الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
انخراط محور الاضطراب في الحرب

كيف يعزّز التعاون العسكري في ساحات القتال التقارب بين خصوم الولايات المتحدة
بقلم: أندريا كيندال تايلور – وريتشارد فونتين
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
في 17 تموز استهدف صاروخ إيراني قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن ما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين وإصابة أربعة آخرين وقد اتسم الهجوم بدقة استثنائية، وفي الأسابيع التي تلته اكتشف مسؤولون أمريكيون أن طهران كانت قد حصلت قبل تنفيذ الضربة على صور فضائية عالية الدقة للقاعدة يُرجّح أنها ساعدتها على تحديد أهدافها بدقة، وعقب الهجوم حصلت إيران على صور إضافية قد تتيح لها تقييم حجم الأضرار وتحسين دقة هجماتها المستقبلية، وكانت جهات صينية هي التي وفّرت هذه الصور. ولا تقتصر مساعدة إيران على الصين إذ أسهمت روسيا أيضاً في تمكين طهران من رصد الأهداف الأمريكية وأهداف حلفاء واشنطن واستهدافها، فقبل يومين من الهجوم الذي استهدف قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية في 27 آذار وأدى إلى إصابة 12 عسكرياً أمريكياً، مرّت (14) أقمار صناعية روسية مخصّصة للاستطلاع فوق المنطقة، وخلص مسؤولون أمريكيون لاحقاً إلى أن موسكو زوّدت إيران بمعلومات استخباراتية مستمدة من الأقمار الصناعية أسهمت في تنفيذ ضربات إيرانية دقيقة وإلى جانب ذلك قدّمت روسيا لإيران أسلحة وخبرات عسكرية بما فيها نسخ مطوّرة من الطائرات المسيّرة الإيرانية جرى تحسينها بالاستفادة من الخبرات القتالية المكتسبة في أوكرانيا، كما يساعد مهندسون روس إيران على تطوير صواريخ جوالة فرط صوتية يُحتمل أن تكون قادرة على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأمريكية و”الإسرائيلية” ** وتجاوزها.
لم تنخرط روسيا والصين بصورة مباشرة في الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة ولم تكن مضطرتين إلى ذلك، فمن خلال تزويد طهران بالمعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالأهداف الأمريكية والتكنولوجيا العسكرية ومكوّناتها إلى جانب الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، تستطيع الدولتان توفير ما تحتاج إليه إيران لمواصلة القتال من دون المشاركة في الحرب مباشرة. دخلت الولايات المتحدة هذا الصراع وهي تمتلك مزايا لا تتوافر لخصومها أبرزها شبكة واسعة من الحلفاء الرسميين والقواعد العسكرية وآليات تبادل المعلومات الاستخباراتية والشراكات الدفاعية والقوات القادرة على العمل المشترك التي تمتد عبر أوروبا و”الشرق الأوسط” وآسيا، ومع ذلك أبدى كثير من شركاء واشنطن التقليديين تردداً في الارتباط بهذه الحملة العسكرية ورفض بعضهم إتاحة أشكال محددة من الدعم العسكري للولايات المتحدة ولو لفترة مؤقتة، كما عارض شركاء آخرون علناً دعوات واشنطن إلى المساهمة في تأمين مضيق هرمز.
ويكشف هذا التباين عن تحول لافت طرأ منذ أن وصفنا روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية قبل عامين في مجلة فورين أفيرز بأنها “محور الاضطراب”، فقد دخل خصوم الولايات المتحدة هذه الحرب وهم يمتلكون شبكة علاقات أضعف بكثير من شبكة واشنطن، لكن أعضاء هذا المحور بعدما أسهموا خلال السنوات القليلة الماضية في دعم روسيا في حربها بأوكرانيا باتوا يجدون سبلاً لتوظيف شبكتهم وتعزيز فاعليتها في ساحة صراع جديدة. وهم يعملون على تطوير تعاونهم بما يزيد قدرة شركائهم على الصمود ويعزز قدرتهم على تهديد الولايات المتحدة مع إبقاء التكاليف والمخاطر ضمن حدود محسوبة، في المقابل تسهم واشنطن في تأجيج الخلافات داخل عدد من شراكاتها بدلاً من توطيدها ما يعرّضها لخطر التفريط في مزايا شبكتها، في الوقت الذي يتعلم فيه خصومها كيفية استثمار شبكاتهم على نحو أكثر فاعلية.
مصادر الاضطراب
شهدت الأوضاع تغيرات كثيرة منذ عام 2024 ولعل أبرزها أن الولايات المتحدة نفسها أصبحت مصدراً للاضطراب في النظام الدولي، فقد تحدّت إدارة ترامب المؤسسات الدولية وأثارت توترات في علاقات واشنطن بتحالفاتها التقليدية واعتمدت نهجاً أكثر براغماتية في سياستها الخارجية يقوم على تبادل المصالح المباشرة، كما نقضت اتفاقيات تجارية وهددت سيادة حلفاء مثل كندا والدنمارك وانتهجت سياسة تتسم بعدم القدرة على التنبؤ بمساراتها، وفي الوقت نفسه سعت إلى تحسين علاقاتها بالصين وكوريا الشمالية وروسيا في حين عملت على إضعاف إيران، لكن أيًا من هذه التحركات لم يؤدِّ إلى إضعاف الروابط بين خصوم الولايات المتحدة.
في مطلع ولاية ترامب أعرب مسؤولون أمريكيون عن أملهم في أن يؤدي تطبيع العلاقات مع موسكو إلى إبعاد روسيا عن هذا التكتل، غير أن الود الذي أبداه الرئيس دونالد ترامب مراراً تجاه الكرملين لم يُحدث أي تصدّع في علاقات روسيا بالدول الثلاث الأخرى، فمن وجهة نظر موسكو لم تتمكن الإدارة الأمريكية من التوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا، كما يُستبعد أن يستمر أي تقارب مع واشنطن تقوده مبادرات ترامب طويلاً إذ يواصل الكونغرس ممارسة الضغوط على روسيا وقد تنتهج إدارة أمريكية مستقبلية سياسة أكثر تشدداً تجاهها.
وعلى نحو أكثر جوهرية تنطلق محاولات تفكيك هذا المحور من فهم خاطئ للعوامل التي تجمع أعضاءه، فهذه الدول تعارض نظاماً دولياً ترى أنه يكرّس الهيمنة الغربية على حساب مصالحها، لكنها تعارض على نحو أكثر تحديداً ما تتمتع به الولايات المتحدة من قدرة استثنائية على تقييدها وعزلها ومعاقبتها فضلاً عن احتمال تهديد الأنظمة الحاكمة فيها. ولم تؤدِّ التحركات الأمريكية الأخيرة إلا إلى تجديد هذه المخاوف. فاعتقال الولايات المتحدة الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو وقتل المرشد الأعلى الإيراني السيد علي خامنئي، يعززان المخاوف الراسخة في بكين وموسكو وبيونغ يانغ وطهران من التدخل الأمريكي ومن التهديدات التي قد تطال أمن الأنظمة الحاكمة. قد تخفف دول هذا المحور من حدة خطابها المعادي للولايات المتحدة عندما تقتضي مصالحها التكتيكية ذلك لكن دافعها إلى تقليص انكشافها أمام القوة الأمريكية يظل قائماً، ولن يبدد تشكيك إدارة ترامب نفسها في النظام الدولي هذه المخاوف لدى عواصم المحور بل قد تؤدي مساعي ترامب إلى إقامة نظام عالمي أكثر خضوعاً لمنطق الصفقات والإكراه إلى زيادة أهمية الشراكات التي تجمع هذه الدول، فكلما تراجعت قدرة القواعد والمؤسسات على فرض القيود وتعاظم دور القوة المجردة ازدادت حاجة الدول إلى شركاء يساعدونها على الالتفاف على العقوبات والحصول على التكنولوجيا الحيوية وتعويض أوجه القصور العسكري وتوسيع هامش تحركها ومقاومة العزلة، ومن هنا يتطور التعاون بين دول المحور استجابةً لهذه المتغيرات.
ساحات جديدة وتحديات متجددة
عندما شنت روسيا غزوها الشامل لأوكرانيا عام 2022 كان من السهل نسبياً تتبّع أوجه التعاون بين الدول الأربع، فقد زوّدت إيران روسيا بالطائرات المسيّرة وأرسلت كوريا الشمالية الذخائر والصواريخ الباليستية ثم القوات العسكرية لاحقاً، أما الصين فأصبحت شريان الإمداد الأهم لموسكو إذ اشترت النفط الروسي ووفّرت أدوات التصنيع الدقيق والمكونات الإلكترونية الدقيقة وغيرها من المستلزمات التي احتاجت إليها روسيا أولاً للحفاظ على إنتاجها العسكري ثم لتوسيعه، وفي المقابل نقلت روسيا إلى شركائها تكنولوجيا عسكرية متزايدة التطور. وكانت لهذه المبادلات تداعيات مهمة لكن كان من الممكن إلى حد بعيد فهمها باعتبارها سلسلة من الصفقات الثنائية التي تتمحور حول الحرب الروسية في أوكرانيا، أما اليوم فلم يعد هذا التوصيف دقيقاً بالقدر نفسه إذ يتخذ التعاون بصورة متزايدة طابعاً شبكياً ويتجه نحو معالجة تحديات جديدة في مناطق جغرافية مختلفة.

