الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

التنافس على أعالي البحار

ماذا يحدث عندما تصبح المحيطات عرضةً للتنافس الدولي؟

 

بقلم: مايكل ألبيرتوس

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

على مدى القرون الخمسة الماضية تنافست المجتمعات في مختلف أنحاء العالم على اقتسام أراضيه والسيطرة عليها، واليوم تكاد كل شبر من اليابسة خارج القارة القطبية الجنوبية يكون خاضعاً للملكية ومدرجاً ضمن حدود دولة وطنية، أما المحيطات فقد نجت إلى حد كبير من هذا المصير. فعلى مرّ التاريخ حاولت دول مختلفة فرض قيود على البحار وتنظيم حركة الملاحة فيها الا أن اتساعها الهائل حال دون إخضاعها لسيطرة طويلة الأمد، وخلال الحرب الباردة ومع التقدم التكنولوجي الذي جعل فكرة تقسيم الممرات المائية وقاع البحار أكثر قابلية للتطبيق تجنبت القوى الكبرى الانخراط في سباق غير منضبط للسيطرة على المحيطات، واتفقت معظم الحكومات على إدارة شؤونها من خلال منظومة متشابكة من المعاهدات والهيئات متعددة الأطراف بهدف ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، وتحديد حقوق الدول الساحلية المتاخمة في قيعان البحار الواقعة قبالة سواحلها.

لكن ذلك النظام بدأ الآن في الانهيار فقد أخذ الحوثيون يعطلون حركة الملاحة في مضيق باب المندب البوابة البحرية للبحر الأحمر، وتخطط إيران وعُمان لفرض رسوم على السفن مقابل عبورها مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية لإمدادات الطاقة والأسمدة على مستوى العالم، وفي تموز طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب حتى فكرة فرض الولايات المتحدة رسوماً من جانبها على السفن العابرة لمضيق هرمز قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

ولا تقتصر هذه التحركات على ذلك إذ تتنافس حكومات أخرى أيضاً على بسط مطالباتها بالمياه الدولية والموارد البحرية لمصلحتها الخاصة، وتسعى روسيا إلى فرض سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقاعه البحري فيما تعمل الصين على إنشاء جزر اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، كما وسّعت الولايات المتحدة نطاق مطالباتها بأجزاء من قاع البحار الواقعة خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، في حين تمهّد دول عديدة الطريق لبدء عمليات استخراج المعادن الحيوية من قاع المحيطات. وتتداعى المؤسسات التي أسهمت لعقود في إبقاء المحيطات حرة ومفتوحة فيما توقفت القوى الكبرى في مجالات أساسية عن الالتزام بالقواعد التي ظلت سارية لعقود وقد بدأت الدول بالفعل في اتخاذ خطوات للسيطرة على البحار، وإذا سارعت الحكومات إلى فرض مطالباتها على مياه العالم واقتسامها على غرار ما فعلته سابقاً مع أراضيه فإن ذلك سيجعل التجارة العالمية أكثر تعقيداً ويفتح الباب أمام حقبة جديدة من الصراع البحري، فالعالم الذي تُجزّأ فيه المحيطات وتُقسّم إلى مناطق نفوذ سيكون حتماً عالماً أكثر فقراً وخطورة.

 

لمن تؤول رسوم العبور في المضائق؟

تراقب حكومات العالم عن كثب النجاح الذي حققته عمليات الحصار البحري في “الشرق الأوسط”، فبعدما أعلنت إيران عزمها فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز اقترح وزير المالية الإندونيسي أن تحذو بلاده حذوها في مضيق ملقا وهو ممر ملاحي بالغ الأهمية في جنوب شرق آسيا تمر عبره نحو 29 بالمئة من حركة نقل النفط العالمية بحراً، لكنه عاد لاحقاً وتراجع عن هذه الفكرة.

ولا تمثل عمليات إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب سوى أحدث حلقة في سلسلة من الانتهاكات للمعايير والقواعد التي تحكم استخدام المحيطات، فعلى سبيل المثال دأبت الصين على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وقضى برفض مطالباتها التوسعية في بحر الصين الجنوبي، وتواصل بكين تحدي هذا الحكم من خلال إنشاء جزر اصطناعية فوق شعاب متنازع عليها والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين وفرض طوق بحري حول تايوان. أما روسيا، فتُشتبه في انتهاكها قواعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عبر استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، في إطار حملة أوسع تهدف إلى زعزعة استقرار الدول الأوروبية. ويعود جانب كبير من إمكانية استمرار هذه الممارسات العدوانية إلى ضعف المؤسسات المعنية بإدارة شؤون المحيطات وعجزها عن أداء وظائفها بفاعلية، فالمحكمة الدولية لقانون البحار وهي الهيئة التي يُفترض أن تتولى الفصل في النزاعات البحرية، تتسم إجراءاتها بالبطء كما تفتقر إلى آلية لإنفاذ أحكامها، وينطبق الأمر ذاته على محكمة التحكيم الدائمة التي تصدر أحكاماً ملزمة بشأن انتهاكات المعاهدات.

أما مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي يملك صلاحية فرض عقوبات اقتصادية، بل وحتى إجازة استخدام القوة العسكرية لحماية الملاحة، فيظل عاجزاً في معظم الأحيان بسبب استخدام الصين أو روسيا أو الولايات المتحدة حق النقض.

وتزداد صعوبة محاسبة منفذي أعمال التخريب تحت سطح البحر بسبب قواعد الاختصاص القضائي ذاتها، فالدولة التي سُجلت السفينة لديها هي وحدها التي تملك سلطة الملاحقة القضائية، الأمر الذي يتيح للدول التي تقف وراء هذه الأعمال حماية الأطقم المتورطة فيها من خلال الامتناع عن فتح دعاوى قضائية بحقها.

 

 

 

القوة تفرض قواعدها

سيؤدي تغير المناخ إلى نشوء نزاعات جديدة حول المحيطات، وخلال العقدين المقبلين ومع انحسار الجليد في القطب الشمالي ستشهد طريق بحر الشمال التي تصل بين أوروبا وآسيا بمحاذاة الساحل القطبي الروسي نمواً كبيراً في حركة الملاحة التجارية، ومن الصعب تصور أن موسكو ستسمح بحرية الملاحة في هذا الممر من دون قيود، فروسيا تفرض بالفعل على السفن الأجنبية نظاماً معقداً ومشدّداً من التراخيص والتصاريح لممارسة الأنشطة داخل منطقتها الاقتصادية الخالصة، كما تعتبر ممرات مائية مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري ممرات مائية داخلية خاضعة لولايتها القضائية بدلاً من اعتبارها مضائق دولية يترتب عليها حق المرور. ولا تقتصر النزاعات حول المحيطات على السيطرة على طرق الملاحة والعبور، فمع تنامي هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من المعادن الحرجة المستخرجة من اليابسة واستخدامها لهذه الموارد أداةً في سياستها الاقتصادية والاستراتيجية، بدأت دول أخرى تستكشف إمكانية استخراج المعادن من قاع البحار في المناطق العميقة من المحيطات. وتزخر مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ الواقعة بين هاواي والمكسيك وحوض وسط المحيط الهندي وحوض بنرهين في جنوب المحيط الهادئ بتريليونات من العقيدات الصخرية الحاوية على معادن حرجة، وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار وهي الهيئة المنشأة في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والمنوط بها تنظيم الأنشطة المتعلقة بقاع البحار، عشرات عقود الاستكشاف التي تتيح للحكومات مسح قاع البحر ورسم خرائطه وجمع البيانات البيئية واختبار تقنيات الاستخراج. غير أن السلطة تحظر في الوقت الراهن التعدين التجاري في قاع البحار، بسبب عدم توصل أعضائها إلى اتفاق بشأن المعايير البيئية وقواعد الإنفاذ والامتثال.

ومع ذلك قد يشهد السباق على المعادن الحرجة الموجودة في أعماق البحار تصعيداً قريباً، فالولايات المتحدة هي القوة الساحلية الكبرى الوحيدة التي لم تصادق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وبذلك لا تخضع لالتزامات الاتفاقية بوصفها دولةً طرفاً كما أنها تسعى إلى تقليص اعتمادها على الصين وتلبية الطلب المتزايد على المعادن اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي وغيره من التقنيات المتقدمة.

وفي هذا السياق تعمل إدارة ترامب على تسريع إجراءات منح تراخيص التعدين في أعماق البحار في أجزاء من منطقة كلاريون-كليبرتون التي تتمتع الولايات المتحدة فيها بالفعل بسيطرة فعلية، ومع أن الولايات المتحدة لم تصادق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فإن إدارات أميركية سابقة التزمت بالعديد من معاييرها ومبادئها. ومن المتوقع أن تصدر الجهات التنظيمية الأميركية خلال العام المقبل قرارات بشأن عدد متزايد من طلبات التعدين التجاري في أعماق البحار الأمر الذي قد يمهّد لبدء عمليات الاستخراج في وقت قريب، كما تعتزم مكتب إدارة طاقة المحيطات المسؤول عن تنظيم أنشطة الطاقة والمعادن في الجرف القاري الخارجي للولايات المتحدة إجراء مزاد في تشرين الثاني لتأجير منطقتين واسعتين من قاع البحر قبالة ساموا الأميركية، ستُتاحان لأغراض الاستكشاف وربما التعدين.

وإذا مضت الولايات المتحدة قدماً في عمليات التعدين في مناطق من أعالي البحار فمن المرجح أن تعترض الدول التي انضمت إلى القواعد الدولية التي تقيّد عمليات استخراج الموارد ومنها الصين والهند وروسيا، وعلى الرغم من أن بكين وموسكو تتجاهلان بالفعل بعض القواعد الأخرى المنظمة لشؤون البحار، فإنهما قد تستشهدان بالأنشطة التعدينية الأميركية لتبرير تحركاتهما الخاصة. وكما هو الحال مع سائر أشكال النظام الدولي القائم على القواعد لن تنهار منظومة حوكمة المحيطات دفعة واحدة، فما تزال القوى الكبرى تستفيد من الالتزام ببعض القواعد مثل القواعد المنظمة لمصائد الأسماك، حتى وإن كانت قد ترى في انهيار النظام في مجالات أخرى مكاسب لمصالحها، والأرجح أن هذا النظام سيتآكل تدريجياً عبر سلسلة متراكمة من الخروقات.

فكل سابقة تُنتهك ستجعل تجاهل السابقة التالية أو تبرير انتهاكها أكثر سهولة، وستبدأ الدول الساحلية في النظر إلى المحيطات باعتبارها مجالاً مفتوحاً للاستحواذ، ولن يظل هذا المنطق محصوراً في فرض رسوم على السفن أو المطالبة بالسيطرة على قاع البحار بل قد يمتد إلى فرض السيطرة على مناطق الصيد، والتدخل في الكابلات البحرية وربما الاستيلاء على الجزر أو فرض حصار عليها.

وقد يؤدي تآكل منظومة حوكمة المحيطات إلى تمهيد الطريق أمام الصين لفرض حصار على تايوان، أو أمام روسيا لمحاصرة أرخبيل سفالبارد النرويجي، أو أمام الولايات المتحدة لفرض سيطرة بحرية على المياه المحيطة بغرينلاند. وقد يؤدي انهيار النظام البحري الدولي أيضاً إلى إطلاق سباق على القارة القطبية الجنوبية، ففي أثناء الحرب الباردة وقّعت القوى الكبرى معاهدة جمّدت المطالبات الإقليمية بالقارة وكرّستها للبحث العلمي والتعاون الدولي، غير أن هذه المعاهدة تبدو اليوم أكثر هشاشة.

فالصين تعمل بوتيرة سريعة على توسيع أسطولها من كاسحات الجليد كما تنشئ محطات بحثية في القارة القطبية الجنوبية يخشى مراقبون أميركيون وأوروبيون أن تمتلك قدرات ذات استخدام مزدوج وهو أمر تحظره المعاهدة، كذلك تعاونت الصين وروسيا على تأخير إنشاء مناطق بحرية محمية في المياه المحيطة بالقارة القطبية الجنوبية، بما يتيح لهما توسيع عمليات صيد الكريل. وقد يؤدي انحسار الجليد والتقدم التكنولوجي أيضاً إلى إتاحة المجال أمام عمليات التعدين في القارة، وإذا اندلع سباق على القطب الجنوبي فقد تعيد دول عدة طرح مطالباتها الإقليمية القديمة، وتتسابق على إنشاء محطات لتتبع الأقمار الصناعية في القارة القطبية الجنوبية لأغراض جمع المعلومات الاستخباراتية والمراقبة وغيرها من الأغراض العسكرية.

 

خطوط على الرمال

في عالم تتنازع فيه الدول على المحيطات ستتباطأ حركة التجارة والملاحة إذ ستضطر السفن إلى تغيير مساراتها عبر البحار ودفع رسوم متزايدة عند نقاط العبور، وستصبح السلع أكثر تكلفة وستغدو سلاسل الإمداد أكثر تقلباً وعرضةً للاضطراب، كما يمكن لجهات فاعلة غير مسؤولة ودول أن تعمد إلى حجب موارد استراتيجية أو إمدادات غذائية حيوية لتحقيق مكاسب آنية. وستُجزّأ المحيطات إلى مناطق تخضع للسيادة أو الولاية الوطنية، وفي حال وقعت الموارد والنظم البيئية البحرية بما فيها مصائد الأسماك، تحت سيطرة جهات غير مسؤولة، فقد تتعرض لأضرار جسيمة وطويلة الأمد. وقد تتخذ عملية الاستحواذ على المحيطات في نهاية المطاف مساراً شبيهاً بعملية الاستيلاء على الأراضي، بحيث تستأثر الدول الأقوى أو الدول التي تصل أولاً بالموارد البحرية، وستتضاعف بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للحصول على نصيبها من المحيطات وحماية مطالباتها باستخدام القوة.

وقد استغرق الأمر قروناً من الصراعات وعمليات بناء الدولة حتى أصبحت الحدود البرية مستقرة إلى حد كبير، أما إعادة إنتاج هذه التجربة في المحيطات فستكون محفوفة بالمخاطر وغير قابلة للتنبؤ، وستتغير السيطرة على أجزاء من المحيطات مراراً مع صعود القوى وتراجعها ومع تطور التكنولوجيا، وسيظهر رابحون وخاسرون جدد في هذا السباق على موارد البحار. لقد اختارت دول العالم في وقت من الأوقات أن تتولى إدارة المحيطات بصورة جماعية. لكن المستقبل قد يشهد تنافس الدول وصدامها من أجل تأمين نصيبها من البحار، وستكون تلك مأساة تحلّ بأكبر مشاعٍ عالمي على كوكب الأرض.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى