الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

الجدار الأخضر العظيم في أفريقيا

 استعادة الأراضي بين طموح 2030 وحدود التنفيذ

 

بقلم: العميد د. محمد حجاب / مصر

 

 لم تعد مواجهة التصحر في إفريقيا قضية بيئية معزولة، بل صارت ترتبط بالأمن الغذائي والمائي واستقرار المجتمعات الريفية والهجرة وفرص العمل، وبالأمن والاستقرار في الساحل، وهو من أكثر مناطق العالم تعرضا للتغير المناخي واضطراب السياسة معاً. وفي قلب هذه المعادلة تقف مبادرة «الجدار الأخضر العظيم» التي أطلقها الاتحاد الإفريقي عام 2007 بتصور أولي لحزام من الأشجار والنباتات يمتد نحو 8,000 كيلومتر من السنغال غرباً إلى جيبوتي شرقاً، بعرض يقارب 15 كيلومتراً.([1]) غير أن التجربة العملية كشفت أن هذا التصور الحرفي لا يصمد أمام تعقيد بيئة الساحل، فتطورت المبادرة تدريجياً إلى إطار إقليمي لاستعادة الأراضي وإدارة المياه والزراعة الحراجية وإعادة تأهيل المراعي وتعزيز سبل العيش. وهنا تبرز الإشكالية: هل يستطيع مشروع وُلد فكرةً عن الأشجار أن يصير مشروعاً للتنمية والاستقرار، وأن يحوّل الأرض المستعادة إلى أصل إنتاجي مستدام، في بيئة تحدّها هشاشة مالية ومؤسسية وعدم استقرار أمني؟

وأطروحة هذا المقال أن مستقبل المبادرة سيتحدد بأربعة عوامل مترابطة: انتقالها الفعلي من التشجير إلى استعادة النظم البيئية، وموقع المجتمع المحلي والمياه في تصميمها، وقدرتها على تحويل التعهدات المالية إلى نتائج مقيسة، ومدى ما تتيحه البيئة الأمنية من مجال للعمل.

 

من التشجير إلى استعادة الأرض

انطلقت المبادرة بتصور بصري جذاب: حزام أخضر متصل يعترض الصحراء. وتضمّن هذا التصور افتراضاً ضمنياً بأن المشكلة تُحل بزيادة الغطاء الشجري، وهو افتراض لا يصمد أمام واقع الأراضي الجافة؛ فالأشجار التي تُزرع دون توفير المياه والحماية والإدارة المحلية قد لا تستمر، بينما قد تحقق ممارسات أكثر تكيفاً مع البيئة نتائج أكثر استدامة، مثل التجدد الطبيعي المساعد وحصاد مياه الأمطار واستعادة التربة والزراعة الحراجية واستخدام الأنواع المحلية. وقد أدخلت الدراسات الاقتصادية الحديثة هذه الحقيقة في حساباتها، فافترضت انخفاض معدلات بقاء الأشجار والأعشاب المزروعة واستمرار عوامل التدهور.([2]) وتعكس الوثائق المؤسسية هذا التحول. فالمبادرة تضم 11 دولة عضواً مؤسساً في الوكالة الإفريقية للجدار الأخضر العظيم، وتمتد على نحو 156 مليون هكتار من حوض نهر السنغال إلى القرن الإفريقي، وتستهدف بحلول عام 2030 استعادة 100 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة واحتجاز 250 مليون طن من الكربون وتوفير 10 ملايين وظيفة. وفي عام 2024 اعتمد الاتحاد الإفريقي استراتيجية محدّثة وإطار تنفيذ لعشر سنوات يوسّعان النطاق ليشمل القارة كلها مع بقاء الساحل أساساً للمبادرة.([3]) وتقرّ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD) نفسها بأن استعادة الأراضي على نطاق واسع لا تُقاس بعدد الأشجار أو الهكتارات وحدها، وأن دوامها يتوقف على سلامة النظم البيئية وقوة المجتمعات والمؤسسات واستدامة التمويل وموثوقية البيانات. وهذه النقلة من التشجير إلى استعادة النظم البيئية هي، في تقدير هذا المقال، العامل الأكثر أهمية في تحديد مستقبل المبادرة.

 

الساحل وتراكب الهشاشة

لا يواجه الساحل الإفريقي مشكلة تصحر منفردة، وإنما يواجه تداخلاً بين تدهور الأراضي والنمو السكاني والضغط على الموارد الطبيعية والجفاف واضطراب الأمطار وضعف الإنتاجية الزراعية والرعوية. وتصف وثائق UNCCD المنطقة بأن درجات الحرارة فيها ترتفع بمعدل يفوق أي منطقة أخرى في العالم، وبأن سكانها من أصغر سكان العالم سناً، وبأنها تعاني اضطراباً اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً. وعندما تتراجع قدرة الأرض على توفير الغذاء أو العلف أو المياه، تشتد المنافسة على الموارد، وقد تتحول خلافات محلية بين المزارعين والرعاة إلى نزاعات أوسع، خصوصاً حيث تضعف مؤسسات الدولة. وتذهب أبحاث المعهد النرويجي للشؤون الدولية (NUPI) ومعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) إلى أن التغير المناخي يتفاعل في الساحل مع عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية، فيزيد مخاطر الصدام على المياه والمراعي، وأن بعض الجماعات المسلحة تجنّد من مجتمعات تأثرت سبل عيشها.([4]) ولا يعني ذلك أن التصحر ينتج الصراع مباشرة، فللصراعات في الساحل أسباب سياسية وأمنية واقتصادية متعددة؛ وإنما يعمل تدهور الموارد عاملاً مضاعفاً للهشاشة. ومن هنا تُقرأ استعادة الأراضي بوصفها أحد مكونات بناء الصمود الاجتماعي والاقتصادي، لا سياسة بيئية فحسب.

 

المجتمع المحلي والمياه

لا تتحقق استعادة الأراضي في الساحل بجهد الحكومات والمنظمات الدولية وحدها، لأن استعمال الأرض والمياه والمراعي يجري يومياً على المستوى المحلي. ويقدّم النيجر أوضح الأمثلة: فمنذ مطلع التسعينيات تبنّى ما لا يقل عن مليون أسرة ممارسة «التجدد الطبيعي بإدارة المزارعين»، فأعادت إدارة الأشجار في نحو 5 ملايين هكتار من الأراضي الزراعية.([5]) وقد اعتمدت النيجر لاحقاً قراراً رسمياً يعترف بالممارسة ويشجع المنتجين على دمج الأشجار في الحقول والمراعي.([6]) وهي تجربة سبقت إطلاق المبادرة بنحو عقد ونصف وقامت على قرار المزارعين أنفسهم، ما يجعلها من أقرب النماذج المعروفة إلى معنى الاستعادة المستدامة في الساحل. وخلف كل حديث عن التشجير تقف قضية أعمق هي المياه. فالبيئة الساحلية لا تسمح ببناء منظومات نباتية مستدامة دون إدارة فعالة لمياه الأمطار والمياه الجوفية والتربة؛ ولذلك وضعت استراتيجية إدارة الأراضي والمياه العابرة للحدود (2024) استعادة التربة والغطاء النباتي في موقع آلية لتخزين المياه. وفي النيجر أيضًا، استعاد برنامج تنمية الزراعة الأسرية الذي يدعمه الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (IFAD) نحو 210 آلاف هكتار، ودرّب قرابة 67 ألف مزارع، ورفع الغلات بنحو 30%.([7]) ومن ثمّ يتغير السؤال الاستراتيجي من «كم شجرة يمكن زراعتها؟» إلى «كم من المياه يمكن الاحتفاظ به داخل النظام البيئي؟»؛ فاستعادة الأرض تبدأ باستعادة قدرتها على الاحتفاظ بالماء والإنتاج، ثم يأتي الغطاء النباتي نتيجة لهذه العملية لا هدفاً منفصلاً عنها.

ولهذا لا ينبغي أن يُقاس نجاح المبادرة بعدد الشتلات، بل بقدرتها على الإجابة عن أسئلة أدق: هل زادت إنتاجية الأرض؟ وهل تحسّن دخل السكان؟ وهل انخفضت هشاشتهم أمام الجفاف؟ وهل أصبح وصول الرعاة والمزارعين إلى الموارد أكثر انتظامًا؟ وهل تنتج الأراضي المستعادة قيمة اقتصادية بعد انتهاء التمويل الخارجي؟ وهذه الأسئلة هي التي تحوّل المشروع من برنامج بيئي مؤقت إلى مشروع تنموي مستدام.

 

 

 

الاقتصاد الأخضر وحدود العائد

إذا أرادت المبادرة أن تستمر بعد عام 2030 فعليها أن تنتقل تدريجياً من الاعتماد على التمويل التنموي إلى بناء اقتصاد محلي ينتج قيمة من الأراضي المستعادة. فهذه الأراضي يمكن أن تنتج الأعلاف والمنتجات غير الخشبية والعسل والزيوت والبذور والصمغ العربي، وأن تولّد وظائف في إنتاج الشتلات وإدارة المياه والزراعة الحراجية والتصنيع والتسويق. غير أن الحسابات الاقتصادية تدعو إلى الحذر. فقد قدّرت دراسة منشورة في مجلة Nature Sustainability أن كل دولار يُستثمر في استعادة الأراضي ضمن الجدار الأخضر يحقق في المتوسط 1.2 دولار في السيناريو الأساسي، وبين 1.1 و4.4 دولار عبر السيناريوهات المختلفة.([8]) وهذا يعني أن الاستثمار مبرَّر اقتصادياً على المستوى الإقليمي، لكن هامش العائد ضيق ويتوقف على حسن اختيار الأنشطة والمواقع؛ فتحويل الأراضي المتدهورة إلى أراضٍ زراعية قد يتيح أول حصاد بعد عام واحد في أفضل الأحوال ويستردّ كلفته أسرع، غير أن أرباحه وآثاره البيئية أقل بكثير.([9]) ومن ثمّ فالتحدي ليس في حجم الأموال وحده، بل في خلق أسواق حقيقية لما تنتجه الأرض المستعادة. وينسحب الحذر ذاته على مؤشر الوظائف. فقد رصد مرصد الجدار الأخضر نحو 4.6 مليون وظيفة مقابل هدف من 10 ملايين، لكن نحو 80% منها تتركز في النيجر (2.7 مليون) وبوركينا فاسو (نحو 983 ألفاً). كما تصف مساهمات بعض الشركاء ما تحقق بـ«فرص عمل» ناتجة عن برامج المساعدة الغذائية مقابل الأصول، وهو ما يستدعي التمييز بين الوظائف الدائمة والفرص الموسمية المؤقتة، وهو تمييز لا يظهر في المؤشرات المنشورة.

 

التمويل بين التعهد والصرف

يمثل التمويل أشد اختبارات المبادرة. فقد أُعلن «مسرّع الجدار الأخضر العظيم» في قمة «كوكب واحد» في كانون الثاني 2021 لتحسين التنسيق بين الجهات المانحة والدول والمؤسسات المنفذة، وأشار التقرير الخماسي الصادر عن UNCCD إلى تعهدات بلغت 14.3 مليار دولار عند الإطلاق، ثم إلى التزامات تتبّعها المسرّع بنحو 19 مليار دولار. وتتباين الأرقام المنشورة في وثائق UNCCD نفسها بين 14.3 و19 و20 مليار دولار،([10]) وهو تباين يؤكد الحاجة إلى قاعدة موحدة لحصر التعهدات.

أما الصرف الفعلي فأدنى بكثير. فقد أفادت UNCCD، في سياق عرضها نتائج مراجعة مستقلة للمسرّع أُنجزت في شباط 2023، بأن 2.5 مليار دولار فقط من التعهدات كانت قد صُرفت، في حين تُقدَّر الحاجة بنحو 33 مليار دولار لتحقيق رؤية المبادرة. وكان تقرير الوضع الأول عام 2020 قد قدّر أن بلوغ الهدف يتطلب استعادة نحو 8.2 مليون هكتار سنوياً باستثمار يقارب 4.3 مليار دولار في السنة، ووصف قاعدة التمويل بأنها غير كافية وغير متوقعة وغير مؤمّنة.([11]) وما زال المشاركون في اجتماع جيبوتي في فبراير 2026 يشيرون إلى فجوة مستمرة بين المبالغ المعلنة والمصروفة. ويقابل ذلك تطور إيجابي في بنية التمويل، أبرزه برنامج SURAGGWA بقيمة 222 مليون دولار الذي أُطلق في كانون الاول 2025 بدعم من الفاو وصندوق المناخ الأخضر في ثماني دول ساحلية.([12]) وتقترن فجوة الصرف بفجوة مؤسسية. فقد رصدت المراجعة المستقلة ضعفاً مؤسسياً في الوكالات الإقليمية والوطنية للجدار الأخضر بسبب قلة الموارد المالية والبشرية والدعم السياسي، وأُنشئت الائتلافات الوطنية في تسع دول من الدول الإحدى عشرة فقط (باستثناء إريتريا وإثيوبيا)، بينما يقرّ التقرير الخماسي بأن استمرار القيادة السياسية والتنسيق الوطني وانخراط القطاع الخاص ما زالت من المخاطر الرئيسية. وتفضي هذه الفجوات إلى نتيجة مهمة، هي أن التفاوت بين الدول قد يكون أثقل وزناً من الفجوة بين الأهداف والنتائج الإجمالية؛ فالدولة ذات المؤسسات المحلية الأقوى تحوّل التمويل إلى نتائج أسرع من دولة تعاني ضعف المؤسسات أو النزاع أو صعوبة الوصول إلى المناطق المستهدفة.

 

الأمن شرطاً للتنفيذ

يعمل الجدار الأخضر في فضاء تتقاطع فيه التحديات البيئية بالأمنية؛ فقد أصبحت أجزاء واسعة من الساحل خلال السنوات الأخيرة مسرحاً لنشاط جماعات مسلحة وصراعات محلية وأزمات سياسية، مما يجعل تنفيذ مشروعات التنمية طويلة الأجل أشد صعوبة. وهنا مفارقة أساسية: المناطق الأحوج إلى استعادة الأراضي هي أحياناً الأصعب استثماراً بسبب المخاطر الأمنية. وقد أشارت الدراسة الاقتصادية المذكورة إلى تزايد أعمال العنف بوصفه عاملاً يعوق استعادة الأراضي في الساحل. وفي المقابل، تُظهر بعض التدخلات أن التصميم الحساس للنزاع ممكن. فمشروع تموّله الوكالة الفرنسية للتنمية في إقليم تيلابيري بالنيجر، وهو إقليم متأثر بالنزاع، يجمع بين استعادة الأراضي المتدهورة وتطوير ممرات الرعي وتقوية سلاسل قيمة الفول السوداني واللوبيا والسمسم؛ ومشروعات في السنغال تجمع جماعات الرعي الزراعي والمؤسسات المحلية في منطقتين عابرتين للحدود عند نهر فالمي ومنطقة مغاما لإدارة الأرض والمياه المشتركة بطرق سلمية. فليس الجدار الأخضر مشروعاً أمنياً، لكنه قد يصبح جزءاً من منظومة أوسع لبناء الصمود إذا اقترنت مشروعات الدخل وإنتاجية الأرض بسياسات عادلة لإدارة الموارد وتسوية النزاعات المحلية. أما حيث ينهار الأمن، فلن يكفي التمويل البيئي وحده لتعويض غياب الدولة عن ضبط حيازة الأرض والفصل في النزاعات.

 

 

حدود الأرقام وشعار «إيقاف الصحراء»

يستدعي الحكم على المبادرة التوقف أولاً أمام أشيع تعبيراتها في الخطاب الإعلامي، وهو «إيقاف زحف الصحراء». فالصحراء الكبرى ليست جبهة عسكرية تتحرك جنوباً ويمكن إيقافها بحاجز من الأشجار؛ والتصحر ليس مجرد تقدم ميكانيكي للرمال، بل عملية معقدة ترتبط بتدهور التربة والغطاء النباتي والمياه والاستعمال البشري للأرض والتغير المناخي. ولذلك فالهدف العلمي الأدق هو الحد من تدهور الأراضي واستعادة قدرتها البيئية والإنتاجية، وهذا يجعل المبادرة أكثر واقعية مما توحي به صورة الحزام المتصل من السنغال إلى جيبوتي؛ فنجاحها الحقيقي لن يكون خطاً أخضر متصلاً، بل ملايين الهكتارات القادرة على الاحتفاظ بالمياه والإنتاج وتوفير سبل العيش. وتكشف بيانات مرصد الجدار الأخضر حتى نهاية عام 2025 حجم الفجوة: فالمساحة قيد الاستعادة المرصودة نحو 1.66 مليون هكتار من هدف المئة مليون، أي نحو 1.7%، والوظائف نحو 4.6 مليون من عشرة ملايين، أي نحو 46%، والكربون المحتجَز نحو 24 مليون طن من 250 مليوناً، أي نحو 9.6%. غير أن هذه الأرقام تُقرأ بحذر لثلاثة أسباب. أولها أنها مجمّعة من أقل من 90 مشروعاً من أصل 389 مشروعاً مسجلاً في المرصد، وهي وحدها التي تتوافر عنها بيانات وفق مؤشرات الإبلاغ الموحدة، ولم تصادق عليها بعد الائتلافات الوطنية. وثانيها أنها لا تُقارن مباشرة بأرقام سابقة: فقد أورد تقرير الوضع الصادر عام 2020 نحو 18 مليون هكتار مستعادة و350 ألف وظيفة للفترة بين عامي 2007 و2018،([13]) وهذا الفارق لا يعني أن المساحة تراجعت، بل يعكس في الغالب اختلاف التعريف والنطاق، ولذلك أُنشئ إطار موحد لإدارة النتائج ومرصد جديد للبيانات. وثالثها أن التقرير نفسه يصف المبادرة في مقدمته بأنها حققت نحو ثلث أهداف 2030، بينما تتراوح النسب التفصيلية بين 1.7% و46%، فالمتوسط هنا يخفي تفاوتًا بين مؤشرات مختلفة الطبيعة.

وتُظهر البيانات القطرية تركزاً لافتاً: فخمس دول هي إثيوبيا (نحو 417 ألف هكتار) والنيجر (نحو 368 ألفاً) والسودان (نحو 286 ألفاً) وبوركينا فاسو (نحو 217 ألفاً) وجيبوتي (نحو 199 ألفاً) تستحوذ على نحو 90% من المساحة المرصودة، في حين لا تتجاوز الأرقام المرصودة للسنغال نحو 8.8 ألف هكتار ولموريتانيا نحو 10 آلاف. وقد يعكس هذا التفاوت اختلافاً في قدرة الإبلاغ بقدر ما يعكس اختلافاً في حجم التنفيذ، ويستوجب رقم السودان تحديداً تدقيقاً إضافياً في ظل ظروف الحرب. وفي الحالين يؤكد التفاوت أنه لا توجد وصفة واحدة تصلح للساحل كله، وأن المشروع الناجح هو الذي يتكيف مع بيئته المحلية بدل أن يفرض نموذجاً موحداً. ويبقى المعيار الحاسم هو الاستدامة: فالمئة مليون هكتار لا تمثل نجاحًا إذا عادت الأرض إلى التدهور بعد سنوات، وعدد الأشجار المزروعة لا يعكس الأثر البيئي إذا لم تستمر نسبة كبيرة منها.

 

2030 لحظة الاختبار

مع اقتراب عام 2030 تدخل المبادرة مرحلة مختلفة؛ فلم يعد السؤال عن جاذبية الفكرة، بل عن إمكان بلوغ أهدافها على نطاق واسع، ويمكن تصور ثلاثة مسارات. أرجحها تقدم متفاوت: تستمر فجوة الصرف وقصور البيانات وتتركز النتائج في دول قليلة، فيتحقق جزء من الأهداف وتنمو الوظائف أسرع من المساحات والكربون. والمسار الثاني تسارع مشروط، يتحقق إذا صُرفت البرامج الجديدة واعتُمد تعريف موحد للأرض المستعادة وصادقت الدول على بياناتها ودخل القطاع الخاص عبر الضمانات والتمويل المختلط، ويدل عليه ارتفاع نسبة الصرف إلى التعهد ونشر أرقام مصدَّقة سنوياً. أما المسار الثالث فتعثر أمني ومالي، تنذر به مشروعات معلّقة في مناطق النزاع وتأخر في الصرف واضطراب في قيادة الوكالة الإقليمية، وأثره ضياع مكاسب محلية دون أن تسقط النماذج الراسخة القائمة على المزارعين أنفسهم. وهذا الترجيح تقدير تحليلي للكاتب لا حساب إحصائي. وعلى هذا الأساس تشير المعطيات المنشورة إلى أن بلوغ هدف المئة مليون هكتار بحلول 2030 وفق المقياس الحالي غير مرجّح، مع التنبيه إلى أن نقص البيانات يحدّ من قطعية هذا الحكم. غير أن القيمة الحقيقية للمبادرة قد تكمن في موضع آخر: في رسوخ نظام إفريقي لاستعادة الأراضي ينتج أصولاً إنتاجية مستدامة ويخفض هشاشة المجتمعات، وهو معيار لا تلتقطه المؤشرات الحالية إلا جزئياً. كما تقدم المبادرة نموذجاً مختلفاً للعلاقة بين إفريقيا وشركائها الدوليين، إذ يمكن أن تتجه من تمويل مشروعات منفصلة إلى بناء منظومات إنتاج واستثمار طويلة الأجل مرتبطة باستعادة الموارد الطبيعية.

 

ما يلزم لتقليص الفجوة

يتطلب تقليص الفجوة خمسة تحولات عملية. أولها توحيد قياس الأرض المستعادة، بتعريف يقوم على التربة والغطاء والمياه والحيازة ويشترط استمرار النتائج بعد انتهاء المشروع، ونشر أرقام مصدَّق عليها وطنياً كل عام، بحيث ترتفع نسبة المشروعات المبلِّغة بالمؤشرات الموحدة من أقل من 90 مشروعاً من أصل 389 إلى ما يزيد على ثلاثة أرباع بحلول 2028، وهو هدف يقترحه المقال. وثانيها تسريع الصرف، بأن تنشر الجهات المانحة وصناديق المناخ كل عام جدولاً للالتزامات مقابل المصروف وتنتقل إلى نوافذ متعددة السنوات، مع توسيع الضمانات والتمويل المختلط لجذب القطاع الخاص. وثالثها جعل المياه وحقوق المنتج المحلي أساس التصميم، بتوسيع الممارسات المجرّبة كالتجدد الطبيعي بإدارة المزارعين وحصاد مياه الأمطار، وإصدار أطر قانونية على غرار قرار النيجر تعترف بحق المنتج في إدارة الأشجار وتنظّم ممرات الرعي. ورابعها إدماج حساسية النزاع في دورة المشروع، بفحص مسبق في الأقاليم المتأثرة وتضمين ممرات الرعي وآليات محلية لتسوية الخلافات على الموارد، على نحو ما جرى في تيلابيري. وخامسها بناء أسواق للمنتجات المستعادة كالصمغ العربي والعسل والزيوت والبذور والأعلاف وربطها بأسواق محلية وإقليمية قبل 2030، بحيث يصبح معيار النجاح نسبة الأراضي المستعادة التي تنتج دخلاً بعد انتهاء التمويل الخارجي.

 

خاتمة

يمثل الجدار الأخضر العظيم إحدى أكثر التجارب طموحاً في مواجهة تدهور الأراضي وتغير المناخ في إفريقيا، غير أن أهميته لا تكمن في عدد الأشجار، بل في قدرته على إعادة بناء المنظومات البيئية والاقتصادية والاجتماعية في الأراضي الجافة. وقد دخلت المبادرة مرحلة لم يعد السؤال فيها عن إمكان زراعة الأشجار، بل عن إمكان تحويل الأرض المستعادة الى أصل إنتاجي مستدام.

وسيتوقف ذلك على أربعة عوامل مترابطة: استدامة التمويل وصرفه، وتعزيز الإدارة المحلية، وإدارة المياه، وتحويل الاستعادة البيئية إلى قيمة اقتصادية حقيقية، في ظل بيئة أمنية لا تعمل التنمية البيئية بمعزل عنها. وبهذا المعنى لن يكون عام 2030 مجرد موعد لانتهاء مبادرة، بل اختباراً للنموذج الإفريقي نفسه في مواجهة التصحر وتغير المناخ؛ فالمعركة الحقيقية التي يخوضها الجدار الأخضر هي بناء منظومة خضراء مستدامة تجعل الأرض أكثر إنتاجاً والمجتمعات أكثر قدرة على الصمود.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى