الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

عودة القتال إلى تيغراي

هل تتجه أزمة إثيوبيا نحو إعادة تشكيل أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر؟

 

بقلم: نور نبيه جميل 

باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

أعادت التطورات العسكرية التي شهدتها منطقة تيغراي وشمال إثيوبيا خلال الأيام الأخيرة من أيلول 2026 ملف القرن الأفريقي إلى واجهة الاهتمام الاستراتيجي بعد فترة بدت فيها ترتيبات وقف الأعمال العدائية التي أنهت الحرب الإثيوبية–التيغراية في عام 2022 قادرة على احتواء الصراع ولو بصورة هشة. وقد بدأت مؤشرات التصعيد بصورة واضحة منذ 23 أيلول عندما اندلعت مواجهات واسعة بين القوات الحكومية الإثيوبية والقوات المرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي وحلفائها بالتزامن مع السيطرة على مطارات رئيسة في تيغراي وتعليق الرحلات الجوية إليها ثم امتدت العمليات إلى إقليمي أمهرة وعفار، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من احتمال تحول التصعيد إلى صراع أوسع وأكثر تدميراً. ولم يكن التطور مجرد عودة إلى خطوط الحرب السابقة لأن البيئة الاستراتيجية المحيطة بإثيوبيا تغيرت بصورة ملحوظة منذ عام 2022، فقد أصبحت العلاقات الإثيوبية–الإريترية أكثر توتراً بسبب الخلاف حول الوجود العسكري والحدود والوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر، بينما يواصل السودان حربه الداخلية، وتبقى العلاقات الإثيوبية–المصرية متأثرة بملف مياه النيل وسد النهضة، في حين تزداد أهمية البحر الأحمر وموانئه ضمن التنافس الدولي والإقليمي على طرق التجارة والنفوذ البحري.

وتكتسب التطورات الجديدة أهميتها من كون إثيوبيا ليست دولة هامشية في الحسابات الإقليمية، فهي ثاني أكبر دول أفريقيا من حيث السكان وتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة وفق التقديرات المستخدمة في الأدبيات الاستراتيجية الحديثة، كما أنها تمتلك واحداً من أكبر الاقتصادات في شرق أفريقيا وتحقق معدلات نمو مرتفعة نسبياً، إذ يتوقع بنك التنمية الأفريقي نمواً يقترب من 7.8% في السنة المالية 2025/2026 و8.5% في 2026/2027 في حال استمرار الإصلاحات وتحسن البيئة الأمنية. ولذلك فإن عودة الصراع لا تعني مجرد أزمة إنسانية جديدة في إقليم محدود بل يمكن أن تضرب عملية إعادة بناء الدولة الإثيوبية وتؤثر في التجارة الإقليمية وتدفقات الاستثمار وأمن الحدود والبحر الأحمر، ولا سيما أن إثيوبيا تعتمد بصورة شديدة على موانئ جيبوتي التي تمر عبرها النسبة الأكبر من تجارتها الخارجية، وهو اعتماد تقدر بعض الدراسات أنه يصل إلى نحو 95% من حركة الواردات والصادرات، الأمر الذي يجعل مسألة الوصول إلى البحر جزءاً من الأمن الاقتصادي والقومي الإثيوبي في آن واحد.

وتنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن الخطر الأساسي لا يتمثل في احتمال عودة الحرب داخل تيغراي وحدها، وإنما في إمكانية تزامن ثلاثة مسارات في وقت واحد، أولها انهيار ترتيبات السلام الإثيوبية الداخلية، وثانيها انتقال التنافس الإثيوبي–الإريتري من الضغط غير المباشر إلى المواجهة المباشرة أو الحرب بالوكالة، وثالثها اتصال هذا الصراع بالتنافس الأوسع على السودان والبحر الأحمر وممرات التجارة والنفوذ الإقليمي. ومن ثم فإن السؤال المركزي لا يصبح: هل عادت الحرب إلى تيغراي؟ وإنما: هل تتحول أزمة تيغراي من صراع داخلي إثيوبي إلى عقدة أمنية إقليمية تعيد تشكيل موازين القوة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر؟ وسيتم تفصيل ما سبق على النحو الاتي:-

 

اولاً: عودة القتال وانهيار التوازن الهش بعد اتفاق بريتوريا

تمثل التطورات التي بدأت في النصف الثاني من أيلول مؤشراً على انتقال الصراع من حالة التوتر السياسي والعسكري إلى مستوى جديد من العمليات المسلحة. ففي 23 أيلول سيطرت قوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي على مطارات في مكلي وشيري وأكسوم وفق تقارير وكالات الأنباء الدولية، الأمر الذي دفع الخطوط الجوية الإثيوبية إلى تعليق الرحلات إلى ثلاثة مطارات في الإقليم، بينما امتدت المواجهات إلى منطقة عفار المجاورة وأجزاء من أمهرة. وفي 25 أيلول وصفت وكالة أسوشيتد برس الوضع بأنه يهدد بانهيار اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب السابقة، مشيرة إلى أن التحالف الجديد الذي ضم قوات تيغراية إلى جماعات مسلحة كانت في السابق على خلاف معها يمكن أن يفرض على الحكومة الفيدرالية مواجهة عدة جبهات في وقت واحد.

وتكمن خطورة هذا التحول في أن الصراع لم يعد ثنائياً بالمعنى التقليدي بين الحكومة المركزية وجبهة تيغراي، إذ دخلت إلى المشهد تشكيلات مسلحة أخرى بينها جماعات أمهرة وقوى مرتبطة بالصراع في أوروميا. وعلى الرغم من أن وجود تحالف سياسي أو عسكري بين هذه الأطراف لا يعني بالضرورة امتلاكها قدرة عملياتية موحدة فإن مجرد تقاطع أهدافها في مواجهة حكومة آبي أحمد يرفع تكلفة استخدام القوة الحكومية ويجعل استعادة السيطرة الكاملة أكثر تعقيداً. وقد أشار محللو مجموعة الأزمات الدولية إلى أن هذا التحالف يجمع قوى تختلف في تاريخها ومصالحها وأهدافها ولذلك فإن قدرته على العمل العسكري المشترك لا تزال موضع شك، إلا أن وجوده يظل مهماً لأنه يوسع نطاق الضغط على الدولة الإثيوبية.

وتشير التطورات الميدانية بين 25 و29 أيلول إلى أن القوات الحكومية استطاعت استعادة بعض المبادرة العسكرية. فقد أعلنت القوات الموالية للحكومة في 28 أيلول استعادة مدينة ألاماتا ذات الموقع الاستراتيجي في جنوب تيغراي والتي تقع على محور يربط المنطقة بولاية أمهرة، بينما أفادت تقارير أخرى بتقدم القوات الفيدرالية في عدد من المناطق الجنوبية والغربية. وتكتسب ألاماتا أهميتها من موقعها على طرق الإمداد والحركة وليس فقط من حجمها السكاني، ولذلك فإن السيطرة عليها تمنح الحكومة قدرة أكبر على الضغط باتجاه مكلي وتقييد الحركة بين تيغراي وأمهرة لكن التفوق العسكري الحكومي لا يعني أن الصراع أصبح قريباً من الحسم. فالقوات الحكومية تمتلك تفوقاً واضحاً في الطائرات المسيّرة والقدرات الجوية والموارد العسكرية مقارنة بالقوات المحلية، إلا أن تجربة الحرب السابقة أثبتت أن التفوق في القوة النارية لا يضمن إنهاء تمرد يمتلك قاعدة اجتماعية وجغرافية واسعة. كما أن التضاريس الجبلية في تيغراي والمناطق الحدودية تجعل السيطرة على الأرض أكثر تكلفة من مجرد تحقيق تقدم ميداني مؤقت.

 

 

وهنا تظهر أولى النتائج الاستراتيجية: المشكلة الإثيوبية لم تعد مشكلة تفوق عسكري للحكومة أو قدرة المعارضة على السيطرة على مكلي فقط، وإنما مشكلة قدرة الدولة على تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي قابل للاستمرار. فإذا تمكنت الحكومة من تحقيق مكاسب ميدانية دون معالجة قضايا الأراضي المتنازع عليها والنازحين والعلاقة مع الإدارة الإقليمية في تيغراي فإن الصراع يمكن أن ينتقل من حرب واسعة إلى تمرد ممتد، وهو سيناريو أقل حدة من الحرب الشاملة لكنه أكثر استنزافاً للدولة والاقتصاد. ولا يمكن تجاهل الكلفة الإنسانية لهذا المسار. فقد قدرت دراسات سابقة أن حرب 2020–2022 خلفت ما يقارب 500 ألف إلى 600 ألف وفاة بصورة مباشرة وغير مباشرة، فيما بقي نحو مليون شخص أو أكثر من سكان تيغراي في أوضاع نزوح أو عدم استقرار حتى عام 2026 وفق تقديرات مختلفة. كما أعلنت الأمم المتحدة في 30 أيلول أن التصعيد الجديد أدى إلى ظهور موجات نزوح جديدة وأعاد تعريض النازحين السابقين للخطر، في وقت تضررت فيه قدرة المنظمات الإنسانية على العمل بسبب انقطاع الاتصالات وتعليق الرحلات وإغلاق الطرق.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 700 ألف شخص في المناطق المتأثرة يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، وأن العمليات الإنسانية أصبحت مقيدة بصورة متزايدة، كما أعلنت المنظمة أن عشر مركبات إنسانية على الأقل تعرضت للاستيلاء بين عامي 2025 و2026 ولم تستعد منها سوى مركبتين حتى 30 أيلول. وتظهر هذه الأرقام أن الأزمة لا تعني ارتفاع الخسائر العسكرية فقط، بل يمكن أن تتحول سريعاً إلى أزمة في الغذاء والصحة والنزوح إذا استمر تعطيل الطرق والاتصالات.

 

ثانياً: من أزمة تيغراي إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية للقرن الأفريقي والبحر الأحمر

إذا كان المحور الأول يفسر عودة القتال فإن المحور الثاني يفسر لماذا يمكن أن تكون هذه العودة أخطر من الحرب السابقة بالنسبة إلى الأمن الإقليمي. فإثيوبيا اليوم لا تنظر إلى تيغراي بمعزل عن علاقتها بإريتريا أو السودان أو مصر أو مسألة الوصول إلى البحر الأحمر. وبالمقابل فإن هذه الدول لا تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها طرفاً داخلياً فقط، وإنما كقوة إقليمية صاعدة تمتلك طموحات سياسية واقتصادية وأمنية يمكن أن تعيد توزيع النفوذ في المنطقة. فالعلاقة الإثيوبية–الإريترية تمثل الحلقة الأكثر حساسية في هذا المشهد. فقد قاتلت إريتريا إلى جانب الحكومة الإثيوبية خلال الحرب السابقة ضد جبهة تيغراي، لكن العلاقات بين أديس أبابا وأسمرا تدهورت لاحقاً بسبب الخلافات حول الحدود والدور الإريتري داخل تيغراي وطموحات إثيوبيا للحصول على منفذ بحري. وقد حذرت تشاتام هاوس قبل التصعيد الحالي من أن مسألة الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر أصبحت أحد أهم محددات العلاقة بين البلدين، وأن إثيوبيا تنظر إلى تنويع منافذها البحرية باعتباره مصلحة اقتصادية واستراتيجية طويلة المدى.

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما ننظر إليها من منظور اقتصادي. فإثيوبيا تعتمد بصورة كبيرة على جيبوتي في تجارتها الخارجية، وتقدر بعض المصادر أن نحو 95% من وارداتها وصادراتها تمر عبر الموانئ الجيبوتية. وقد أشارت تشاتام هاوس إلى أن الاعتماد على جيبوتي يفرض على إثيوبيا أعباء مالية كبيرة، مع اختلاف التقديرات بين تكلفة الموانئ المباشرة التي تقدر بمئات ملايين الدولارات سنوياً والتكاليف الأوسع المرتبطة بالنقل والخدمات اللوجستية التي قد تصل إلى أكثر من مليار دولار. ومن ثم فإن الوصول إلى موانئ إريتريا مثل عصب أو مصوع لا يمثل بالنسبة لإثيوبيا مجرد مكسب رمزي أو مسألة سيادة تاريخية، بل يمكن أن يخفض تكاليف التجارة ويقلل اعتمادها على منفذ واحد ويمنحها مجالاً أوسع للمناورة الاقتصادية.

وهنا تظهر علاقة مباشرة بين الاقتصاد والأمن. فالدولة التي تعتمد على ممر خارجي واحد لنقل الجزء الأكبر من تجارتها تصبح أكثر تعرضاً للصدمات السياسية والعسكرية في ذلك الممر. ولذلك فإن إثيوبيا تنظر إلى الوصول إلى البحر الأحمر باعتباره جزءاً من أمنها القومي، في حين ترى إريتريا أن منح إثيوبيا امتيازات واسعة في موانئها قد يتحول إلى تهديد لسيادتها إذا لم يكن قائماً على اتفاق واضح ومحدود. هذه المعضلة تجعل أي تصعيد في تيغراي قابلاً للارتباط بمسألة البحر الأحمر حتى لو لم تكن العمليات العسكرية نفسها تستهدف الموانئ.

أما السودان فيمثل الحلقة الثانية في سلسلة التداخل الإقليمي. فإثيوبيا تشترك معه في حدود طويلة ومناطق نزاع ومصالح اقتصادية وأمنية، في وقت يخوض فيه السودان حرباً داخلية مستمرة منذ 2023. وقد أظهرت التحليلات الصادرة عن تشاتام هاوس ومراكز متخصصة أن الصراع السوداني أصبح جزءاً من شبكة علاقات إقليمية تشمل إثيوبيا وإريتريا ومصر ودول الخليج، وأن تحركات الجماعات المسلحة عبر الحدود يمكن أن تزيد من احتمال انتقال الصراع من دولة إلى أخرى. وتزداد خطورة هذا الترابط لأن الاتهامات الإثيوبية خلال 28 و29 أيلول شملت إريتريا والسودان ومصر واتهمتها بدعم قوى معارضة مسلحة، في حين رفضت هذه الدول الاتهامات. ولذلك فإن هذه المزاعم يجب التعامل معها تحليلياً بوصفها مؤشراً على تصور الحكومة الإثيوبية للتهديد وليس دليلاً مستقلاً على تورط هذه الدول. وهذه نقطة منهجية مهمة لأن تحويل الاتهام السياسي إلى حقيقة مثبتة سيقود إلى استنتاج خاطئ حول طبيعة الصراع.

أما مصر فتدخل في المعادلة من زاوية مختلفة، إذ يجمعها بإثيوبيا تنافس استراتيجي طويل حول مياه النيل وسد النهضة. وقد زادت أهمية هذا العامل بعد افتتاح السد في 2026، بينما ترى القاهرة أن الأمن المائي يمثل مصلحة استراتيجية مباشرة. ولذلك فإن استمرار الأزمة الإثيوبية قد يزيد مساحة عدم الثقة بين الطرفين حتى إذا لم تتحول مصر إلى طرف مباشر في الصراع الإثيوبي.

وفي الوقت نفسه لا ينبغي تجاهل البعد الخليجي. فقد أصبحت منطقة البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة ساحة تنافس على الموانئ والممرات التجارية والاستثمارات والبنية التحتية، مع وجود أدوار متفاوتة للإمارات والسعودية وتركيا وقطر، فضلاً عن الولايات المتحدة والصين و”إسرائيل”.

كما أن جيبوتي تستضيف قواعد عسكرية لدول كبرى من بينها الولايات المتحدة والصين وفرنسا واليابان وإيطاليا، الأمر الذي يجعل أي اضطراب واسع في القرن الأفريقي ذا آثار تتجاوز الدول المحلية.

ومن الناحية الاقتصادية فإن اضطراب إثيوبيا لا يعني بالضرورة تعطيل البحر الأحمر مباشرة، لكنه يمكن أن يؤثر في أحد أهم الممرات البرية المؤدية إلى الموانئ، كما يمكن أن يزيد المخاطر على الاستثمارات وسلاسل النقل والتجارة في شرق أفريقيا. ويكتسب ذلك أهمية أكبر لأن البنك الدولي يتوقع نمو اقتصاد جيبوتي بنحو 5.9% في 2026 بعد 6.5% في 2025، مع الإشارة إلى أن التوترات الإقليمية واضطرابات البحر الأحمر وارتفاع تكاليف النقل والطاقة تمثل مخاطر مباشرة على اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الموانئ والخدمات اللوجستية.

ومن هنا يمكن استخلاص تقدير استراتيجي مهم: الخطر الحقيقي لا يتمثل في أن تنتقل الحرب الإثيوبية إلى البحر الأحمر بصورة مباشرة، وإنما في أن يؤدي تداخل الصراعات إلى إعادة توزيع مواقع النفوذ حول البحر الأحمر. فإذا أصبحت إثيوبيا أكثر اعتماداً على البحث عن منفذ بحري بديل، وأصبحت إريتريا أكثر تشدداً في حماية موانئها، واستمر السودان في حالة الحرب، وظلت مصر تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها تحدياً لأمنها المائي فإن المنطقة قد تدخل في مرحلة تتنافس فيها الدول على النفوذ والموانئ والطرق التجارية بصورة أكثر حدة.

 

ثالثاً: السيناريوهات المستقبلية وتقدير اتجاه الأزمة

لا تسمح المعطيات المتوافرة حتى 30 أيلول بالقول إن الحرب الإقليمية أصبحت أمراً واقعاً، كما لا تسمح بالقول إن التصعيد سيقى محصوراً في تيغراي. ولذلك فإن السيناريوهات الآتية ينبغي فهمها بوصفها مسارات محتملة تستند إلى اتجاهات قائمة وليست تنبؤات مؤكدة.

 

السيناريو الأول: احتواء الصراع والعودة إلى التفاوض

يقوم هذا السيناريو على نجاح الحكومة الإثيوبية والقوى الإقليمية والدولية في منع تحول العمليات العسكرية إلى حرب مفتوحة طويلة الأمد، مع إعادة تفعيل إطار اتفاق بريتوريا والعودة إلى التفاوض حول القضايا التي بقيت دون حل، وفي مقدمتها وضع الأراضي المتنازع عليها وعودة النازحين والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والإدارة الإقليمية في تيغراي وترتيبات الأمن الحدودي. ويحتاج هذا السيناريو إلى تدخل أفريقي واضح، ولا سيما من الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية، إلى جانب ضغوط أمريكية وأوروبية ودولية. وتتمثل ميزته في أن جميع الأطراف تقريباً لديها مصلحة في تجنب حرب شاملة، لأن الحكومة الإثيوبية ستواجه تكلفة مالية وعسكرية مرتفعة، بينما لا تملك المعارضة ضمانة لتحقيق نصر حاسم، كما أن إريتريا لا تستطيع بسهولة تحمل حرب طويلة مع دولة يفوق سكانها سكانها بعشرات المرات. ويظل هذا السيناريو ممكناً لكنه يتطلب تغييراً في الحسابات السياسية وليس مجرد إعلان وقف إطلاق النار؛ لأن جذور الأزمة تتعلق بالأمن والحدود والسلطة والوصول إلى البحر الأحمر وليست خلافاً عسكرياً عابراً.

 

السيناريو الثاني: حرب داخلية ممتدة ومتعددة الجبهات

يتمثل هذا السيناريو في فشل التفاوض مع استمرار تقدم القوات الحكومية في بعض المناطق مقابل احتفاظ قوات تيغراي وحلفائها بقدرة على شن عمليات متفرقة، بالتزامن مع استمرار نشاط جماعات مسلحة في أمهرة وأوروميا وعفار. وهذا السيناريو ربما يكون أكثر خطورة على الدولة الإثيوبية من حرب قصيرة لأن استمراره لسنوات يعني استنزاف الموارد الحكومية وإضعاف الاستثمار وتوسيع النزوح وزيادة الحاجة إلى الإنفاق العسكري. كما أن الاقتصاد الإثيوبي، على الرغم من معدلات نموه المرتفعة قبل التصعيد، ما زال يواجه قيوداً مرتبطة بالدين والعملات الأجنبية والإصلاح المالي، وبالتالي فإن حرباً طويلة يمكن أن تعرقل المكاسب الاقتصادية التي تراهن عليها الحكومة.

كما تزداد خطورة هذا السيناريو إذا استمرت الاتصالات بين الجماعات المسلحة المختلفة رغم التناقضات بينها، لأن تعدد الجبهات سيجبر الحكومة على توزيع قواتها ومواردها بدلاً من تركيزها في تيغراي.

 

السيناريو الثالث: تحول الأزمة إلى مواجهة إقليمية

يمثل هذا السيناريو أخطر المسارات، لكنه ليس السيناريو الذي ينبغي افتراض وقوعه لمجرد وجود مؤشرات عليه. ويبدأ هذا المسار إذا تحولت الاتهامات المتبادلة بين إثيوبيا وإريتريا إلى دعم عسكري مباشر أو إذا تعرضت الحدود لهجمات واسعة، ثم تدخل السودان أو مصر بصورة أكبر، أو استخدمت الأطراف أراضي الدول المجاورة كقواعد دعم للجماعات المسلحة.

وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن القرن الأفريقي يمتلك بالفعل عدة أزمات متزامنة، وبالتالي فإن اندلاع حرب إثيوبية–إريترية جديدة يمكن أن يتفاعل مع الحرب السودانية ويخلق بيئة أمنية مترابطة تمتد من إثيوبيا إلى السودان والبحر الأحمر.وفي هذه الحالة لن تكون المسألة مجرد «حرب تيغراي» بل يمكن أن تتحول إلى أزمة أمن إقليمي متعددة الساحات تتداخل فيها الحرب البرية والموانئ والحدود والطائرات المسيّرة والتجارة والمساعدات الإنسانية.

 

السيناريو الرابع: إعادة تشكيل التوازن عبر تسوية حول الوصول إلى البحر الأحمر

وهذا السيناريو أقل تداولاً لكنه يستحق الدراسة لأنه يعالج أحد الجذور البنيوية للأزمة. ويتمثل في التوصل إلى صيغة تسمح لإثيوبيا باستخدام أحد الموانئ الإريترية أو غيرها بموجب اتفاق طويل الأمد يضمن السيادة الإريترية ويمنح إثيوبيا منفذاً تجارياً مستقراً.

مثل هذه التسوية لن تحل جميع الخلافات بين البلدين، لكنها يمكن أن تخفف أحد أهم مصادر التوتر الاستراتيجي. وقد طرحت تحليلات تشاتام هاوس بالفعل فكرة الترتيبات التعاقدية أو التأجيرية للوصول إلى البحر بوصفها بديلاً عن الصراع. غير أن تحقيق هذا السيناريو يتطلب ضمانات دولية وإقليمية لأن المشكلة ليست اقتصادية فقط، بل ترتبط بالسيادة والأمن والهوية والذاكرة التاريخية. كما أن نجاحه سيعيد تشكيل معادلة القوة في البحر الأحمر لأن إثيوبيا ستنتقل من دولة حبيسة تعتمد بصورة أساسية على جيبوتي إلى دولة تمتلك منافذ تجارية متعددة.

واستناداً إلى المعطيات المتوافرة حتى 30 أيلول 2026 يمكن القول إن الأزمة الإثيوبية دخلت مرحلة تختلف نوعياً عن حالة الجمود التي سبقت التصعيد الأخير. فالقتال امتد إلى أكثر من إقليم، وتعطلت الاتصالات والنقل، وتعرضت العمليات الإنسانية للقيود، واستعادت القوات الحكومية بعض المدن الاستراتيجية، بينما احتفظت القوى المعارضة بقدرة على المناورة والتحرك عبر أكثر من جبهة. لكن المؤشر الأهم ليس عدد المدن التي سيطر عليها كل طرف، بل اتساع دائرة التهديد. فإذا بقي الصراع داخل حدود تيغراي وأمهرة وعفار فإن قدرة الدولة الإثيوبية على احتوائه تظل أكبر، أما إذا انتقل التوتر إلى العلاقة المباشرة مع إريتريا أو اتصل بصورة أكثر وضوحاً بالحرب السودانية والتنافس المصري–الإثيوبي فإن طبيعة الأزمة ستتغير من صراع داخلي إلى أزمة أمن إقليمي.

وعليه فإن أهم مؤشرات الإنذار المبكر خلال الأسابيع المقبلة تتمثل في أربعة تطورات ينبغي مراقبتها بصورة خاصة: أولاً، أي تحرك عسكري إثيوبي أو إريتري واسع قرب الحدود المشتركة، وثانياً، ظهور أدلة موثوقة على نقل أسلحة أو قوات من دولة إلى جماعات المعارضة، وثالثاً، اتساع الهجمات بالطائرات المسيّرة إلى مراكز استراتيجية خارج مناطق القتال التقليدية، ورابعاً، استمرار تعطيل الموانئ والطرق أو استخدام قضية الوصول إلى البحر الأحمر كأداة ضغط عسكري. أما المؤشر الاقتصادي فيتمثل في قدرة إثيوبيا على الحفاظ على تدفق تجارتها عبر جيبوتي. فإذا استمرت التجارة بصورة مستقرة فإن الأزمة ستبقى في الأساس أمنية وسياسية، أما إذا تعطلت طرق النقل أو ارتفعت تكاليف التأمين والشحن بصورة كبيرة فإن آثارها ستنتقل إلى الاقتصاد الإثيوبي ودول الجوار وستصبح مسألة الموانئ جزءاً مركزياً من إدارة الأزمة.

 

خاتمة

تكشف عودة القتال إلى تيغراي في أيلول 2026 عن أزمة تتجاوز حدود الإقليم الذي يحمل اسمها، لأن الصراع الجديد يقع في بيئة استراتيجية مختلفة عن تلك التي أنتجت حرب 2020–2022. فقد أصبح السودان غارقاً في حربه الخاصة، وأصبحت مسألة الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر أكثر حضوراً في حسابات أديس أبابا، وتراجعت العلاقات الإثيوبية–الإريترية إلى مستويات عالية من التوتر، بينما ما زال الخلاف الإثيوبي–المصري حول مياه النيل يمثل أحد عناصر البيئة الأمنية المحيطة.

ولهذا فإن تفسير التصعيد بوصفه مجرد محاولة من جبهة تحرير شعب تيغراي لاستعادة نفوذها أو محاولة من الحكومة الإثيوبية لاستعادة السيطرة على الإقليم سيكون تفسيراً ناقصاً؛ لأن الصراع يرتبط بصورة متزايدة بمشكلة أعمق تتعلق بمستقبل الدولة الإثيوبية وموقعها في القرن الأفريقي وقدرتها على الوصول إلى البحر وموقعها في التنافس الإقليمي على الموانئ والطرق التجارية.

وتشير القراءة البنيوية إلى أن الخطر الأكبر لا يتمثل في انتصار طرف على آخر خلال فترة قصيرة، وإنما في تحول إثيوبيا إلى مركز تتقاطع حوله عدة أزمات إقليمية في الوقت نفسه. فإذا تمكنت القوى المحلية والإقليمية من احتواء التصعيد وإعادة تفعيل المسار السياسي فإن الأزمة يمكن أن تتحول إلى فرصة لإعادة بناء ترتيبات أمنية أكثر استقراراً في القرن الأفريقي، أما إذا استمرت الحرب الداخلية وترافقت مع تصعيد إثيوبي–إريتري وتداخل أكبر مع السودان ومصر فإن المنطقة ستواجه احتمال تشكل واحدة من أكثر البيئات الأمنية تعقيداً في شرق أفريقيا خلال السنوات الأخيرة.

وبذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يحظى باهتمام مراكز الأبحاث العربية ليس فقط: من سيسيطر على تيغراي؟ وإنما: هل تستطيع دول القرن الأفريقي احتواء صراعاتها داخل حدودها السياسية، أم أن تداخل الأمن والموانئ والمياه والحدود والتحالفات سيحولها إلى منظومة صراعات مترابطة تمتد آثارها إلى البحر الأحمر والعالم العربي؟ وتبدو الإجابة عن هذا السؤال أكثر أهمية من نتيجة أي معركة منفردة، لأنها ستحدد ليس فقط مستقبل إثيوبيا، وإنما طبيعة توزيع القوة والنفوذ في أحد أهم الأقاليم المتصلة مباشرة بالأمن العربي.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى