الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
التحالف الإثيوبي الجديد.. هل يستطيع تهديد حكومة آبي أحمد أم أنه تحالف على الورق؟

بقلم: العميد دكتور محمد حجاب / مصر
عندما أعلنت سبع حركات إثيوبية مسلحة في ايلول 2026 تشكيل «تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء»، بدا المشهد في ظاهره أقرب إلى محاولة سياسية لتجميع قوى متباعدة جغرافياً، ومختلفة في أهدافها وتاريخها، تحت مظلة واحدة لمواجهة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد. غير أن التطورات العسكرية التي تزامنت مع الإعلان، وعودة المواجهات إلى إقليم تيغراي، واتساع نطاق التوترات في أمهرا وأجزاء من المناطق المجاورة، أعادت طرح سؤال أكثر أهمية من مجرد الإعلان عن التحالف: هل دخلت المعارضة المسلحة الإثيوبية مرحلة جديدة من التنسيق الاستراتيجي، أم أن ما يجري لا يزال تقاطعاً مؤقتاً للمصالح بين أطراف لم تتجاوز خلافاتها التاريخية والسياسية؟
وتنبع أهمية هذا السؤال من طبيعة القوى التي اجتمعت داخل التحالف. فالتشكيل الجديد يضم جبهة تحرير شعب تيغراي، وحركة فانو الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب حركات أخرى تنشط في مناطق مختلفة من البلاد. وهذه القوى لا تتشارك بالضرورة تصوراً واحداً لمستقبل الدولة الإثيوبية، كما أن بعضها خاض مواجهات مباشرة مع الحكومة الفيدرالية، بينما كانت أطراف أخرى في مراحل سابقة جزءاً من معسكرات متعارضة خلال الحرب في شمال إثيوبيا. ولذلك فإن انتقال هذه الحركات إلى إطار سياسي مشترك يمثل تطوراً يستحق المتابعة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات نشوء جبهة عسكرية موحدة.
وقد أشارت تغطيات صحفية نُشرت في ايلول 2026 إلى أن التحالف أعلن هدفاً يتمثل في إزاحة حكومة آبي أحمد والعمل على إقامة حكومة انتقالية شاملة، في حين بقيت طبيعة التعاون العسكري الفعلي بين مكوناته ومستوى التنسيق بينها موضع تساؤل. ومن هنا، فإن القيمة الاستراتيجية للتحالف لا تتحدد بمجرد عدد الحركات المنضوية تحته، وإنما بمدى قدرته على تحويل الاتفاق السياسي إلى التزامات متبادلة وآليات تنسيق يمكن أن تؤثر في مسار العمليات العسكرية. (1)
من تعدد التمردات إلى احتمال تعدد الجبهات المترابطة
لفهم طبيعة التحول الذي يمكن أن يحدثه التحالف، ينبغي العودة إلى البنية الجغرافية والسياسية للصراع الإثيوبي. فالحكومة الفيدرالية لا تواجه خصماً واحداً يتحرك في مسرح عمليات محدد، وإنما تتعامل مع نزاعات تختلف دوافعها ومطالبها وبيئاتها المحلية. ففي تيغراي ترتبط المواجهة بمستقبل العلاقة بين الإقليم والمركز، وبترتيبات ما بعد الحرب السابقة، وبالخلافات المتعلقة بالأرض والسلطة والضمانات الأمنية. وفي أمهرا تتداخل المواجهات مع مطالب سياسية وأمنية وقضايا تتصل بسلطة الإقليم ومكانة التشكيلات المسلحة المحلية. أما في أوروميا، فتستمر المواجهة بين القوات الحكومية وجيش تحرير أورومو ضمن سياق مختلف في جذوره ومطالبه.
ومن هنا نستطيع أن نقول إن التحالف الجديد لا يحتاج بالضرورة إلى تشكيل جيش مركزي واحد حتى يصبح مصدر ضغط على الحكومة. فقد تنشأ أهميته من قدرته على ربط هذه الجبهات سياسياً، وتبادل المعلومات والموارد بينها، واستغلال انشغال القوات الحكومية في إقليم لتخفيف الضغط على جبهة أخرى. وإذا تحقق قدر ملموس من هذا التنسيق، فقد تجد القيادة العسكرية الإثيوبية نفسها أمام معضلة توزيع القوات والاحتياطيات والإمدادات على مسارح عمليات متباعدة، بدلاً من تركيز قدراتها على احتواء كل حركة بصورة منفصلة.
لكن هذا الاحتمال يظل مشروطاً بعوامل لا يمكن افتراض تحققها تلقائياً. فتزامن الاشتباكات في أكثر من إقليم لا يعني بالضرورة أن هناك خطة عسكرية مشتركة، كما أن وجود خصم سياسي واحد لا يثبت وجود قيادة عملياتية موحدة. فقد تتحرك كل جماعة وفق حساباتها الخاصة، وتستفيد من انشغال الحكومة بجبهات أخرى دون أن يكون هناك اتفاق مسبق على توقيت العمليات أو أهدافها.
وبالتالي، فإن المسألة الأساسية لا تتعلق بعدد الجبهات المفتوحة وحده، بل بدرجة الترابط بينها. فهناك فرق جوهري بين أن تواجه الحكومة عدة تمردات مستقلة، وبين أن تواجه منظومة من الجبهات التي تستطيع التنسيق فيما بينها، وتبادل الإسناد، وتعديل تحركاتها استجابة لما يجري في بقية مناطق الصراع.
ألماتا واختبار قدرة الحكومة على استعادة المبادرة
تقدم التطورات الميدانية في تيغراي مثالاً واضحاً على ضرورة عدم المبالغة في تقدير أثر التحالف بمجرد الإعلان عنه. ففي 28 ايلول 2026، أفادت تقارير صحفية بأن القوات الموالية للحكومة استعادت مدينة ألماتا الاستراتيجية الواقعة جنوب تيغراي، بعد هجوم معارض بدأ في المنطقة خلال الأسبوع السابق. وأشارت رويترز إلى أن مقاطع مصورة ومصادر دبلوماسية دعمت أن القوات الحكومية وحلفاءها دخلوا المدينة، مع بقاء بعض التفاصيل المتعلقة بمدى إحكام السيطرة عليها بحاجة إلى التحقق المستقل. (2)
وتكتسب هذه الواقعة أهميتها من دلالتها العسكرية والسياسية. فمن ناحية، توضح أن القوات الفيدرالية وحلفاءها ما زالوا قادرين على تنفيذ عمليات مضادة واستعادة مواقع ذات أهمية جغرافية. ومن ناحية أخرى، تكشف أن السيطرة على مدينة أو محور لا تعني بالضرورة انتهاء التهديد في الإقليم، مثلما لا يعني التقدم الأولي للقوات المعارضة قدرتها على الاحتفاظ بالمناطق التي تصل إليها.
وفي تقديري أن التعامل مع هذه التطورات يتطلب التمييز بين السيطرة الميدانية المؤقتة والقدرة على تثبيت المكاسب. فنجاح أي طرف في دخول منطقة معينة لا يحسم وحده نتيجة المعركة، ما لم يكن قادراً على تأمين طرق الوصول إليها، واستمرار الإمداد، وحماية قواته، ومنع خصمه من إعادة تنظيم صفوفه وشن هجمات مضادة.
وهنا يظهر أحد الاختبارات الرئيسية للتحالف الجديد: هل تستطيع مكوناته استثمار الضغط الذي تمارسه على الحكومة في أكثر من منطقة لإحداث أثر مستدام على توزيع قواتها وقدرتها على المبادرة؟ أم ستتمكن القوات الفيدرالية من احتواء كل جبهة على حدة، واستعادة المناطق التي تفقدها، ثم نقل قدراتها إلى مسارح أخرى؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتوقف على نتيجة معركة منفردة، وإنما على اتجاه العمليات خلال فترة زمنية ممتدة، وعلى قدرة كل طرف على الحفاظ على قواته وموارده بعد سلسلة من المواجهات المتبادلة.
القوة العسكرية لا تُقاس بعدد الجبهات وحده
إذا أردنا تقييم التهديد الذي يمثله التحالف على حكومة آبي أحمد، فمن الضروري تجاوز التقدير العام القائم على تعدد الجبهات إلى تحليل أربعة عناصر مترابطة: القوة القتالية، والقيادة والسيطرة، والاستدامة اللوجستية، والأثر الاستراتيجي.
يتعلق العنصر الأول بقدرة الحركات المسلحة على الاحتفاظ بقواتها، وتعويض خسائرها، وتوفير الأسلحة والذخائر اللازمة لاستمرار العمليات. ولا تتوافر في المعطيات المنشورة التي يستند إليها هذا التحليل بيانات موثوقة وكافية تسمح بإجراء مقارنة كمية شاملة بين إجمالي القوة القتالية للتحالف والقوات الحكومية. ولذلك فإن إصدار حكم حاسم بشأن ميزان القوى استناداً إلى عدد الحركات المشاركة وحده سيكون سابقاً لأوانه.
أما العنصر الثاني، وهو القيادة والسيطرة، فيتصل بمدى قدرة مكونات التحالف على اتخاذ قرارات مشتركة، وتبادل المعلومات، وتنسيق التوقيت والأهداف، وتحديد المسؤوليات السياسية والعسكرية. فوجود قيادة سياسية مشتركة لا يعني بالضرورة وجود قيادة عسكرية تستطيع إصدار أوامر ملزمة لجميع التشكيلات. وقد تحتفظ كل حركة بقيادتها المستقلة، وتشارك في بعض الأنشطة المشتركة، من دون أن تتخلى عن حرية اتخاذ القرار في مناطق نفوذها.
ويتمثل العنصر الثالث في الاستدامة اللوجستية، وهي مسألة قد تكون أكثر أهمية من تحقيق مكاسب ميدانية سريعة. فاستمرار القتال يتطلب إمدادات منتظمة، واتصالات فعالة، وقدرة على نقل الأفراد والمواد، وتوفير الرعاية الطبية، والحفاظ على خطوط الحركة والتموين. وقد تنجح حركة مسلحة في تنفيذ هجوم محدود، لكنها تعجز عن الاحتفاظ بالموقع الذي سيطرت عليه إذا لم تستطع تأمين احتياجات قواتها أو مواجهة الهجمات المضادة.
أما العنصر الرابع فيتعلق بالأثر الاستراتيجي للعمليات. فليس كل هجوم ناجح انتصاراً استراتيجياً، وليس كل تراجع حكومي دليلاً على انهيار قدرة الدولة. فقد تعيد القيادة العسكرية توزيع قواتها وفق أولوياتها، أو تتخلى مؤقتاً عن بعض المواقع لتقليل الخسائر، أو تنقل ثقل العمليات إلى منطقة أخرى. ولذلك ينبغي قياس أثر التحركات المعارضة بمدى قدرتها على فرض تغييرات مستدامة في انتشار القوات الحكومية، أو تعطيل قدرتها على إدارة العمليات، أو دفعها إلى تعديل أولوياتها السياسية والعسكرية.
ونستنتج مما سبق أن التحالف قد يمتلك قدرة على إرباك الحكومة قبل أن يمتلك قدرة على هزيمتها عسكرياً. وهذه نقطة مهمة؛ لأن إرباك الخصم ورفع تكلفة عملياته يمثلان مستوى من التأثير، بينما فرض الإرادة عليه أو إجباره على تغيير النظام السياسي يمثل مستوى آخر يتطلب شروطاً إضافية.
المسيّرات واتساع مسرح العمليات: ما الذي تثبته الوقائع؟
أثار الحديث عن استخدام الطائرات المسيّرة في سياق المواجهات الإثيوبية اهتماماً خاصاً، نظراً إلى ما يمكن أن توفره هذه الوسائل من قدرات على الاستطلاع أو استهداف مواقع عسكرية. غير أن التقييم العسكري لهذه العمليات ينبغي أن يستند إلى معلومات محددة بشأن مكان وقوعها، وطبيعة الأهداف، والجهة المسؤولة عنها، ومدى التحقق المستقل من نتائجها.
فإذا ثبت أن ضربات جوية أو هجمات بمسيّرات استهدفت مواقع عسكرية بعيدة عن مناطق الاشتباك الرئيسية، فقد يشير ذلك إلى اتساع النطاق الجغرافي للتهديد الذي تواجهه الحكومة. لكنه لا يثبت تلقائياً أن التحالف يمتلك منظومة قيادة مشتركة، أو أن جميع مكوناته تشارك في التخطيط والتنفيذ، أو أن لديه قدرة متقدمة ومستدامة على تنفيذ عمليات بعيدة المدى.
والتمييز هنا ضروري بين ثلاثة مستويات: وقوع الهجوم، وتحديد الجهة التي نفذته، وإثبات علاقته بقرار مشترك صادر عن التحالف. فهذه مستويات مختلفة من الإثبات، ولا يجوز الانتقال من أحدها إلى الآخر دون معلومات تدعم هذا الانتقال.
ومن ثم، فإن تكرار الهجمات، وثبوت مسؤولية جهة محددة عنها، ووجود أدلة على تبادل المعلومات أو التنسيق بين أكثر من حركة، ستكون جميعها مؤشرات أكثر دلالة من مجرد ورود تقارير متفرقة عن استخدام المسيّرات. أما إذا ظلت المعلومات مقتصرة على بيانات الأطراف المتحاربة، فينبغي عرضها بصفتها ادعاءات أو تقارير غير مكتملة التحقق، لا حقائق عسكرية نهائية.
ولذلك فإن أهمية المسيّرات في هذه الأزمة لا تنحصر في السلاح ذاته، بل في ما قد تكشفه الوقائع الموثقة عن تطور قدرة بعض الجماعات على الاستطلاع، أو استهداف مواقع محددة، أو توسيع نطاق عملياتها. ومع ذلك، فإن تحديد حجم هذه القدرة ومدى استدامتها يتطلب معلومات لا يكفي الإعلان السياسي أو الخبر المنفرد لإثباتها.
التناقضات الداخلية: وحدة الخصومة لا تعني وحدة المشروع
على الرغم من أهمية العوامل العسكرية، فإن مستقبل التحالف يرتبط كذلك بطبيعة التفاهم السياسي بين مكوناته. فالحركات المنضوية تحته لا تخوض الصراع بالضرورة من أجل الغاية النهائية نفسها؛ إذ تتباين مطالبها بين ترتيبات الحكم الذاتي، والحقوق القومية، وتوزيع السلطة والثروة، والنزاعات الإقليمية، وتغيير الحكومة المركزية.
وتزداد حساسية هذه المسألة عند النظر إلى الخلافات التاريخية بين بعض المكونات، ومنها النزاع على غرب تيغراي وما يرتبط به من مطالب متعارضة بشأن الأرض والإدارة والحقوق المحلية. فهذه القضايا لا تمثل خلافات ثانوية يمكن افتراض اختفائها بمجرد تشكيل تحالف سياسي، بل قد تصبح من أكثر الملفات تعقيداً إذا انتقلت المعارضة من مرحلة التنسيق ضد الحكومة إلى مرحلة التفاوض حول مستقبل الدولة.
وفي تقديري أن التحالف يمتلك، في الوقت الراهن، فرصة لبناء وحدة في مواجهة خصم مشترك، لكنه لم يثبت بعد امتلاكه مشروعاً سياسياً تفصيلياً يحظى بقبول جميع مكوناته. وهذا لا يعني أن تفككه أمر حتمي، وإنما يعني أن استمراره يتطلب آليات واضحة لإدارة الخلافات، وتحديد قواعد اتخاذ القرار، والتوافق على طبيعة المرحلة الانتقالية، وموقع الأقاليم في النظام السياسي المقبل.
فقد تستطيع الحركات تأجيل خلافاتها ما دامت ترى أن التعاون يحقق لها مكاسب أمنية أو سياسية، لكن هذه الخلافات قد تعود إلى الواجهة عندما تتغير موازين القوة أو تظهر فرص للتفاوض المنفرد. وقد يؤدي غياب تصور مشترك لتوزيع السلطة إلى إضعاف الثقة بين الحلفاء، حتى لو استمر اتفاقهم على معارضة الحكومة.
ومن هنا، فإن أحد الاختبارات الأساسية للتحالف لا يتعلق فقط بقدرته على تنسيق العمليات، وإنما بقدرته على تحويل الحد الأدنى من التفاهم السياسي إلى قواعد عملية تمنع الخلافات الإقليمية والقومية من تقويض التعاون المشترك.
هل تتصرف الحركات السبع باعتبارها جبهة واحدة؟
من المهم هنا عدم التعامل مع الحركات السبع باعتبارها كتلة متجانسة لمجرد انضمامها إلى إعلان سياسي مشترك. فالتغطيات والتقارير المنشورة عن التحالف تشير إلى أن طبيعة التعاون بين مكوناته ومدى المشاركة العسكرية لكل منها لا تزال بحاجة إلى تدقيق ومتابعة. كما أن وجود تفاوت في المواقف أو مستويات المشاركة، إن تأكد، قد يعني أن التحالف يعمل بوصفه مظلة متعددة المستويات، وليس بالضرورة تنظيماً عسكرياً موحداً.
ويمكن أن تتخذ هذه المظلة أكثر من صورة؛ فقد تشارك بعض الحركات في القتال بصورة مباشرة، بينما تركز حركات أخرى على التنسيق السياسي أو الدعم المحلي أو توسيع قاعدة المعارضة. وقد تحتفظ بعض الأطراف باستقلاليتها العملياتية، مع استعدادها للتعاون في ملفات محددة. وهذه الأشكال لا تجعل التحالف عديم القيمة، لكنها تعني أن تقدير قوته لا ينبغي أن يساوي بين العضوية السياسية والقدرة القتالية الفعلية.
ولذلك فإن الحكم على مستوى الترابط العسكري يجب أن يستند إلى مؤشرات قابلة للرصد، من بينها ظهور آليات مشتركة لاتخاذ القرار، وتكرار عمليات يثبت وجود تنسيق بينها، وتبادل الدعم بين الجبهات، ووجود التزامات معلنة أو موثقة بشأن المشاركة المتبادلة عند تعرض أحد المكونات لضغط عسكري.
وفي المقابل، فإن استمرار كل حركة في إدارة عملياتها بصورة مستقلة، أو ظهور خلافات علنية حول الأهداف والتوقيت، أو اقتصار التعاون على البيانات والاجتماعات، سيكون مؤشراً على أن التحالف لم يتجاوز بعد مرحلة التنسيق السياسي المحدود.
لكن حتى في هذه الحالة، لا ينبغي اختزال أثره في كونه تحالفاً على الورق؛ فقد يؤدي وجود إطار سياسي مشترك إلى رفع مستوى التواصل بين جماعات كانت متعارضة، وتغيير حسابات الحكومة بشأن طبيعة المعارضة، وتوفير مساحة لتنسيق محدود قد يتطور أو يتراجع وفق ظروف الصراع.
اختبار الصمود: هل يستطيع التحالف الاستمرار تحت الضغط؟
لا تتوقف قدرة التحالف على إرباك الحكومة على تنفيذ هجمات متزامنة أو تحقيق مكاسب ميدانية أولية، بل ترتبط كذلك بقدرته على الاستمرار عندما تتعرض مكوناته لضغط عسكري متواصل. فالتنسيق الحقيقي يظهر بوضوح أكبر عندما تواجه إحدى الجبهات أزمة، ويصبح مطلوباً من الحلفاء تقديم دعم سياسي أو لوجستي أو عملياتي، بدلاً من الاكتفاء بمراقبة ما يحدث.
فإذا تعرضت إحدى الحركات لضغط شديد، ثم تمكنت الحركات الأخرى من تخفيفه من خلال تحركات متزامنة أو إعادة توزيع للجهد العسكري، فقد يكون ذلك مؤشراً على نشوء ترابط فعلي بين الجبهات. أما إذا تمكنت القوات الحكومية من التركيز على كل حركة بصورة منفصلة، وإجبارها على الانكفاء من دون أن يترتب على ذلك تغيير ملموس في سلوك بقية مكونات التحالف، فقد يشير ذلك إلى محدودية التنسيق المشترك.
ومع ذلك، فإن هذا الاختبار لا ينبغي أن يُفهم على أنه مطالبة كل حركة بالدخول في معركة كلما تعرض حليفها لهجوم؛ إذ قد تكون بعض التحركات غير مجدية عسكرياً، وقد تفرض طبيعة الجغرافيا والقدرات المحلية قيوداً على تقديم المساندة. ولذلك فإن المؤشر الأكثر دلالة هو وجود قدرة متكررة على التأثير المتبادل بين الجبهات، وليس مجرد إعلان التضامن السياسي.
وفي هذا السياق، تظل قدرة القوات الفيدرالية على استعادة مواقع استراتيجية، كما حدث في ألماتا وفق التقارير المنشورة، عنصراً مهماً في تقييم ميزان القوة. فهي توضح أن الحكومة لا تزال تمتلك أدوات عسكرية تسمح لها بالمبادرة في بعض المحاور، حتى في ظل اتساع نطاق المعارضة. وفي المقابل، فإن استمرار الاشتباكات في مناطق مختلفة قد يفرض عليها تكاليف متزايدة إذا طال أمد المواجهات واتسع نطاقها.
وهكذا، فإن اختبار الصمود لا يتعلق بمن يحقق مكسباً أولياً أكبر، بل بمن يستطيع الحفاظ على قدرته على القتال وإدارة الموارد وتعديل خططه في ظل الاستنزاف المتبادل.
من الأزمة الداخلية إلى التوتر الإقليمي
تتجاوز خطورة التطورات الإثيوبية حدود الصراع الداخلي، في ظل التدهور المتسارع في العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا. ففي الأول من تشرين الاول 2026، أعلنت إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، بعد قرار أديس أبابا إغلاق سفارتها في أسمرة وإعلان عشرة دبلوماسيين إريتريين أشخاصاً غير مرغوب فيهم. وجاء التصعيد في سياق اتهامات إثيوبية لإريتريا ودول أخرى بدعم المعارضة المسلحة، وهي اتهامات نفتها الدول المعنية. (3)
ويعني هذا التطور أن الصراع الإثيوبي أصبح يتحرك داخل بيئة إقليمية أكثر توتراً، تتداخل فيها الخلافات المتعلقة بالأمن والحدود والوصول إلى البحر الأحمر وموازين النفوذ في القرن الأفريقي. كما أن استمرار الحرب في السودان، وتعدد الأطراف الإقليمية المنخرطة في أزمات المنطقة، يزيدان من تعقيد الحسابات المحيطة بإثيوبيا.
لكن من الضروري التمييز بين تزايد التوتر الإقليمي وبين ثبوت التدخل العسكري المباشر. فقطع العلاقات الدبلوماسية قد يرفع مخاطر التصعيد ويقلص قنوات الاتصال السياسي، لكنه لا يثبت وحده أن حرباً إقليمية باتت وشيكة، كما أن الاتهامات المتبادلة بشأن دعم الجماعات المسلحة لا تكفي من دون أدلة مستقلة لتحديد طبيعة ذلك الدعم أو حجمه.
وتتجلى خطورة هذا المسار في أن أي تصعيد مباشر بين إثيوبيا وإريتريا قد يغير حسابات الأطراف الداخلية، ويؤثر في توزيع القوات والموارد، ويزيد احتمالات انتقال آثار الصراع إلى المناطق الحدودية. كما يمكن أن يؤدي تداخل الأزمة الإثيوبية مع التوترات في السودان والبحر الأحمر إلى توسيع نطاق المخاطر الأمنية والاقتصادية في منطقة ترتبط فيها طرق التجارة والموانئ والممرات البحرية بحسابات استراتيجية متشابكة.
وفي الثاني من تشرين الاول، دعت مفوضية الاتحاد الأفريقي إثيوبيا وإريتريا ومصر إلى ضبط النفس وتجنب الخطوات أو التصريحات التي قد تؤدي إلى تصعيد التوترات، مؤكدة أهمية معالجة الخلافات عبر القنوات الدبلوماسية. ويعكس هذا التحرك القلق من اتساع نطاق الأزمة، لكنه لا يعني أن مسار التصعيد الإقليمي أصبح حتمياً. (4)
ومن هنا، فإن العامل الإقليمي قد يتحول إلى عنصر مضاعف للضغوط على الحكومة الإثيوبية، لكنه قد يفرض في الوقت نفسه مخاطر إضافية على الحركات المعارضة، إذا أدت التطورات الحدودية إلى تغيير أولويات الأطراف المحيطة بالصراع أو إلى تدخلات تزيد تعقيد البيئة الأمنية. ولذلك لا يمكن تقييم مستقبل التحالف بمعزل عن مسار العلاقات الإثيوبية الإريترية، مع ضرورة عدم افتراض وجود ارتباط عملياتي بين التحالف وأي دولة إقليمية ما لم تتوافر أدلة موثوقة على ذلك.
المسارات المحتملة لمستقبل التحالف
استناداً إلى المعطيات المتاحة، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل التحالف، من دون الجزم مسبقاً بتحقق أي منها.
يتمثل المسار الأول في تطور التحالف إلى جبهة عسكرية أكثر ترابطاً. ويتطلب ذلك استمرار التنسيق بين مكوناته، وظهور آليات مشتركة لاتخاذ القرار، وتكرار عمليات يثبت ارتباطها بتفاهمات متبادلة، إلى جانب قدرة الحركات على دعم بعضها بعضاً عند تعرض إحدى الجبهات لضغط حكومي. وإذا تحقق هذا المسار، فقد تتزايد صعوبة احتواء المعارضة عبر عمليات منفصلة، لأن أي تحرك حكومي ضد جبهة قد يتزامن مع ضغوط في جبهات أخرى.
أما المسار الثاني، فيتمثل في استمرار التحالف السياسي مع تفاوت المشاركة العسكرية. وفي هذه الحالة، قد تحتفظ الحركات بإطار مشترك يتيح لها التنسيق السياسي وتبادل الرسائل، بينما تستمر كل منها في إدارة عملياتها وفق أولوياتها المحلية. وقد يظل هذا الشكل قادراً على إرباك الحكومة وإطالة أمد الصراع، لكنه لن يكون مكافئاً من الناحية العسكرية لوجود قيادة موحدة تستطيع تنسيق العمليات على مستوى الدولة.
ويتمثل المسار الثالث في تراجع التنسيق أو تفكك التحالف نتيجة تصاعد الخلافات السياسية والإقليمية، أو تغير حسابات بعض المكونات، أو نجاح الحكومة في احتواء عدد من الجبهات بصورة متتابعة. وقد يحدث ذلك إذا أصبحت تكلفة التعاون أعلى من المكاسب التي تحققها الحركات، أو إذا ظهرت خلافات بشأن ترتيبات المرحلة الانتقالية ومستقبل الحكم وتقاسم السلطة.
ولا تمثل هذه المسارات أحكاماً نهائية على مصير التحالف، وإنما أدوات لتحليل التطورات المقبلة. ويمكن التمييز بينها من خلال متابعة مؤشرات واضحة، تشمل مستوى التنسيق الميداني، واستمرار العمليات عبر الأقاليم، وقدرة الحركات على الحفاظ على مواردها، وطبيعة المواقف السياسية داخل التحالف، ومدى استجابة الحكومة للضغوط العسكرية والسياسية.
كما ينبغي متابعة ما إذا كانت الحكومة ستواصل الاعتماد على العمليات العسكرية لاحتواء التمردات، أم ستتجه إلى ترتيبات سياسية وأمنية تتيح تسوية بعض النزاعات المحلية. فمستقبل الصراع لا يتحدد فقط بما تستطيع المعارضة تحقيقه، وإنما كذلك بالخيارات التي تتبناها الحكومة وقدرتها على معالجة الأسباب السياسية التي تغذي المواجهات.
خاتمة
هل تغيرت قواعد الحرب الإثيوبية؟
ونستنتج مما سبق أن التحالف الإثيوبي الجديد يمثل تطوراً سياسياً وأمنياً مهماً، لأنه يجمع حركات متباينة في إطار مشترك لمواجهة حكومة آبي أحمد، ويثير احتمال انتقال الصراع من مجموعة مواجهات محلية متفرقة إلى نمط أكثر ترابطاً من الضغوط العسكرية والسياسية. لكن الإعلان عن التحالف، مهما كانت دلالته السياسية، لا يكفي وحده لإثبات امتلاكه قيادة عسكرية موحدة أو قدرة عملياتية مشتركة تتيح له إدارة حرب مركزية على مستوى الدولة.
فالقيمة العسكرية للتحالف تتوقف على قدرته على تجاوز ثلاث فجوات رئيسية: الفجوة بين الاتفاق السياسي والتنسيق العملياتي، والفجوة بين تحقيق المكاسب الميدانية والقدرة على الاحتفاظ بها، والفجوة بين وحدة الخصومة والاتفاق على مستقبل الدولة. وإذا استطاعت الحركات تقليص هذه الفجوات، فقد يصبح التحالف عاملاً مؤثراً في توزيع القوات الحكومية وإطالة أمد الصراع ورفع تكلفته. أما إذا ظلت كل حركة تعمل وفق حساباتها المنفردة، فقد يبقى تأثير التحالف سياسياً بالدرجة الأولى، مع احتفاظ بعض مكوناته بقدرات عسكرية مستقلة.
وفي تقديري أن الأشهر المقبلة ستكون مهمة لاختبار طبيعة هذا التحالف، لكن الحكم على نتائجه ينبغي أن يستند إلى تطور الوقائع لا إلى التوقعات وحدها. فاستمرار العمليات في عدة أقاليم، وظهور أدلة على التنسيق المتبادل، والقدرة على الصمود أمام العمليات الحكومية، ستكون مؤشرات ذات دلالة. وفي المقابل، فإن تراجع المشاركة المشتركة، أو اتساع الخلافات الداخلية، أو نجاح الحكومة في احتواء الجبهات بصورة متتابعة، ستدفع إلى إعادة تقدير حجم التهديد الذي يمثله التحالف.
كما أن تدهور العلاقات الإثيوبية الإريترية يضيف بُعداً إقليمياً إلى الأزمة، لكنه لا يجعل تحولها إلى حرب إقليمية واسعة أمراً حتمياً. فمسار التصعيد سيظل مرتبطاً بقرارات الأطراف المعنية، ومدى قدرتها على احتواء الخلافات، وطبيعة أي دعم خارجي يثبت وجوده، وفاعلية الجهود الدبلوماسية الرامية إلى منع اتساع المواجهات.
وهكذا، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان التحالف قوياً أو ضعيفاً بصورة مطلقة، وإنما ما إذا كان قادراً على تحويل وحدة الخصومة إلى قدرة مستدامة على التنسيق والتأثير. فبين التحالف السياسي والجبهة العسكرية المترابطة مسافة لا تُقاس بعدد البيانات أو الحركات المشاركة، بل بمدى القدرة على اتخاذ قرارات مشتركة، والحفاظ على الموارد، وتنسيق الجهود، والتعامل مع الخلافات الداخلية.
وإذا نجح التحالف في بناء هذه القدرة، فقد تتغير طبيعة الحرب الإثيوبية من حيث اتساع الجبهات وتكلفة إدارتها. أما إذا تعثرت هذه العملية، فسيظل التحالف إطاراً سياسياً يجمع خصوماً متعددين، من دون أن يعني ذلك بالضرورة زوال قدرتهم المنفردة على مواصلة القتال. وبين هذين المسارين تتحدد أهمية التحالف الجديد، ليس بوصفه إعلاناً عن تغيير ميزان القوة فحسب، بل بوصفه اختباراً لقدرة المعارضة الإثيوبية على بناء تعاون يتجاوز المصالح المؤقتة ويترك أثراً قابلاً للقياس في مسار الصراع.




