الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف

التفاهم الإيراني – العُماني حول مضيق هرمز

إدارة المرور أم إعادة توزيع النفوذ في الممرات الاستراتيجية؟

بقلم: نور نبيه جميل

باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

لم يعد مضيق هرمز في صيف آب 2026 مجرد نقطة اختناق جغرافية تتحكم من خلالها الجمهورية الإسلامية الإيرانية بجزء حساس من حركة الطاقة العالمية، انما تحول بفعل التطورات الأمنية والعسكرية والتفاوضية في المنطقة إلى ساحة تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع أمن الطاقة وحرية الملاحة والعقوبات الاقتصادية وحسابات الردع الأمريكي ومصالح القوى الآسيوية الكبرى. لذلك لم يعد السؤال مرتبطاً فقط بإمكانية فتح المضيق أو إغلاقه، وإنما بمن يمتلك القدرة على تحديد قواعد المرور داخله وتحويل الموقع الجغرافي أو القوة العسكرية أو النفوذ الاقتصادي إلى أدوات فعلية لتنظيم حركة التجارة الدولية وفي هذا السياق، يكتسب التفاهم الإيراني–العُماني  الأخير بشأن مسار الملاحة في مضيق هرمز أهمية تتجاوز طابعه الثنائي، لأنه يمثل محاولة لإيجاد صيغة توازن بين حقيقة جغرافية تتمثل في الدور الإيراني المؤثر داخل المضيق وحقيقة استراتيجية تتمثل في ارتباط أمن الملاحة الدولية بمنظومة أوسع من القدرات الأمريكية والترتيبات الاقتصادية والقانونية العالمية ومن ثم، فإن أهمية التفاهم لا تكمن فقط في احتمال إعادة تنظيم حركة السفن، وإنما في كونه يعكس انتقالاً محتملاً من استخدام الجغرافيا كأداة لتعطيل المرور إلى توظيفها كأداة للمشاركة في تحديد شروطه وتزداد دلالة هذا التطور بالنظر إلى المكانة الاقتصادية للمضيق، الذي يمثل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية إذ إن أي اضطراب في أمنه ينعكس سريعاً على أسعار النفط والغاز وتكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية. غير أن نجاح أي ترتيبات جديدة لا يرتبط بالقرار السياسي وحده، ففتح الممر أمنياً لا يعني بالضرورة عودة النشاط التجاري بصورة طبيعية، ما لم تصبح قواعد المرور والتأمين والمدفوعات والعقوبات قابلة للتنبؤ بالنسبة إلى شركات الشحن والأسواق الدولية وفي هذه المعادلة، تبرز سلطنة عُمان بوصفها فاعلاً يتجاوز دور الوسيط التقليدي، مستفيدة من موقعها الجغرافي وصلاتها المتوازنة مع طهران وواشنطن وقدرتها على إدارة قنوات الاتصال بين الأطراف المتنافسة، بما يمنحها إمكانية الإسهام في بناء ترتيبات أكثر استقراراً للملاحة لذلك فإن التفاهم الإيراني–العُماني لا يمثل مجرد معالجة مؤقتة لأزمة بحرية، بل يكشف عن إعادة نقاش أوسع حول طبيعة القوة في النظام الدولي، اذ لم تعد السيطرة على الممرات الاستراتيجية تقوم فقط على امتلاك القدرة على تعطيلها، وإنما على القدرة على التأثير في قواعد تشغيلها وضمان استمراريتها.

 

المحور الأول:

التفاهم الإيراني–العُماني وإعادة تعريف معادلة القوة في مضيق هرمز

في 5 آب 2026 أعلنت الجمهورية الإسلامية في إيران توصلها مع سلطنة عُمان إلى تفاهم بشأن الإحداثيات الجغرافية لمسار ملاحي مقترح عبر مضيق هرمز في إطار محاولة إعادة تنظيم حركة الملاحة بعد الاضطرابات التي شهدها المضيق ولا يمثل هذا التطور اتفاقاً نهائياً شاملاً لإدارة هرمز ولكنه يعد جزء من  ترتيبات أولية تتعلق بمسارات العبور، في حين تبقى قضايا أمن الملاحة والرسوم والعقوبات وضمانات المرور مرتبطة بتسويات أوسع وتنبع أهمية هذا التفاهم من كونه يطرح سؤالاً يتجاوز الجانب الفني للملاحة إلى طبيعة القوة ذاتها: من يمتلك القدرة على التأثير في قواعد المرور داخل أحد أهم الممرات الاستراتيجية في النظام الدولي؟

