الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
خام المونازيت المشع.. ورقة قد تنتزع من الصين هيمنتها على العناصر الأرضية النادرة

تتسابق القوى الغربية للحصول على خام المونازيت لكن هل تستطيع التعامل معه؟
بقلم: غلين زوربيت
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
إن الحملات العالمية الرامية إلى كسر هيمنة الصين على أسواق العناصر الأرضية النادرة الحيوية تتبلور لتصبح إحدى أبرز ساحات الصراع الجيوستراتيجي في مطلع القرن الحادي والعشرين، وتسعى مئات شركات التعدين والهيئات الحكومية والمنشآت الصناعية المنتشرة في أمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا وأوروبا إلى منافسة الشركات الصينية التي تهيمن على نحو 90% من أسواق أكاسيد العناصر الأرضية النادرة ومعادنها.
وتدخل هذه العناصر في تصنيع طيف واسع من المنتجات التي تقوم عليها قطاعات صناعية بالغة الأهمية مثل أشباه الموصلات والصمامات الثنائية الباعثة للضوء والليزر وشاشات العرض والسبائك المعدنية والعدسات البصرية والعوامل المحفزة المستخدمة في معالجة النفط والمواد الكيميائية، غير أن أهم استخداماتها يتمثل في المغناطيسات الدائمة إذ تعتمد جميع المحركات الكهربائية القوية تقريباً ومعظم مكبرات الصوت عالية الجودة على المغناطيسات الدائمة المصنوعة من العناصر الأرضية النادرة، وتشكل هذه المحركات قلب المركبات الكهربائية وأنظمة التدفئة والتبريد والروبوتات والأجهزة المنزلية والأدوات والمنظومات العسكرية بدءاً من الطائرات المسيّرة التكتيكية وصولاً إلى الغواصات المزودة بصواريخ باليستية.
وخلاصة القول إن أي قوة صناعية تسعى إلى الحفاظ على قدرتها التنافسية في الصناعات الحيوية والمتقدمة تقنياً لا بد لها من ضمان الوصول إلى إمدادات مستقرة من العناصر الأرضية النادرة أو المنتجات القائمة عليها، غير أن سلسلة الإمداد التقليدية لهذه العناصر التي تنطلق من الصين أصبحت محفوفة بالمخاطر على نحو متزايد إلى حد دفع بعض المحللين إلى البدء باستخدام مصطلح (الحرب المعدنية)، لكن الدول التي تتسابق حالياً لإنشاء سلاسل إمداد بديلة سواء بجهود منفردة أو بالتعاون فيما بينها تواجه تحديات هائلة، فإلى جانب الزخم الكبير الذي تتمتع به صناعة العناصر الأرضية النادرة الصينية قلّما يوجد قطاع صناعي يضاهي هذه الصناعة من حيث التقلبات والمخاطر والتعقيدات الخفية والإحباطات المتكررة. وعلى الرغم من هذه التحديات، يرى كثير من خبراء العناصر الأرضية النادرة أن ثمة سبيلاً للمضي قدماً، يرتبط بنوع محدد من الخامات يُعرف باسم المونازيت.
يقول جاك ليفتون المحلل والرئيس المشارك لمعهد المعادن الحيوية وهو منظمة تأسست لتعزيز إنشاء سلسلة إمداد في أمريكا الشمالية “المستقبل للمونازيت”، وقد أمضى ليفتون الذي يدرس صناعة العناصر الأرضية النادرة منذ عام 1962 عقوداً شهد خلالها ظهور اتجاهات وشركات وتقنيات لا حصر لها ثم اختفاءها ولذلك فهو لا يميل إلى إطلاق أحكام عامة واسعة، لكنه يبدي تفاؤلاً واضحاً بشأن المونازيت إذ يقول “في الوقت الراهن يُعدّ المونازيت أهم خام للعناصر الأرضية النادرة”. ويسارع ليفتون وغيره من الخبراء إلى الإقرار بأن الطريق إلى الاستفادة من المونازيت لن يكون سهلاً أو مستقيماً، فإلى جانب احتوائه على كميات كبيرة من العناصر الأرضية النادرة القيّمة يحتوي المونازيت عادةً على الثوريوم المشع وأحيانًا على اليورانيوم أيضاً، ما يجعل التعامل معه وتخزينه ومعالجته خاضعًا لرقابة صارمة من الجهات الحكومية المختصة. ومع ذلك تتدفق استثمارات كبيرة حالياً إلى مناجم المونازيت وتقنيات معالجته، ففي الولايات المتحدة طورت شركة (إنرجي فيولز) التي تدير مطحنة اليورانيوم التقليدية الوحيدة في البلاد عملية استخلاص خاصة بها لإنتاج العناصر الأرضية النادرة الخفيفة والثقيلة على السواء علماً بأن إنتاج العناصر الثقيلة يقتصر حالياً بصورة شبه كاملة على الصين، وأنفقت الشركة أكثر من 200 مليون دولار لتأمين أصول مرتبطة بالمونازيت في مدغشقر والبرازيل، وهي تستعد الآن للانتقال إلى مرحلة ثانية تهدف فيها إلى رفع إنتاجها من العناصر الأرضية النادرة إلى مستويات تجارية أعلى بتكلفة تقديرية تبلغ 410 ملايين دولار.

في المقابل يقدم مشروع حكومي في مقاطعة ساسكاتشوان الكندية درساً تحذيرياً للمراهنين على المونازيت، فبعد ست سنوات من أعمال البناء وإنفاق أكثر من 100 مليون دولار كندي لم ينتج مصنع المعالجة هناك سوى كميات محدودة للغاية من العناصر الأرضية النادرة من دون تحديد حجمها بدقة، وكان من المفترض أن ينتج المصنع الذي أنشأه مجلس أبحاث ساسكاتشوان 40 طناً من العناصر الأرضية النادرة شهرياً بحلول نهاية عام 2024 لكن ذلك لم يتحقق، ثم وُضعت خطة لبلوغ مرحلة (التشغيل الكامل) بإنتاج 400 طن من المعادن سنوياً في مطلع عام 2025 إلا أن هذا الهدف لم يتحقق هو الآخر، وتستهدف المؤسسة الآن أواخر عام 2027 موعداً جديداً لتحقيق ذلك وهو ما سيرفع التكلفة الإجمالية إلى أكثر من 216 مليون دولار كندي وفقاً لما ذكره الرئيس التنفيذي للمجلس مايك كرابتري. وتتجه شركات عدة خارج أمريكا الشمالية إلى تطوير مشروعات كبرى لاستخراج المونازيت من بينها “إيلوكا ريسورسز” و”ترونوكس” و”هاستينغز تكنولوجي ميتالز ليمتد” و”ستينكامبسكرال” و”أسترون كوربوريشن” و”سوفيرين ميتالز” و”مكّانغو ريسورسز”، كذلك تخصص شركة “ليناس رير إيرثس ليمتد” ومقرها مدينة بيرث الأسترالية وهي أكبر شركة منتجة للعناصر الأرضية النادرة خارج الصين استثمارات كبيرة لتوسيع أنشطة استخراج المونازيت ومعالجته ولا سيما في منجمها بجبل ويلد الذي يُعد من أبرز مكامن المونازيت في العالم، وتعالج الشركة خام المونازيت المستخرج من المنجم حالياً في منشأة واسعة النطاق في ماليزيا.
وتكشف هذه المشروعات عن وفرة رواسب المونازيت في أنحاء العالم ويوجد هذا الخام في شكلين رئيسيين ففي أستراليا وجنوب أفريقيا والصين تنتشر رواسب ضخمة منه في عروق صخرية صلبة تمتد عبر الجبال والكالديرات البركانية، غير أن جانباً كبيراً من الاهتمام المتزايد بالمونازيت ينصب على نوع آخر يُعرف باسم الرمال المعدنية الثقيلة التي تتشكل بفعل التجوية والتعرية للصخور الغنية بالمعادن، فعلى مدى عشرات الملايين من السنين أسهمت الرياح والمياه والجاذبية في تفتيت هذه الصخور إلى حبيبات تراكمت في المناطق الساحلية وعلى امتداد مجاري الأنهار. ويتميز المونازيت الموجود ضمن هذه الحبيبات المعدنية الثقيلة بصلابته النسبية وخموله الكيميائي، وعلى الرغم من أن نسبته قد لا تتجاوز بضعة في المئة من وزن الرواسب فإن محتواه من العناصر الأرضية النادرة يتراوح عادةً بين 60 و62 % من وزنه، بما يشمل في كثير من الحالات العناصر اللازمة لصناعة المغناطيسات الدائمة. وتوجد رواسب واسعة من الرمال المعدنية الثقيلة الحاوية على المونازيت في أستراليا والهند والبرازيل ومدغشقر وموزمبيق وجنوب أفريقيا، فضلاً عن رواسب أصغر في جنوب شرق الولايات المتحدة وولاية أيداهو وسريلانكا والصين وماليزيا وتايلاند وإندونيسيا وفيتنام.
وثمة ميزة إضافية لهذه الرواسب تتمثل في سهولة استخراجها نسبياً إذ تقتصر العملية على تجريف الرمال أو تعدينها بإزالة الطبقات السطحية بدلاً من عمليات التفجير والحفر ونقل الصخور والتربة التي يتطلبها استخراج الخامات من الصخور الصلبة، ولأن الرمال موجودة أصلاً في هيئة حبيبات فلا حاجة إلى تكسيرها أو طحنها كما هي الحال مع الخامات الصخرية، كذلك يمكن فصل المعادن الثقيلة عن الرمال في موقع التعدين باستخدام تقنيات مغناطيسية أو تقنيات تعتمد على الجاذبية منخفضة التكلفة نسبياً بما يتيح الحصول على مركزات معدنية مرتفعة التركيز تمهيداً لمعالجتها لاحقاً. لكن هذه المزايا لا تخلو من تحديات، ويوضح جيمس كينيدي من شركة “ثري للاستشارات” المتخصصة في تقديم المشورة بشأن العناصر الأرضية النادرة ومقرها ولاية ميزوري “أن المشكلة تكمن في احتواء هذه الرمال على كميات كبيرة من الثوريوم” وهو عنصر مشع، ويضيف “نظراً إلى عدم وجود سوق للثوريوم فلا بد من تخزينه”، ووفقاً للوائح اللجنة التنظيمية النووية الأمريكية والوكالة الدولية للطاقة الذرية تُصنَّف المواد المشعة المخزنة التي لا يوجد لها استخدام محدد أو مسار معتمد للتخلص منها على أنها نفايات نووية.
وتشكّل النفايات النووية عبئًا على الجهات المسؤولة عنها لأن مناولتها ونقلها وتخزينها تخضع جميعها لرقابة صارمة من الهيئات النووية وقد تستمر الحاجة إلى تخزينها مئات السنين بل آلافها، ومع احتمال ارتباط أي انتعاش مستقبلي لإنتاج العناصر الأرضية النادرة خارج الصين بإحياء صناعة المونازيت بدأ بعض المراقبين التدقيق في اللوائح الصارمة التي تنظم إنتاج الثوريوم وغيره من النواتج الثانوية لعمليات معالجة هذا الخام في الولايات المتحدة وغيرها من البلدان، ويرى كينيدي أن هذه القيود التنظيمية ستظل عائقاً أمام طموحات الدول خارج الصين في هذا المجال ما لم تتخذ الحكومات خطوات لمعالجة المشكلة.
ويقول كينيدي “إن ترشيد اللوائح المنظمة للثوريوم سيضع حداً لأزمة العناصر الأرضية النادرة في الولايات المتحدة”، ويضيف “فبدلاً من أن تظل هذه العناصر نادرة وشحيحة، ستصبح متوافرة على نطاق واسع بوصفها نواتج ثانوية طبيعية لعمليات التعدين الأخرى. وتقدم شركة “إنرجي فيولز” نموذجاً عملياً لهذه الرؤية فهي تدير مطحنة اليورانيوم الوحيدة العاملة في الولايات المتحدة كما أنها الشركة التجارية الوحيدة في البلاد الحاصلة على تراخيص تتيح لها معالجة مركبات الثوريوم واليورانيوم ومناولتها وتخزينها، فضلاً عن كونها واحدة من عدد محدود جداً من الجهات المرخص لها بتخزين العناصر الأكتينيدية بمختلف أنواعها، وتمنح هذه التراخيص الشركة التي يتركز نشاطها الأساسي على إنتاج اليورانيوم ميزة فريدة إذ تجعلها الجهة الأمريكية الوحيدة القادرة قانونياً على معالجة خام المونازيت واستخلاص العناصر الأرضية النادرة منه.

وتسعى الشركة حالياً إلى استثمار هذه الميزة على نحو مكثف، فعلى الرغم من استمرار اليورانيوم في تشكيل نشاطها الرئيسي إذ بلغ إنتاجها العام الماضي 1.72 مليون رطل من أكسيد اليورانيوم فإنها بدأت بالفعل تسويق أكاسيد العناصر الأرضية النادرة، عقب استثمار 22 مليون دولار في إنشاء منشأة صغيرة لمعالجة هذه العناصر في مطحنة وايت ميسا بولاية يوتا، في الموقع نفسه الذي تُعالج فيه خامات اليورانيوم.
وفي حزيران تلقت خطط الشركة لتوسيع نشاطها في مجال العناصر الأرضية النادرة دفعة مهمة بعدما أعلنت إدارة ترامب التوصل إلى اتفاق بشأن التزام مشروط بتقديم قرض لها بقيمة 725 مليون دولار، وأوضح مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الدفاع الأمريكية أن الاتفاق سيساعد الشركة على زيادة إنتاج أكاسيد العناصر الأرضية النادرة، ويدعم خططها لتحويل هذه الأكاسيد إلى معادن وهي مرحلة أساسية تسبق تصنيع المغناطيسات. وينشأ معظم العبء الإشعاعي المصاحب لمعالجة خام المونازيت عن بعض المواد الناتجة من مراحل المعالجة، ففي إحدى المراحل الأولية يُفصل الثوريوم والراديوم غالباً بوصفهما من النفايات، ويتكون الثوريوم الموجود في العينات الطبيعية العشوائية في معظمه الساحق من النظير ثوريوم-232 الذي يتميز بضعف نشاطه الإشعاعي نسبياً، ويصدر هذا النظير جسيمات ألفا التي لا تستطيع اختراق جلد الإنسان ومع ذلك فإن تخزين الثوريوم على نحو غير سليم إلى جانب النواتج الثانوية الأخرى لمعالجة المونازيت قد يترتب عليه آثار خطيرة ولا سيما إذا دخلت هذه المواد إلى الجسم عن طريق الابتلاع. وتعود إحدى أبرز الحالات التي توضح مخاطر سوء إدارة هذه النفايات إلى عام 1979حين أُنشئت شركة تابعة لشركة “ميتسوبيشي كيميكال” لاستخلاص الإيتريوم من خام المونازيت في ولاية بيراك الماليزية، وبعد بدء عمليات الاستخلاص بفترة وجيزة نحو عام 1982 أخذ السكان المحليون يشكون من أمراض مختلفة. وبموافقة الحكومة الماليزية أنشأت الشركة قناة لتصريف النفايات إلى موقع قريب مخصص للتخلص منها حيث خُزنت في براميل فولاذية مكشوفة وفي حوض نفايات غير مبطّن بطبقة عازلة، ومع هطول الأمطار الغزيرة كانت النفايات تفيض من الحوض وتتسرب إلى التربة والجداول المائية المجاورة، وفي عام 1984 أجرى أستاذ ياباني قياسات لمستويات الإشعاع في الحوض والمناطق المحيطة به فوجد أنها تجاوزت في الحالات الأشد الحدود القصوى المقبولة دولياً بمئات المرات، وكشف تحقيق لاحق عن ارتفاع استثنائي في معدلات العيوب الخلقية فضلاً عن تسجيل ثماني حالات إصابة بسرطان الدم بين سكان التجمع السكاني الصغير القريب من مكب النفايات.
أعقب ذلك نزاع قانوني طويل بين السكان المحليين والحكومة الماليزية انتهى بإغلاق المنشأة عام 1992، وبحلول ذلك الوقت كانت كميات هائلة من المواد المشعة قد أُفرغت في الموقع بإهمال ما استلزم أكثر من عقدين لتنفيذ أعمال التنظيف وكلّف شركة “ميتسوبيشي كيميكال” نحو 100 مليون دولار، ولا تزال تداعيات هذه الحادثة تلقي بظلالها على صناعة العناصر الأرضية النادرة في ماليزيا حيث تعالج شركة “ليناس” اليوم مركزات المونازيت في أكبر منشأة منفردة لمعالجة العناصر الأرضية النادرة في العالم. ويرى كينيدي أن تحوّل خام المونازيت إلى مصدر رئيسي للعناصر الأرضية النادرة سيستلزم التخلص من كميات أكبر بكثير من الثوريوم، قد يتعذر استيعابها اقتصادياً في أحواض مخلفات مبطنة ومعزولة، ومن بين الخيارات المحدودة المتاحة للاستفادة من هذه الكميات الكبيرة من الثوريوم استخدامه في إنتاج الطاقة النووية. فقد أطلقت دول عدة من بينها الولايات المتحدة والنرويج وألمانيا، برامج بحثية لتطوير مفاعلات تعمل بالثوريوم قبل سنوات فيما تواصل الهند منذ عقود برنامجًا في هذا المجال، وإن بوتيرة بطيئة. أما اليوم فلا يوجد سوى مفاعل واحد عامل لإنتاج الطاقة باستخدام الثوريوم في الصين، إذ يشغّل معهد شنغهاي للفيزياء التطبيقية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم مفاعلاً يعمل بالأملاح المنصهرة، بقدرة تبلغ ميغاواطين منذ عام 2023.
لكن بعض العاملين في قطاع العناصر الأرضية النادرة يرون أن أكبر التحديات التي تواجه مشروعات المونازيت لا تتمثل في الثوريوم أو الإشعاع أو القيود التنظيمية، بل في مزيج من الملابسات غير المألوفة والمفاهيم الخاطئة والممارسات القائمة على تحقيق المصالح الخاصة، وهي مشكلات تطبع القطاع بأكمله. وقال كينيدي “إن العمل في مجال تعدين العناصر الأرضية النادرة يشبه العمل في أفغانستان، إذ يدخل الأفراد والشركات هذا المجال بأفكار وطموحات كبيرة، ثم يجدون أنفسهم عالقين في مستنقعات يصعب الخروج منها”. وتتمثل إحدى المشكلات الجوهرية في الطبيعة المضاربية التي تطبع معظم جوانب هذا القطاع ما يهيئ بيئة ملائمة للصفقات التي تُبرم خلف الكواليس، وتنتشر فيه على وجه الخصوص فئة من المضاربين الذين يشترون حصصاً في مشروعات العناصر الأرضية النادرة من دون نية الاستمرار فيها حتى اكتمالها بل بهدف تحقيق الأرباح عند صدور أخبار إيجابية عنها مستقبلاً، وتُعرف هذه الممارسة باسم “التضخيم ثم التصريف” إذ يُروَّج للمشروع لرفع قيمته، قبل أن يبيع المستثمرون حصصهم ويجنوا الأرباح.
ومن الأمثلة على ذلك قرار إدارة ترامب استثمار 1.6 مليار دولار مقابل حصة تبلغ 10% في شركة “يو إس إيه رير إيرث” التي تمتلك حقوق استغلال مكمن يُعرف باسم “راوند توب” في منطقة سييرا بلانكا بولاية تكساس، وقد استعانت الشركة بمؤسسة “كانتور فيتزجيرالد” المالية في وول ستريت لجمع 1.5 مليار دولار من التمويل عبر إصدار الأسهم لتمويل الصفقة، ومن اللافت أن المؤسسة يديرها أبناء هوارد لوتنيك وزير التجارة في إدارة ترامب، ولا يوجد حالياً أي منجم في مكمن راوند توب كما أن احتمال عدم إنشاء منجم فيه على الإطلاق يظل قائماً بدرجة كبيرة. وقال تيري ماكنولتي وهو مستشار في مجال التعدين مقره مدينة توسان بولاية أريزونا “تواصل الإدارة الحالية الإخفاق في الاستعانة بآراء الخبراء، وتضخ بتهور مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب في عمليات ومشروعات مضاربية لاستخلاص العناصر الأرضية النادرة، مثل مشروع راوند توب الذي لا يملك سوى فرص ضئيلة للنجاح التجاري”. وفي القمتين اللتين عُقدتا بين الولايات المتحدة والصين هذا العام، لم تتمكن إدارة ترامب من انتزاع أي تنازلات جوهرية من الرئيس الصيني شي جين بينغ بشأن العناصر الأرضية النادرة، وهذا يعني أن الصناعة الأمريكية باتت عرضة لتقلبات السياسات الصينية التي قد تتسم أحياناً بطابع انتقامي.
ويأتي معظم خام المونازيت المستخرج محلياً في الصين من منجم واحد هو مجمع بيان أوبو الضخم الواقع على بُعد نحو 150 كيلومترًا شمال مدينة باوتو في منغوليا الداخلية، وعلى الرغم من أن النشاط الأساسي لهذا المجمع هو استخراج خام الحديد فإنه يضم أيضاً أكبر مكمن معروف للعناصر الأرضية النادرة في العالم، ويوفر نحو40% من إجمالي خامات هذه العناصر المستخرجة عالمياً في العام المعتاد. وتستورد الصين كذلك كميات كبيرة من الخامات ووفقاً لتوماس كرويمر وهو مستشار متخصص في المعادن والفلزات مقره سنغافورة تجاوزت وارداتها من هذه الخامات 70 ألف طن العام الماضي، وتكتسب هذه الكمية أهمية أكبر عند أخذ التحديات الخاصة بشحن المونازيت بحراً في الحسبان، فبسبب نشاطه الإشعاعي يُصنَّف خام المونازيت المركّز ضمن البضائع الخطرة من الفئة السابعة بموجب المدونة البحرية الدولية للبضائع الخطرة، وقال كرويمر إن ذلك يعني أن استيراده إلى الصين لا يمكن أن يتم إلا عبر أربعة موانئ. وفي الآونة الأخيرة كثّفت الصين جهودها لتأمين مصادر لخام العناصر الأرضية النادرة في مختلف أنحاء العالم، ويقول كرويمر إن أحد أسباب ذلك يتمثل ببساطة في تعويض الإمدادات التي فقدتها مؤخراً، ففي عام 2025 استثمرت الحكومة الأمريكية 400 مليون دولار في منجم ماونتن باس ومنشأة المعالجة التابعة له في ولاية كاليفورنيا، وأنهت هذه الصفقة عقوداً طويلة الأمد كانت المنشأة بموجبها تبيع عشرات الآلاف من الأطنان سنويًا من مركزات العناصر الأرضية النادرة إلى شركة تجارية تابعة لمجموعة “شنغهي ريسورسز”. لكن مراقبين غربيين آخرين يرجّحون أن تكثيف الصين مساعيها للاستحواذ على الرمال المعدنية الثقيلة وغيرها من أصول العناصر الأرضية النادرة في الخارج يستند إلى اعتبارات استراتيجية، ووفقاً لهذا التفسير فإن حصول المؤسسات الصينية على حقوق استغلال المكامن أو المشروعات في الخارج يحول دون إتاحتها للمطورين من خارج الصين.
وتخضع صادرات الصين من مواد العناصر الأرضية النادرة حالياً لقيود يشددها قادتها أو يخففونها بصورة منهجية استجابةً للتطورات في العلاقات الصينية الأمريكية، وجاء في تقرير صدر في نيسان عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “حتى إذا واصلت الصين تعليق قيودها على الصادرات خلال عام 2027 فإنها لا تُعد شريكاً موثوقاً للولايات المتحدة في تصدير هذه المواد خلال فترات تصاعد التوترات الجيوسياسية”.
ولا شك أن العلاقات الأمريكية الصينية تتسم بتوتر شديد، ويتابع التقرير “من المرجح بدرجة كبيرة أن توقف الصين صادرات العناصر الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة وحلفائها إذا تصاعد الصراع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ومن شأن تأمين سلاسل إمداد مستقلة لهذه العناصر قبل اندلاع أي مواجهة أن يحرم بكين إحدى أقوى أدوات الضغط لديها، ويضمن استمرار القدرات العسكرية الأمريكية وقدرات حلفائها في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إليها”.
وفي مؤتمر لمعهد المعادن الحيوية عُقد عام 2022 وجّه جيف أتكينز نائب رئيس تطوير الأعمال في شركة “يوكور رير ميتالز” الكندية المتخصصة في العناصر الأرضية النادرة نصيحة إلى العاملين في القطاع قال فيها “بدلاً من التركيز على القيمة المضاربية لمشروعاتكم وبدلاً من الاكتفاء بالقول لدينا أكبر مشروع في العالم، وتبلغ صافي قيمته الحالية ثلاثة أو أربعة مليارات دولار لماذا لا تقولون لدينا مشروع سيدخل حيز التشغيل وسيوفر قيمة أكبر لمساهمينا على المدى الطويل لا في المدى القصير فحسب، حين نرفع قيمته بصورة مصطنعة ثم نبيع حصصنا فيتمكن المستثمرون الأوائل من الخروج وتحقيق الأرباح؟”، وحذّر أتكينز من أن القطاع لن يتمكن من تحقيق الكميات المطلوبة لتوفير إمدادات مستقرة للمراحل اللاحقة من سلسلة التوريد ما لم يحدث هذا التحول.
وخلاصة القول، إن صناعة العناصر الأرضية النادرة خارج الصين بحاجة إلى بلوغ مرحلة من النضج، وينبغي ألا يتأخر ذلك.