ويجسّد برنامج الطائرات المسيّرة الروسي هذا التحول فقد اشترت روسيا في البداية الطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز (شاهد) ثم استعانت بإيران لإنشاء خطوط إنتاج محلية، لكن موسكو لم تكتفِ باستنساخ ما حصلت عليه بل أدمجت مكونات صينية وواصلت تعديل أنظمة الملاحة والاتصالات والحمولات والدفع والتكتيكات المستخدمة في تشغيل هذه الطائرات استجابةً للتطورات في منظومات الدفاع الأوكرانية، كما تولّت وحدات عسكرية جديدة نقل التعديلات التي أثبتت نجاحها في الميدان إلى خطوط الإنتاج ما أتاح دورة سريعة على نحو استثنائي من التكيّف مع متطلبات القتال. وفي العام الماضي أُنشئت قوات الأنظمة غير المأهولة وهي فرع من القوات المسلحة الروسية مختص بالطائرات المسيّرة والأنظمة الروبوتية بهدف ترسيخ هذه العملية وتحويلها إلى نهج مؤسسي، وقد أثبت الجمع بين التطوير المحلي والشراكة مع دول المحور فاعليته فعلى سبيل المثال تتميز أحدث الطائرات المسيّرة الروسية من طراز (غيران) العاملة بالمحركات النفاثة، بسرعة أكبر وقدرة على حمل حمولات أثقل كما يصعب على القوات الأوكرانية اعتراضها بدرجة ملحوظة مقارنةً بالإصدارات السابقة. ولا تظل التحسينات الروسية حكراً على روسيا بل تنتقل عبر شبكة المحور إلى شركائه، وبالنسبة إلى إيران تعود إليها الآن التكنولوجيا التي انتقلت في الأصل إلى روسيا مصحوبةً بإرشادات تكتيكية مستمدة من الخبرة الروسية في الحرب الأوكرانية، وإذا ظهرت الطائرات المسيّرة الروسية النفاثة في “الشرق الأوسط” أيضاً وهو أمر مرجّح فسيصبح التصدي للهجمات الإيرانية على القوات الأمريكية والبنية التحتية للطاقة في المنطقة أكثر صعوبة وكلفة.
وتستفيد كوريا الشمالية والصين بدورهما من هذا التعاون فوفقاً لتقارير أوكرانية أبرمت روسيا اتفاقاً لمساعدة كوريا الشمالية على توسيع إنتاج طائرات مسيّرة مماثلة لطائرات (شاهد)، واكتسب مهندسون كوريون شماليون خبرة من عملهم في مصنع (يلابوغا) الروسي الضخم لإنتاج الطائرات المسيّرة كما اكتسبت القوات الكورية الشمالية التي تقاتل إلى جانب روسيا خبرة ميدانية مباشرة في دمج الطائرات المسيّرة ضمن العمليات القتالية الحديثة، كذلك تلقّى عسكريون صينيون تدريبات على حرب الطائرات المسيّرة على أيدي القوات الروسية فيما يحصل الموردون الصينيون على معلومات قيّمة بشأن أداء تقنياتهم في ظروف القتال الفعلية، وهكذا تجني بكين فوائد من تطور أساليب الحرب بالطائرات المسيّرة وهو تطور انطلق باستخدام التكنولوجيا الإيرانية ثم شهد مزيداً من التحسين والتطوير خلال الحرب الروسية في أوكرانيا.
نموذج يمكن تعميمهُ
قبل عامين لم يكن واضحاً ما إذا كانت الشراكات بين الدول الأربع الأعضاء في هذا المحور ستصمد بعد انتهاء الحرب التي أسهمت في تسريع نشأتها، فلو انتهت الحرب في أوكرانيا ولم تعد روسيا بحاجة إلى المسيّرات الإيرانية والذخائر الكورية الشمالية أو الدعم الاقتصادي والتكنولوجي الصيني، لربما فقدت هذه العلاقات زخمها. لكن الحرب لم تخلق حاجة فورية إلى التعاون فحسب بل أثبتت أيضاً ما يمكن لهذه الشراكات أن تحققه بما يتجاوز ما تستطيع أي دولة بلوغه بمفردها، فقد كانت الدفاعات الأوكرانية والعقوبات الغربية والإمدادات العسكرية الأمريكية والعزلة الدبلوماسية أقل فاعلية مما كانت ستكون عليه لو واجهت روسيا هذه الضغوط بمفردها، ومن خلال مساعدة بعضها بعضاً على الصمود في وجه الضغوط تجعل دول المحور من الصعب على الولايات المتحدة وحلفائها إجبارها على تغيير مسارها.
وتُظهر إيران الآن أن هذا النموذج قابل للتطبيق في ساحات أخرى فقد كان الدعم الروسي لطهران ذا أهمية عملياتية ملموسة لكنه ظل محكوماً بحدود مدروسة، فعلى الرغم من انخراط موسكو في حربها الخاصة في أوكرانيا تمكنت من إيجاد سبل لمساعدة إيران على استهداف مواقع أمريكية ومواصلة القتال من خلال توفير الغطاء الدبلوماسي والدعم المادي مع تجنب اتخاذ خطوات قد تجرّ روسيا إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، أما الصين فقد اتسم موقفها بمزيد من الحذر لكن إمداد إيران بالإلكترونيات ذات الاستخدام المزدوج وشراء نفطها أسهما على نحو مماثل في تعزيز قدرتها على الصمود أمام الضغوط الأمريكية. ولا يُعدّ هذا التحفظ دليلاً على تراجع قوة المحور بل يمثل سمة أساسية لطبيعة عمل هذه الشراكات، فباستثناء لافت يتمثل في نشر جنود كوريين شماليين للقتال إلى جانب روسيا تجنبت دول المحور عموماً الانخراط في حروب بعضها بعضاً، وبدلاً من ذلك تقدم الدعم السياسي والاقتصادي والاستخباراتي والتكنولوجي فضلاً عن مساعدات عسكرية محدودة، عندما يخدم ذلك مصالحها الخاصة ويظل ضمن حدود المخاطر التي يمكنها تحملها.
وقد علّمت الحربان في أوكرانيا وإيران دول المحور درساً آخر: إن دعم أحد أعضائه لا يعزز قدرات الدولة المستفيدة فحسب بل إن الصراع في ساحة ما قد يتيح أيضاً فرصاً للشركاء في ساحات أخرى، فعلى سبيل المثال أدى إغلاق إيران مضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط ما حقق مكاسب استثنائية لروسيا ودفع واشنطن إلى تخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط الروسي بصورة مؤقتة، وهكذا أوجدت الحرب الإيرانية موارد إضافية أمكن لروسيا استخدامها لمواصلة حربها. وقبل مهاجمة إيران أعادت الولايات المتحدة نشر أصول عسكرية رئيسية بما فيها منظومات الدفاع الجوي والصاروخي من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى “الشرق الأوسط”، ومع استمرار القتال نشرت القوات الأمريكية حاملتي طائرات في المنطقة ما أدى إلى خلو منطقة المحيطين الهندي والهادئ من حاملات الطائرات الأمريكية، ويمنح تراجع الوجود العسكري الأمريكي في غرب المحيط الهادئ الصينَ هامشاً أوسع للتحرك العملياتي ويقلل من تعرضها للضغط عندما تستنزف مخزونات الذخائر الأمريكية، وإذا استقرت واشنطن على استراتيجية طويلة الأمد لاحتواء إيران على غرار نهجها تجاه العراق في تسعينيات القرن الماضي فقد تستفيد بكين من هذه التحويلات في الانتشار العسكري لسنوات.
تجنب إلحاق مزيد من الضرر
تُظهر تجربة المحور أن حجم الشبكة وقوتها يصبحان أقل أهمية إذا عجز أعضاؤها عن تحويل قدراتهم الفردية إلى قوة جماعية، وتنطلق الولايات المتحدة وحلفاؤها من موقع تفوق كبير بفضل مواردهم الاقتصادية والتكنولوجية الأكبر وجيوشهم الأكثر قدرة، وشبكتهم الأوسع بكثير من الحلفاء والشركاء، لكن السؤال هو أي الشبكتين تستطيع توظيف إمكاناتها على نحو أفضل؟
يبدأ ذلك بالقيادة فعلى مدى عقود دعمت الولايات المتحدة نظاماً دولياً يحظر حروب الاستيلاء على الأراضي بالقوة ويصون حرية الملاحة في البحار ويحافظ على انفتاح الاقتصاد العالمي عمومًا ويتيح للشعوب ممارسة حقوقها الديمقراطية حتى في ظل استمرار وجود أنظمة استبدادية، وربطت واشنطن هذه الرؤية بتفاهم ضمني مفاده أن أي دولة ترغب في الانضمام إلى هذا النظام تستطيع ذلك، وكان الالتزام بمبادئه الأساسية يتيح الحصول على مزايا من بينها إقامة علاقات تجارية، ونيل معاملة دبلوماسية تفضيلية وأحياناً الدخول في تحالفات عسكرية ولا سيما مع الولايات المتحدة.
أما الدول التي رفضت النظام الدولي المنفتح كما تفعل دول المحور اليوم فكانت مكاسبها أقل بكثير في حين تحملت تكاليف وعقوبات كبيرة، فقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الدول المارقة ومارست الضغوط عليها وخاضت حروباً ضد بعضها في بعض الأحيان كما عارضت نشوء أنظمة دولية منافسة مثل الكتلة الشيوعية خلال الحرب الباردة، وانطلقت السياسة الخارجية الأمريكية من مسلّمة بدت غير مثيرة للجدل مفادها أن على واشنطن إقامة علاقات صداقة مع الدول التي تتشارك معها التوجهات ومعاملتها على نحو أفضل من الدول الرافضة لهذا النظام.
لكن إدارة ترامب تُظهر في بعض الأحيان على الأقل ميلاً يكاد يكون معاكساً لذلك فقد صرّح السفير الأمريكي لدى الصين مؤخراً بأن ترامب عرض بيع أسلحة لبكين في وقت كان يؤخر فيه صفقات الأسلحة المخصصة لتايوان، كما أبدى الرئيس اهتماماً بكيم جون أون زعيم كوريا الشمالية ومودة تجاهه تفوقان ما أبداه تجاه رئيس كوريا الجنوبية المنتخب ديمقراطياً لي جاي ميونغ، كذلك مارست الإدارة الأمريكية على نحو متقطع ضغوطاً على أوكرانيا لدفعها إلى الاستسلام في حرب تخوضها دفاعاً عن بقائها في مواجهة العدوان الروسي، وهدد ترامب أيضاً بقصف عُمان الشريك الأمريكي منذ أمد طويل ولا تؤدي مثل هذه الخطوات إلا إلى تعزيز دول المحور وإضعاف تماسك الشبكة الأقدر على مواجهتها.
إن تجنب إلحاق مزيد من الضرر سيكون بداية جيدة في التعامل مع المحور وإلى جانب ذلك ينبغي لواشنطن مساعدة شركائها على تعزيز قدراتهم، فمثلما تساعد دول المحور بعضها بعضاً على الالتفاف على العقوبات والحفاظ على إمكانية الوصول إلى التقنيات والمكونات الحيوية وضمان استمرار اقتصاداتها تحت الضغط ينبغي للولايات المتحدة أن تدعم شبكتها الخاصة، ويقتضي ذلك تعزيز سلاسل الإمداد التي تمر عبر الشركاء الموثوق بهم وتبادل التكنولوجيا وتشجيع الحلفاء على تحمل أعباء أمنية أكبر، لكن يتعين على واشنطن توخي الحذر وألا تنقل مسؤوليات الدفاع إلى حلفائها بوتيرة تفوق قدرتهم على تطوير الإمكانات اللازمة لتوليها وألا تفعل ذلك بطرق تقوض الثقة والتوافق العملياتي والتنسيق، وإلا فقد تصبح الولايات المتحدة وحلفاؤها أكثر قدرة على المستوى الفردي لكنهم أقل فاعلية على المستوى الجماعي.
وينبغي للولايات المتحدة أيضاً التراجع عن السياسات التي تقوض شبكتها الخاصة فالرسوم الجمركية وغيرها من التدابير الحمائية تضر باقتصادات الحلفاء وقواعدهم الصناعية، كما أن التعبير عن الرغبة في الاستيلاء على أراضي الحلفاء ومحاولة تقويض قادتهم السياسيين لا يسهمان في بناء شبكة دولية أكثر قدرة وفاعلية، وينبغي لواشنطن أن تقدم لأصدقائها رؤية واضحة وقيادة موثوقة لا حالة من الاضطراب واللايقين ولا نهجاً قائماً على التنمر والتعامل النفعي الضيق. وحتى إذا غيّرت الولايات المتحدة مسارها ينبغي لصانعي السياسات الأمريكيين وحلفائهم الاستعداد لصراع طويل الأمد، فقد أثبتت المحاولة الفاشلة لتغيير النظام في إيران أنه لا توجد طرق مختصرة للتغلب على دول المحور سواء مجتمعة أو منفردة، وستكون المنافسة بين الشبكتين شبه عالمية ومتعددة المجالات ومحفوفة برهانات هائلة تتوقف عليها نتائجها، وتمتلك الولايات المتحدة وحلفاؤها القدرة على تحقيق التفوق لكن عليهم أن يُظهروا الإرادة اللازمة لذلك.




