الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
الجندي الآلي.. هل اقتربنا من تحقيق أفلام الخيال العلمي؟

بقلم: حسن فاضل سليم
باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
أعلن وزير الدفاع الأوكراني السابق ميخايلو فيدروف مشروعاً جديداً تحت مسمى «جيش الروبوتات»، يهدف إلى تطوير روبوتات شبيهة بالبشر للقيام بمهام كانت تُسند إلى الجنود في ساحات القتال، مع طرح أهداف طموحة لاختبار قدرتها على تنفيذ مهام قتالية خلال فترة زمنية قصيرة. ويعيد هذا المشروع طرح سؤال قديم بصيغة أكثر واقعية: هل يمكن أن يتحول الجندي الآلي من صورة في أفلام الخيال العلمي إلى عنصر فعلي في ساحات القتال؟، بالتالي تحاول هذه المقالة قراءة تطور الأسلحة بشكل مختصر وكيف وصلت إلى الروبوتات الشبيهة بالبشر.
أولاً: من المركبة المسيرة إلى السلاح غير المأهول
برزت الاجيال الاولى من الروبوتات القتالية بواسطة السوفييت و البريطانيين في الحرب العالمية الثانية حيث استخدموا دبابات خفيفة يتم التحكم بها عن بعد لاسلكياً، حيث استخدم السوفييت بعض هذه الدبابات بشكل محدود في الحرب ضد فنلندا في عام 1940 لإطلاق النار بمدافعها الرشاشة، في حين يستطع الفرد المتحكم بالدبابة التحكم بها عن بعد من مسافة 1500م، اما البريطانيين فقد حاولوا تعديل دبابة ماتيلدا 2 لتتحول لدبابة يتم التحكم بها عن بعد لكن عملية التعديل لم تكن ذات جدوى حقيقية حيث استخدمت لمدة محدودة في عمليات الاستطلاع ولم يتم تعميم أعداد كافية منها نظرا لكلفتها العالية في حينها.
اما ألمانيا النازية فقد تمكنت من تصميم روبوت مجنزر انتحاري حمل اسم “جولايث” تم إنتاج نسختين منه ودخل الانتاج الكمي في عام 1942 حيث يكون الروبوت بشكل مركبة صغيرة مزودة المتفجرات يتم التحكم بها بواسطة كابل ثلاثي، طوله 650م حيث يتم توجيهها عن بعد لاستهداف العربات والاماكن والانقضاض على الهدف وتفجيره، بالاضافة الى انواع اخرى من الروبوتات الألمانية القتالية والانتحارية.
ثانياً: الحرب الحديثة وتسارع ثورة الروبوتات
في الحروب الحديثة استخدمت الروبوتات وتم تطويرها بشكل كبير لاسيما من قبل الجيش الأمريكي الذي استخدم بعض الروبوتات التي يتم التحكم بها لاسلكيا في تفكيك المتفجرات لتقليص الخسائر البشرية الناجمة عن الأخطاء في تفكيك العبوات الناسفة، اما روسيا فقد شكل القتال في سوريا بالنسبة لها ميداناً لتجربة انواع مختلفة من الأسلحة التي يتم التحكم بها عن بعد مثل الروبوتات القتالية وكاسحات الألغام.
كما طورت الولايات المتحدة الطائرات بدون طيار لتستخدمها في مهام الاستطلاع الجوي اي في جمع المعلومات الاستخبارية الصورية، لتقلص الاعتماد على الطيارين البشريين في مهام كهذه وتتجنب خسارتهم في مهام استطلاعية، لاحقاً قامت الولايات المتحدة بتحميل بعض انواع هذه الطائرات لصواريخ لتنفذ من خلالها عمليات الاغتيال.
لكن بعد سقوط عدد من هذه المسيرات في مهام فوق الاراضي الإيرانية، قام الإيرانيون بدراسة تركيبة هذه الطائرات والعمل على مشروع هندسة عكسية لتقنيات هذه الطائرات، ومن ثم ليقوموا بابتكار طائرات مسيرة انقضاضية على طريقة طائرات (الكاميكازي اليابانية) لتتحول الطائرات المسيرة التي يتم توجيهها عن بعد لما يشبه القذائف الصاروخية اي تتحول من آلة تستطلع وتطلق النار الى ذخيرة، وهو ما تطور لاحقاً بواسطة روسيا واوكرانيا خلال الحرب الروسية الاوكرانية، حيث تم استخدام الطائرات التجارية لاغراض قتالية كما تم تسيير هذه الطائرات بكابلات الألياف الضوئية مما منع كشفها بواسطة الرادار او التشويش عليها.

وقد أدت الحرب الروسية الاوكرانية الى تسارع وتيرة تطوير الروبوتات القتالية تطور الطائرات المسيرة ونماذجها المختلفة وهو امر استتبع ان تقوم روسيا واوكرانيا بالدخول في منافسة لتطوير طائرات مسيرة حديثة وحتى عربات مسيرة جديدة وبنادق رشاشة يتم التحكم بها عن بعد.
ثالثاً: عندما تبدأ الآلة باتخاذ القرار
لقد افرزت الحروب الحديثة الحاجة إلى تراجع اكبر لدور البشر في المواجهة المباشرة لاسيما وان تطوير الطائرات المسيرة بات يثقل كاهل الجبهات ويعطل التقدم على الارض، ويكبد خسائر فادحة، لذلك بالتزامن مع استمرار الحرب والثورة في الذكاء الاصطناعي التوليدي ومع صعود تطبيقات الذكاء الاصطناعي المختلفة، إزداد اعتماد الجيوش على الذكاء الاصطناعي بشكل اكبر في تصميم الأسلحة وفي ادارة بعض الأسلحة غير المأهولة، حتى اصبح قرار إطلاق النار مرهون بالذكاء الاصطناعي في بعضٍ منها، مما يطرح تساؤلات حقيقية عن طبيعة الحروب المستقبلية وعن إمكانية استبدال الآلات المسيرة بواسطة البشر بالآلات المسيرة بواسطة الذكاء الاصطناعي حيث يكون الإنسان خارج حلقة القرار، والأكثر من ذلك هو إمكانية استبدال الجندي البشري مستقبلاً ولو بشكل غير كامل بجندي روبوت، فبالتوازي مع تطوير الدرونات والأسلحة المستقلة الاخرى، تتسابق الدول الكبرى والمتوسطة على تحديث جيوشها باسلحة مستقلة مختلفة وتطوير الروبوتات الشبيه بالبشر والتي بدأت الدول تفكر في استخدامها كجنود آليين يمكن الاعتماد عليهم في المعارك او في بيئات العمليات الخاصة المعقدة.
ومن أبرز هذه المشاريع هي الروبوت الامريكيAlex الذي يعمل معهد فلوريدا للادراك البشري والآلي على تطويره حيث يبلغ طوله 1.79 متراً، ويزن حوالي 85 كيلوغراماً، كما تم تزويده بدروع حماية (مقاومة للمقذوفات والشظايا)، إلى جانب مشغلات حركية مرنة وممتصة للصدمات لحمايته من التحطم عند تعرضه لضربات، كما يعتمد على نظام ذكاء اصطناعي شبه تلقائي (Hybrid Autonomy)؛ بحيث يؤدي الروبوت المهام الحركية الأساسية ذاتياً، لكن يظل المشغّل البشري قادراً على التدخل والتحكم به في أي لحظة لتوجيه الأوامر الحساسة.([1])
اما الصين تعمل بكثافة على مشاريع روبوتات شبيهة بالبشر حتى انها تمكنت من إقامة دورة العاب اولمبية خاصة بالروبوتات الشبيهة بالبشر، وهي نماذج ربما تكون أقل ذكاءً وتدريعاً الا انها يمكن ان تتحول وتطور الى نماذج قتالية او جنود آليين مع ادخال بعض التحسينات عليها، لاسيما وان كلفة انشاءها اقل من تلك التي يتطلبها تصنيع نموذج Alex الامريكي الذي تبلغ كلفة الواحد منه حوالي 150 الف دولار.
اما أوكرانيا فقد اعلن وزير الدفاع الأوكراني السابق ميخايلو فيدروف عن مشروع يقوم على انشاء جيش من الجنود الآليين ليتم تعويض النقص الحاد في عدد الجنود الذي تعاني منه اوكرانيا، وقد وضع المشروع هدفاً طموحاً وهو تصفية اول عنصر معادٍ بواسطة روبوت ثنائي الارجل يحمل سلاح خلال 6 اشهر.
حيث يعمل المهندسون الاوكرانيون على تصميم منصات شبيهة بالبشر منخفضة التكلفة لتنفيذ المهام الروتينية والقاتلة مثل: إعادة تذخير الرشاشات الآلية، تغيير بطاريات المستشعرات في نقاط المراقبة الأمامية، وإطلاق الطائرات المسيرة وسط القصف.
ويجري حالياً تجميع النموذج الأولي الفعلي لهذه الفئة بهدف دراسة المكونات وخفض كلفة الإنتاج لتلبية حاجة الجيش التي تُقدر بـ عشرات الآلاف من الوحدات. يحظى المشروع بدعم استثماري ضخم، أبرز مموليه أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة الاستخبارات وتحليل البيانات الأمريكية الشهيرة Palantir.
الى جانب ذلك تمتلك أوكرانيا بالفعل عدد من الروبوتات القتالية التي تستخدمها في الحرب مثل عربات أرضية مسيرة تُستخدم لشن هجمات متفجرة انتحارية ضد الخنادق والتحصينات، وتثبيت الرشاشات الثقيلة لإسناد المشاة، بل واستخدمت بنجاح في أسر جنود الأعداء واقتيادهم.
وتطور أوكرانيا بفعل ضرورات الحرب وسائل تكنولوجية حديثة في العمليات القتالية وقد طورت وسائل في سبيل التغلب على التشويش الروسي والحرب الإلكترونية نظام توجيه للروبوتات يرتبط باقمار ستارلنك تمكن الروبوتات من الملاحة والوصول إلى اهدافها في حال انقطاع الانترنيت نتيجة للتشويش الروسي.
رابعاً: هل يستطيع الروبوت ان يحل محل الجندي؟
ان الجندي الآلي يمكن ان يتطور ليصبح لاحقاً سلاحها رئيسياً على المستويين المتوسط والبعيد، حيث ستفرض الحروب الحديثة وسباق الابتكار بين الدول وتطور انظمة الذكاء الاصطناعي على الدول تطويرات وتحديثات اكبر على الجنود الآليين بهدف استبدالهم بالبشر في العمليات الخطرة لان الجندي الآلي لا يتعب ولا يخاف ويمكن المجازفة به في المناطق عالية الخطورة كما انه يمكن ان يكون أكثر ذكاءً واسرع في ردات الفعل وإطلاق النار وأكثر دقة في التصويب في ظروف القتال الصعبة كما ان خسارته يمكن تحملها اكثر من خسارة إنسان بدلاً عنه.
لكن استخدام الجندي الآلي له عيوب ايضاً لانه قد يدخل بيئات قتالية يخضع فيها للتشويش مما يعطله عن العمل بسبب انقطاع الاتصال به، كما انه قد يتعرض للاختراق السيبراني الذي يؤدي اما لتعطيله او للتحكم به وتحويله الى جندي معادي، كما انه سيفرض كلف متعلقة بالصيانة والإدامة المستمرة وتوفير الطاقة اللازمة لعمله او توفير البطاريات التي قد تكون متكونة من معادن نادرة، فضلاً عن ذلك فأنه سيطرح تساؤلات حول المسؤولية القانونية المتعلقة بقرار القتل حيث انه قد لا يميز بين الأهداف المدنية والعسكرية فضلاً عن تلك الأهداف المسلحة التي ترتدي ملابس مدنية مما يعرض المدنيين في بيئات القتال ضد الجماعات المسلحة لاسيما في المدن الى التصفية المباشرة على أيدي هذه الروبوتات التي قد تظن ان جميع المدنيين اهداف محتملة.
خاتمة
يمكن القول ان الحروب الكبرى وبيئات الصراع المحترمة تفرض على البشر الاستجابة لتلك الظروف والتفكير والعمل على ابتكارات تعزز من قدراته وتزيد من تفوقه على الطرف الآخر في الصراع بهدف ان يمتلك ميزة إضافية تمكنه من كسب الحرب او المعركة، وذلك وفقاً لمبدأ التحدي والاستجابة.
وقد ساهمت هذه التحديات في وصول الإنسان إلى هذا المستوى من الأسلحة المتقدمة التي سعى إلى صناعتها كي يتفوق على الآخرين ويمتلك ميزة إضافية في الصراع، وقد شهد القرن العشرين منذ بداياته مساعي لتطوير أسلحة غير مأهولة، قبل أن تتطور هذه الفكرة تدريجياً من مركبات يتم التحكم بها عن بعد إلى طائرات مسيرة، ثم إلى أنظمة قادرة على تنفيذ بعض المهام بدرجات متزايدة من الاستقلالية.
ومن هنا، فإن الجندي الآلي لم يعد مجرد صورة تنتمي إلى أفلام الخيال العلمي، بل أصبح اتجاهاً تكنولوجياً يجري اختبار بعض مكوناته فعلياً في ميادين القتال. إلا أن ذلك لا يعني أن الجندي البشري أصبح قاب قوسين من الاختفاء؛ فاستبدال وظيفة محددة من وظائف الجندي يبدو أكثر سهولة من استبدال الجندي نفسه بكل ما يتطلبه من قدرة على التكيف واتخاذ القرار والتعامل مع البيئات المعقدة وغير المتوقعة.
وربما لا يكون مستقبل الحروب قائماً على جيش من الروبوتات يحل بالكامل محل البشر، وإنما على جيش هجين يجمع بين الإنسان والروبوت والذكاء الاصطناعي، بحيث تنتقل كل مهمة يمكن أتمتتها تدريجياً من الإنسان إلى الآلة. وعندها لن يكون السؤال فقط:
هل تستطيع الآلة أن تقاتل؟ فقد أثبت التطور التكنولوجي أنها تستطيع تنفيذ عدد متزايد من المهام القتالية، وإنما سيكون السؤال الأهم: إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يمنح الآلة سلطة اتخاذ قرار استخدام القوة؟
وبذلك، فإن الاقتراب من «الجندي الآلي» قد لا يعني الوصول إلى الصورة التي رسمتها أفلام الخيال العلمي، وإنما يعني تفكيك وظيفة الجندي البشري إلى مجموعة من المهام، ثم نقل كل مهمة يمكن للآلة تنفيذها إلى نظام غير مأهول أو شبه مستقل. وقد تكون هذه هي الصورة الأكثر واقعية لحروب المستقبل: ليس اختفاء الإنسان من ساحة المعركة، وإنما تراجع حضوره المباشر فيها لصالح الآلة.



