة البنية التحتية، ودعم المؤسسات المدنية، وتسهيل التجارة المشروعة، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على استعادة مصادر دخلها. فالتنمية ليست بديلاً عن السياسة، لكنها شرط ضروري كي لا تتحول التسوية إلى هدنة هشة تتآكل تحت ضغط الفقر وانعدام الثقة.
وعلى المستوى الإقليمي، أسهم التنافس السعودي الإيراني في توسيع نطاق الصراع، لكنه لا يفسر وحده مساراته. فطهران تستفيد من علاقاتها بالحوثيين ضمن حسابات نفوذ أوسع، بينما ترى الرياض في القدرات العسكرية للحركة تهديداً مباشراً لأمنها. لكن القوى اليمنية ليست امتداداً آلياً لعواصم الخارج؛ إذ تختلف مواقفها بشأن السلطة ووحدة الدولة وتوزيع الموارد. كما أن التباينات بين السعودية والإمارات بشأن بعض الملفات اليمنية تكشف أن الأطراف المتحالفة قد تتفق على أهداف عامة، بينما تختلف في تصور مستقبل المناطق الجنوبية والساحلية والشرقية. وعندما تتنافس القوى الخارجية عبر حلفاء محليين، قد يتحول الدعم إلى عامل يرسخ تعدد مراكز السلطة بدلاً من تعزيز مؤسسات الدولة. ومن ثم، فإن فهم الأزمة يتطلب تحليلاً متزامناً للمصالح الداخلية والتدخلات الخارجية، بعيداً عن اختزال اليمن في ساحة مواجهة بين الرياض وطهران.⁴
وتتجاوز أهمية اليمن حدوده البرية إلى البحر الأحمر وباب المندب، حيث تتقاطع طرق التجارة والطاقة مع مصالح دول المنطقة والقوى الدولية. فاضطراب السواحل اليمنية أو تهديد الملاحة قد يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في سلاسل الإمداد العالمية. غير أن النظر إلى اليمن من زاوية الممرات البحرية وحدها يحوله إلى موقع استراتيجي مجرد، ويتجاهل حقوق سكانه واحتياجاتهم السياسية والاقتصادية. فلا ينبغي استخدام حماية الملاحة ذريعةً لتهميش التسوية اليمنية، كما لا يمكن تبرير استهداف السفن التجارية أو تعريض المدنيين للخطر بالمظالم الداخلية. والتحدي هو الجمع بين حرية الملاحة واحترام السيادة والقانون الدولي، وبين معالجة الصراع الذي يجعل الموقع الجغرافي مصدراً للاضطراب بدلاً من أن يكون أساساً للتعاون.
وتكشف المفاوضات السعودية الحوثية عن الفرق بين التسوية الأمنية والسلام الوطني. فقد أتاحت هدنة عام 2022 والمساعي الدبلوماسية اللاحقة فرصة لتقليل المواجهات المباشرة، لكن أي تفاهم ثنائي يظل محدوداً إذا لم يعالج مستقبل مؤسسات الدولة اليمنية، وتوزيع السلطة والثروة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، ومشاركة القوى السياسية الأخرى. وقد حذرت مجموعة الأزمات الدولية من مخاطر أن تؤدي المفاوضات الثنائية إلى استبعاد أطراف يمنية أساسية، ودعت إلى ربطها بمسار سياسي أوسع ترعاه الأمم المتحدة.(⁵) ولذلك، ينبغي ألا يُقاس نجاح التسوية بتوقف الهجمات على الأراضي السعودية فحسب، بل بقدرتها على منع عودة الحرب، وإنشاء آليات لتنفيذ الاتفاقات، وتوفير تمثيل سياسي أوسع، ومعالجة جذور الانقسام. فالسلام الذي يضمن أمن الحدود دون تسوية الأزمة الداخلية قد يؤجل الصراع بدلاً من إنهائه.

وتؤكد المخاطر المستمرة أن التهدئة لا تعني زوال أسباب الحرب. فالتصعيد الإقليمي، والانقسامات اليمنية، وتعدد القوى المسلحة، واستمرار الضغوط الاقتصادية، كلها عوامل يمكن أن تقوض المسار الدبلوماسي إذا لم تُعالج ضمن رؤية متكاملة. كما أن ارتباط النزاع بالملاحة والمنشآت الاقتصادية يجعل آثاره تتجاوز البلدين، ويمنح الأطراف الإقليمية والدولية مصلحة في منع اتساعه. لكن هذه المصلحة لا تمنح الخارج حق تقرير مستقبل اليمن؛ إذ تظل التسوية المستدامة بحاجة إلى مشاركة يمنية حقيقية، وضمانات أمنية متبادلة، واحترام القانون الدولي، وآليات تمنع تحويل الخلافات إلى مواجهات مسلحة.(⁶)
وقد أظهر التقارب السعودي الإيراني الذي أُعلن بوساطة صينية عام 2023 أن الحوار يمكن أن يفتح مسارات لخفض التوتر، لكنه لم يكن كافياً وحده لحل الأزمة اليمنية. فالتهدئة بين الدول لا تضمن تلقائياً التزام الفاعلين المحليين، خصوصاً عندما يمتلكون مصالح وقدرات عسكرية مستقلة. ومن هنا، تتطلب إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية تفاهمات تتعلق بأمن الحدود، وعدم دعم التصعيد المسلح، وحماية الملاحة، وتسهيل وصول المساعدات، بالتوازي مع عملية سياسية يمنية شاملة. كما ينبغي أن يقترن أي اتفاق بآليات واضحة للرقابة والتنفيذ وتسوية الخلافات، حتى لا يبقى الاستقرار مرهوناً بحسابات سياسية متغيرة.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل السلام عن الاقتصاد. فقد أشار البنك الدولي في تقريره عن الاقتصاد اليمني إلى استمرار الضغوط الناتجة عن تعطل صادرات النفط وضعف الإيرادات وتراجع التمويل الإنساني، وهي عوامل تقلل قدرة المؤسسات على تقديم الخدمات وتزيد صعوبة التعافي.(⁷) ولذلك، فإن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تكون مكافأة مؤجلة إلى ما بعد الاتفاق، بل جزءاً من عملية بناء السلام، من خلال استعادة الخدمات الأساسية، ودعم المؤسسات المالية، وتوفير فرص العمل، وتطوير آليات شفافة لإدارة الموارد. فالتسوية التي لا تمنح السكان تحسناً ملموساً في حياتهم قد تفقد شرعيتها الاجتماعية، حتى إذا نجحت مؤقتاً في وقف إطلاق النار.
إن التوتر في العلاقات اليمنية السعودية ليس قدراً تاريخياً محتوماً، لكنه لا يُحل باتفاق أمني محدود أو بتفوق عسكري منفرد. إنه معضلة تتداخل فيها ذاكرة الحدود مع اختلال القوة، وتتقاطع فيها السيادة مع الأمن، وتتفاعل فيها أزمات الداخل مع المنافسة الإقليمية. وقد أثبتت التجربة أن حسم الحدود قانونياً لا يكفي وحده لإنهاء التوتر، وأن القوة لا تضمن استقراراً سياسياً، وأن التفاهمات الثنائية لا تستطيع أن تحل محل تسوية وطنية شاملة. والاختبار الحقيقي أمام الرياض والقوى اليمنية وسائر الأطراف الإقليمية هو بناء ترتيب يجعل الحرب أقل جدوى من السلام، ويمنح اليمنيين فرصة استعادة دولتهم، ويضمن للسعودية أمن حدودها من دون ربطه باستمرار هشاشة جارتها.
فالعلاقة المستقرة لا تتطلب اختفاء الخلافات، بل وجود مؤسسات وقواعد تجعل إدارتها ممكنة دون اللجوء إلى القوة. وعندما يصبح استقرار اليمن مصلحة مشتركة فعلية، يمكن الانتقال من احتواء المخاطر إلى بناء الأمن المتبادل، ومن التنافس على النفوذ إلى تعاون يحترم السيادة والمصالح المشروعة. عندها فقط يمكن أن تتحول الجغرافيا من مصدر دائم للقلق إلى أساس للتكامل، وأن يصبح التاريخ مصدراً للتعلم بدلاً من أن يظل عبئاً يعيد إنتاج المخاوف.