اذ لا يمكن فهم التفاهم الإيراني–العُماني باعتباره مجرد إجراء تقني لتنظيم حركة السفن لأن جوهره يرتبط بإعادة تعريف العلاقة بين الجغرافيا والسيادة والأمن والتجارة فالجمهورية الإسلامية الايرانية تمتلك ميزة جغرافية لا يمكن لأي قوة خارجية إلغاؤها بحكم موقعها على الضفة الشمالية للمضيق لكنها لا تمتلك في المقابل سلطة مطلقة على الملاحة الدولية التي تحكمها قواعد قانونية وترتيبات أمنية ومصالح اقتصادية متعددة. ومن هنا تكمن أهمية التحول المحتمل من معادلة تقوم على القدرة على تعطيل المرور إلى معادلة أكثر تعقيداً تقوم على القدرة على التأثير في شروط المرور وتنظيمه وتتمثل المفارقة الاستراتيجية في أن استخدام القوة الجغرافية بصورة مفرطة قد يؤدي إلى إضعاف قيمتها على المدى الطويل؛ فتهديد الملاحة أو إغلاق المضيق يمنح الجمهورية الإسلامية الايرانية ورقة ضغط، لكنه يدفع في الوقت نفسه القوى المتضررة إلى البحث عن بدائل عبر تطوير خطوط أنابيب جديدة، وزيادة المخزونات الاستراتيجية، وتنويع مصادر الطاقة ومسارات النقل ولذلك فإن الحفاظ على أهمية هرمز قد يكون أكثر فائدة لطهران من تعطيله، لأن الممر المفتوح مع وجود قدرة إيرانية على التأثير في شروط تشغيله يمنحها نفوذاً مستداماً، بينما يؤدي تعطيله المتكرر إلى تسريع جهود تقليل الاعتماد عليه ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التفاهم مع عُمان باعتباره محاولة لتحويل الجغرافيا الإيرانية من أداة ضغط ظرفية إلى عنصر نفوذ مؤسسي فمشاركة الجمهورية الإسلامية الايرانية في تنظيم الملاحة تمنحها دوراً داخل قواعد تشغيل المضيق بدلاً من الاكتفاء بالتهديد باستخدام القوة غير أن هذا المسار يصطدم بالحسابات الأمريكية لأن الولايات المتحدة الامريكية قد تقبل ترتيبات تقلل احتمالات التصعيد وتحافظ على حرية الملاحة، لكنها تتحفظ على أي صيغة تمنح الجمهورية الإسلامية في إيران اعترافاً دائماً بدور تنظيمي يمكن أن يتحول إلى نفوذ سياسي واقتصادي أوسع وتظهر حساسية هذه المسألة بصورة خاصة في ملف الرسوم إذ إن القضية لا ترتبط بقيمتها المالية بقدر ارتباطها بالسؤال السيادي حول الجهة التي تمتلك حق فرضها فإذا كانت الرسوم جزءاً من نظام خدمات وتنظيم متفق عليه دولياً فإنها قد تصبح عنصراً إدارياً، أما إذا تحولت إلى شرط سياسي للعبور فإنها ستصبح أداة ضغط تمنح طرفاً واحداً قدرة على التحكم بممر ذي أهمية عالمية وهنا تبرز أهمية سلطنة عُمان التي لا تستمد دورها من القوة العسكرية وإنما من قدرتها على الربط بين أطراف يصعب جمعها في إطار واحد فهي تمتلك موقعاً جغرافياً مهماً وعلاقات متوازنة مع كل من طهران وواشنطن فضلاً عن الخبرة الطويلة في الوساطة ولذلك فإن دورها لا يقتصر على نقل الرسائل السياسية انما قد يمتد إلى صياغة ترتيبات تشغيلية تمنع تجاهل الواقع الجغرافي لطهران وتقارب وجهات النظر مع الولايات المتحدة التي تمتلك مصالح حيوية في المضيق وبهذا المعنى، يكشف التفاهم الإيراني–العُماني عن تحول أوسع في مفهوم السيطرة على الممرات الاستراتيجية فالنفوذ في هرمز لم يعد موزعاً بين طرف يمتلك القوة العسكرية وآخر يمتلك الموقع الجغرافي فقط، وإنما أصبح شبكة من الوظائف تتوزع بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تؤثر في الجغرافيا، والولايات المتحدة التي توفر الردع الأمني، وعُمان التي تسهم في بناء الترتيبات السياسية، والأسواق وشركات الشحن التي تحدد قابلية هذه الترتيبات للتطبيق عملياً. لذلك فإن نجاح أي تفاهم لن يقاس بالإعلانات السياسية، وإنما بقدرته على إنتاج بيئة مرور مستقرة وقابلة للتنبؤ اقتصادياً وقانونياً وعليه، فإن أهمية التفاهم الإيراني–العُماني لا تكمن فقط في إعادة تنظيم مسار الملاحة، بل في كونه اختباراً لنموذج جديد من إدارة الممرات الاستراتيجية يقوم على توزيع وظائف القوة بدلاً من احتكارها إذ لم تعد السيطرة على هرمز تعني امتلاك القدرة على إغلاقه فقط، وإنما امتلاك القدرة على التأثير في القواعد التي تسمح باستمراره.

 

 

المحور الثاني:

هرمز في قلب إعادة تشكيل الأمن الإقليمي والدولي

إذا كان التفاهم الإيراني–العُماني قد كشف عن محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين الجغرافيا والقوة داخل مضيق هرمز، فإن تداعياته تتجاوز الإطار الثنائي بين طهران ومسقط، لأن أهمية المضيق تجعله جزءاً من معادلة أمنية واقتصادية دولية تتداخل فيها مصالح الولايات المتحدة ودول الخليج والقوى الآسيوية الكبرى. فهرمز لا يمثل مجرد ممر لنقل الطاقة انه عقدة استراتيجية ترتبط باستقرار الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد، وتكاليف النقل والتأمين ولذلك فإن أي تغيير في قواعد تشغيله ينعكس على حسابات الأمن الاقتصادي للدول المستوردة للطاقة وتواجه الولايات المتحدة في هذا السياق معضلة مركبة فمن جهة، تسعى إلى ضمان حرية الملاحة ومنع تحول المضيق إلى أداة ضغط إيرانية دائمة ومن جهة أخرى تدرك أن تجاهل الموقع الجغرافي لطهران يعني استمرار الاعتماد على الردع العسكري المكلف لإدارة كل أزمة محتملة لذلك فإن واشنطن تجد نفسها أمام  أهمية وجود توازن دقيق بين الحفاظ على تفوقها الأمني في الخليج، وبين قبول ترتيبات إقليمية محدودة تقلل احتمالات التصعيد من دون أن تمنح الجمهورية الاسلامية قدرة احتكارية على تحديد شروط المرور ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين أمن المضيق وإدارة المضيق فأمنه يتعلق بمنع التهديدات العسكرية وحماية السفن، وهو مجال ترتبط به بدرجة كبيرة القدرات الأمريكية، أما إدارته فتتعلق بالمسارات والإجراءات والاتصالات والخدمات والرسوم، وهي مساحة يمكن أن تشارك فيها الأطراف الإقليمية والفاعلون الاقتصاديون وإذا نجح التفاهم الإيراني–العُماني في إنتاج قواعد تشغيلية واضحة فقد يؤدي ذلك إلى إعادة توزيع وظائف القوة في هرمز من دون أن يعني بالضرورة تراجع الدور الأمريكي بل ربما انتقاله من الإدارة اليومية إلى دور الضامن الاستراتيجي.

أما دول الخليج، فتواجه معادلة أكثر تعقيداً؛ فهي تحتاج إلى استقرار المضيق بحكم اعتماد اقتصاداتها على صادرات الطاقة وحركة التجارة البحرية، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في أن يتحول النفوذ الجغرافي الإيراني إلى قدرة سياسية دائمة تستخدم للضغط عليها ولذلك فإن المصلحة الخليجية لا تتمثل في إقصاء الجمهورية الإسلامية في إيران من معادلة أمن هرمز، وهو أمر يصعب تحقيقه جغرافياً، وإنما في منع تحول هذا النفوذ إلى حق حصري في تحديد قواعد المرور. ومن هذه الزاوية، يصبح الدور العُماني مهماً باعتباره محاولة لإيجاد صيغة وسط بين الدور الإيراني ومنحه قدرة منفردة على التحكم بالمضيق وتتجاوز أهمية التفاهم حدود الخليج إلى آسيا، حيث ترتبط اقتصادات الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية بدرجة كبيرة باستقرار تدفقات الطاقة القادمة عبر المنطقة فاضطراب هرمز لا يؤدي فقط إلى ارتفاع أسعار النفط، وإنما يكشف هشاشة نموذج يعتمد على مصدر طاقة متنوع جغرافياً لكنه يمر عبر نقطة اختناق واحدة ولهذا فإن أزمة المضيق تدفع هذه القوى إلى إعادة تعريف أمن الطاقة، بحيث لا يقتصر على تنويع الموردين وإنما يشمل أيضاً تنويع طرق النقل، وزيادة المخزونات الاستراتيجية، وتطوير البنية التحتية والموانئ والبدائل البحرية.

وتبرز الصين بصورة خاصة في هذه المعادلة اذ ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الجمهورية الإسلامية في إيران، لكنها في الوقت نفسه تعتمد على استقرار تدفقات الطاقة الخليجية، الأمر الذي يجعلها توازن بين شراكتها السياسية مع طهران ومصالحها الاقتصادية العالمية ولذلك فإن مصلحة الصين لا تتمثل في تعزيز قدرة الجمهورية الإسلامية في إيران على تعطيل المضيق، وإنما في صيغة تحافظ على النفوذ الإيراني ضمن إطار يضمن استمرار الملاحة فاستقرار هرمز يمنح بكين مكسباً مزدوجاً: حماية أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الهيمنة الأمريكية في إدارة الخليج أما الهند، فإن موقعها يجعلها أكثر حساسية تجاه تطورات المضيق، بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة وحاجتها إلى استقرار طرق التجارة البحرية. ولهذا فإن نيودلهي تنظر إلى أمن هرمز باعتباره قضية اقتصادية مباشرة تتصل بالتضخم والنمو الصناعي وسلاسل الإمداد وليس مجرد ملف جيوسياسي مرتبط بالتنافس الإيراني–الأمريكي ومن ثم، فإن استمرار الملاحة بصورة مستقرة يخدم مصالحها بغض النظر عن الطرف الذي يساهم في تحقيق هذا الاستقرار غير أن التأثير الأعمق للأزمة قد لا يظهر فقط في ردود الفعل الآنية بل في القرارات الاستراتيجية طويلة الأمد التي قد تتخذها الدول لتقليل هشاشتها أمام نقاط الاختناق البحرية فحتى إذا استقرت الملاحة في هرمز فإن تجربة الأزمة قد تدفع الدول إلى الاستثمار في بدائل الطاقة، وتوسيع خطوط الأنابيب، وتعزيز القدرات البحرية، وإعادة توزيع بعض سلاسل الإنتاج. وهذا يعني أن الدولة التي تستخدم نقطة الاختناق بصورة متكررة قد تدفع الآخرين، التناقض وإلى تقليل أهمية هذه النقطة على المدى البعيد وتكشف هذه المعادلة عن مفارقة استراتيجية بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية في إيران فالحفاظ على قيمة هرمز كممر عالمي يمنحها أهمية جيوسياسية مستمرة بينما يؤدي الاستخدام المفرط له كأداة ضغط إلى تسريع محاولات تجاوز الاعتماد عليه. لذلك فإن النفوذ الإيراني الأكثر استدامة لا يرتبط بالقدرة على إغلاق المضيق انما بقدرتها على أن تصبح طرفاً لا يمكن تجاوزه في ترتيبات استقراره ولذلك فإن التفاهم الإيراني–العُماني يكشف عن تحول أوسع في طبيعة القوة داخل النظام الدولي فالممرات الاستراتيجية لم تعد تُدار فقط بمنطق السيطرة العسكرية، وإنما بمنطق القدرة على التأثير في الشبكات التي تجعل التجارة والطاقة والأمن البحري ممكنة. فالجمهورية الإسلامية في إيران تمتلك الجغرافيا، والولايات المتحدة تمتلك الردع، وعُمان تمتلك الوساطة، والأسواق تمتلك القدرة على قبول الترتيبات أو رفضها عبر حسابات المخاطر. ومن ثم فإن مستقبل هرمز معقد لن تحدده قوة طرف واحد، بل قدرة الأطراف المختلفة على إدارة الاعتماد المتبادل داخل واحد من أكثر الممرات حساسية في العالم.

 

المحور الثالث:

اقتصاديات المرور كأداة للقوة – العقوبات والتأمين والرسوم في هرمز

لا يمكن فهم مستقبل مضيق هرمز من خلال معادلة السيطرة العسكرية وحدها؛ فالمضيق لا يعمل باعتباره مساحة جغرافية تفصل بين سواحل متقابلة فقط وإنما باعتباره منظومة اقتصادية وقانونية معقدة تعتمد على سلسلة مترابطة من الشروط التي تجعل المرور التجاري ممكناً فالسفينة لا تحتاج إلى ممر آمن فحسب، بل تحتاج إلى بيئة اقتصادية تسمح لها بالحركة تبدأ من قدرة شركات التأمين على تغطية المخاطر، مروراً بإمكانية تسوية المدفوعات، وانتهاءً بثقة شركات الشحن بأن تكلفة الرحلة تتناسب مع مستوى المخاطر المحتملة ومن هذه الزاوية، فإن جوهر الصراع حول هرمز لا يتمثل فقط في سؤال: من يستطيع فتح المضيق أو إغلاقه؟ بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر تعقيداً: من يستطيع التحكم في شروط استخدامه؟ فالقوة في الممرات الاستراتيجية لم تعد مرتبطة حصراً بالقدرة على المنع المباشر وإنما أصبحت مرتبطة بالقدرة على رفع أو خفض تكلفة الحركة، والتأثير في حسابات الفاعلين التجاريين الذين يحددون عملياً استمرار تدفق التجارة.

 

أولاً: انتقال الصراع من السيطرة على البحر إلى التحكم في تكلفة المرور

تكشف أزمة هرمز عن حدود المقاربة العسكرية التقليدية فالقوة البحرية الأمريكية قادرة على حماية السفن، وتأمين خطوط الاتصال البحرية ورفع تكلفة أي محاولة لاستخدام القوة ضد الملاحة، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان عودة النشاط التجاري إلى مستواه الطبيعي فالسفينة قد تكون قادرة على العبور عسكرياً، إلا أن شركة التأمين قد ترفض تغطية الرحلة أو ترفع قيمة الأقساط أو قد ترى شركة الشحن أن المخاطر السياسية والقانونية تجعل المسار أقل جاذبية مقارنة ببدائل أخرى ولهذا فإن حرية الملاحة العسكرية لا تعني بالضرورة حرية الملاحة التجارية فالأولى ترتبط بقدرة الدولة على توفير الحماية، بينما ترتبط الثانية بثقة السوق في استقرار البيئة المحيطة. وهذه الفجوة بين الأمن العسكري والأمن الاقتصادي تمثل أحد أهم التحولات في طبيعة الصراع حول الممرات البحرية الحديثة وبالتالي، فإن الطرف القادر على التأثير في قرارات الشركات الخاصة قد يمتلك نفوذاً يتجاوز أحياناً تأثير القوة العسكرية المباشرة، لأن آلاف القرارات اليومية التي تتخذها شركات التأمين والمصارف ومشغلو السفن يمكن أن تنتج أثراً جيوسياسياً واسعاً من دون الحاجة إلى قرار حكومي معلن.

 

ثانياً: العقوبات الاقتصادية كأداة لإعادة تشكيل السلوك التجاري

ضمن هذه المعادلة، لا تعمل العقوبات الأمريكية ضد  الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها أداة ضغط سياسي فقط وإنما باعتبارها وسيلة لإعادة تشكيل البيئة الاقتصادية المحيطة بالمضيق فالعقوبات لا تستهدف الدولة الإيرانية وحدها بل تؤثر في شبكة التعاملات التي تحيط بها عبر جعل بعض الأنشطة التجارية أو المالية مرتبطة بمخاطر قانونية قد تدفع الفاعلين الاقتصاديين إلى تجنبها حتى لو كانت الملاحة نفسها آمنة من الناحية العسكرية وتكمن قوة هذا النوع من الأدوات في أنه لا يعتمد على الإكراه المباشر فالمصرف قد يرفض تحويل الأموال خشية العقوبات، وشركة التأمين قد تستبعد تغطية رحلة معينة، وشركة الشحن قد تغير مسارها لتجنب المخاطر القانونية وهكذا تتحول العقوبات من أداة موجهة ضد حكومة إلى آلية تؤثر في سلوك القطاع الخاص العالمي وهذا يمنح الولايات المتحدة نوعاً من القوة فواشنطن لا تحتاج إلى السيطرة على كل حركة تجارية داخل هرمز حتى تؤثر فيها لأن نفوذها المالي والقانوني يسمح لها بالتأثير في البيئة التي تعمل ضمنها تلك الحركة لكن هذه الأداة تحمل في الوقت نفسه مفارقة استراتيجية فالعقوبات الواسعة قد تزيد الضغط على الجمهورية الاسلامية الإيرانية، لكنها قد تجعل بناء نظام ملاحي مستقر أكثر صعوبة إذا أصبحت الخدمات المرتبطة بالجهات الإيرانية محفوفة بالمخاطر القانونية ولذلك تواجه الولايات المتحدة معادلة دقيقة بين استخدام العقوبات كوسيلة ردع وبين الحاجة إلى الحفاظ على استقرار أحد أهم الممرات الاقتصادية العالمية.

 

ثالثاً: الرسوم على المرور بين الوظيفة الاقتصادية وأداة النفوذ السياسي

تكتسب مسألة الرسوم التي قد تفرض على حركة الملاحة أهمية تتجاوز قيمتها المالية المباشرة فالقضية الأساسية ليست حجم الرسم بقدر ما تتعلق بطبيعة السلطة التي تقف خلفه، وطريقة استخدامه ففي البيئة التجارية تستطيع الشركات التعامل مع تكاليف مرتفعة إذا كانت واضحة وثابتة وقابلة للحساب ضمن خططها التشغيلية أما المشكلة فتظهر عندما تتحول التكلفة إلى متغير سياسي يخضع للتوترات أو العلاقات بين الدول لأن عدم القدرة على التنبؤ يصبح بحد ذاته عاملاً يرفع المخاطر ولهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في ارتفاع تكلفة المرور فقط وإنما في غياب القدرة على تقديرها فالسوق لا يخشى التكلفة المرتفعة بقدر ما يخشى التكلفة غير المتوقعة لأنها تعرقل التسعير والاستثمار والتأمين على المدى الطويل ومن هنا، فإن أي ترتيبات مستقبلية حول هرمز ستحتاج إلى معالجة مسألة الرسوم ضمن إطار مؤسسي واضح؛ بحيث تكون مرتبطة بخدمات محددة وقواعد مستقرة، لا أن تتحول إلى أداة ضغط سياسي تستخدم في لحظات التوتر.

 

رابعاً: التأمين والشحن بوصفهما فاعلين جيوسياسيين

أحد أهم التحولات التي كشفتها أزمة هرمز هو صعود شركات التأمين والشحن بوصفها فاعلين مؤثرين في الجغرافيا السياسية للممرات البحرية فهذه الشركات لا تمتلك قوات عسكرية ولا سيادة قانونية، لكنها تمتلك قدرة عملية على تحديد ما إذا كان المسار البحري سيبقى مستخدماً أم لا فعندما ترفع شركات التأمين أقساط المخاطر فإن ذلك ينعكس على تكلفة النقل والطاقة والسلع وعندما تقرر شركات الشحن تجنب منطقة معينة، فإنها تستطيع عملياً تقليل أهمية الممر حتى لو بقي مفتوحاً من الناحية القانونية والعسكرية وهنا تظهر أهمية مفهوم الاستقرار القابل للتسويق؛ فالأمن لا يتحول إلى قيمة اقتصادية كاملة إلا عندما تستطيع الأسواق ترجمته إلى قرارات قابلة للحساب فقد يكون المضيق آمناً وفق التقدير العسكري، لكنه يظل غير مستقر تجارياً إذا بقيت احتمالات التصعيد أو العقوبات أو تغير قواعد المرور مرتفعة ولهذا فإن نجاح أي تفاهم سياسي لن يُقاس فقط بعودة السفن، وإنما بمدى قدرة هذا التفاهم على تغيير تقييمات شركات التأمين والأسواق، وتحويل الاستقرار السياسي إلى ثقة اقتصادية.

 

خامساً: الوساطة العُمانية وتحويل الاستقرار السياسي إلى ثقة اقتصادية

ضمن هذه المعادلة، يكتسب الدور العُماني أهمية تتجاوز الوساطة السياسية التقليدية؛ فمسقط لا تمتلك القدرة العسكرية التي تمكنها من فرض قواعد الملاحة، لكنها تمتلك رصيداً دبلوماسياً يسمح لها بلعب دور في تقليل عدم اليقين بين الأطراف وبناء الثقة وتكمن أهمية الوساطة العُمانية في قدرتها المحتملة على تحويل التفاهم السياسي إلى ترتيبات تشغيلية مثل آليات التواصل في حالات الطوارئ، وقواعد التعامل مع الحوادث البحرية، وقنوات منع سوء الفهم بين الأطراف المختلفة لكن التحدي الأساسي أمام هذا الدور يتمثل في الانتقال من مرحلة التفاهم السياسي إلى مرحلة القواعد القابلة للتطبيق فالسوق لا يعتمد على البيانات السياسية وحدها، وإنما يحتاج إلى معرفة من يتحمل المسؤولية عند وقوع حادث، وكيف تتم معالجة النزاعات، وما إذا كانت قواعد المرور ستبقى مستقرة في حال عودة التوتر وبالتالي، فإن قيمة الدور العُماني لا تكمن فقط في جمع الخصوم، وإنما في المساهمة في إنتاج بيئة يمكن للسوق أن يثق بها.

 

المحور الرابع:

من أمن الملاحة إلى إدارة المجال المتعدد – الاستخبارات والتكنولوجيا ومستقبل الصراع على هرمز

لم يعد أمن مضيق هرمز في المرحلة الراهنة مرتبطاً فقط بقدرة طرف على حماية السفن أو تهديدها، بل أصبح مرتبطاً بالقدرة على إدارة منظومة معقدة تتداخل فيها الاستخبارات والتكنولوجيا والاقتصاد والأمن السيبراني. فالملاحة الحديثة تعتمد على شبكة واسعة من الأنظمة الرقمية، تشمل الأقمار الصناعية، وأنظمة تحديد المواقع، والاتصالات البحرية، وبيانات تتبع السفن، وهو ما جعل السيطرة على المعلومات جزءاً أساسياً من السيطرة على المجال البحري وتبرز أهمية الاستخبارات البحرية باعتبارها عاملاً حاسماً في تقليل عدم اليقين فمعرفة حركة السفن، وطبيعة الشحنات، وأنماط النشاط غير الاعتيادية، تمنح الأطراف قدرة على الاستباق واتخاذ القرار قبل تحول الأزمة إلى مواجهة مباشرة. لذلك أصبح مفهوم الوعي بالمجال البحري أحد عناصر القوة في هرمز، لأنه يسمح بدمج البيانات العسكرية والتجارية وتحويلها إلى قدرة على إدارة المخاطر في المقابل، أدى الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا إلى ظهور نقاط ضعف جديدة فتعطيل أنظمة الملاحة أو التشويش على الاتصالات أو التأثير في تدفق المعلومات قد لا يحتاج إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة، لكنه يستطيع رفع كلفة الحركة البحرية من خلال زيادة المخاطر وخلق حالة من عدم اليقين تدفع شركات الشحن والتأمين إلى إعادة تقييم نشاطها.

ومن هنا برز مفهوم الردع المعلوماتي بوصفه أحد أشكال القوة الحديثة؛ إذ لا يحتاج الفاعل دائماً إلى منع الملاحة فعلياً، بل يكفي أن يجعلها أكثر صعوبة وأعلى تكلفة وهذه المعادلة تمنح الأدوات غير التقليدية أهمية متزايدة، خصوصاً مع انتشار الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة التي تسمح بإنتاج تأثير استراتيجي بكلفة أقل من الأدوات العسكرية التقليدية.

 

السيناريوهات المستقبلية للتفاهم الإيراني–العُماني حول هرمز

السيناريو الأول: الاستقرار المنظم وإعادة بناء الثقة

يفترض هذا السيناريو نجاح سلطنة عُمان في تحويل التفاهم السياسي إلى ترتيبات تشغيلية واضحة تشمل قواعد المرور وآليات التعامل مع الحوادث وتسوية ملفات التأمين والعقوبات والرسوم وفي هذه الحالة قد يتحول هرمز تدريجياً من ساحة مواجهة إلى مساحة إدارة تنافس بحيث تحافظ الجمهورية الإسلامية الايرانية على سيطرتها الجغرافية من دون استخدامها بطريقة تؤدي إلى عزلة أكبر، بينما تحافظ الولايات المتحدة على حرية الملاحة من دون الدخول في مواجهة مفتوحة مما يعمل على إيجاد أرضية مشتركة بين الأطراف للتسوية ويعد هذا السيناريو الأكثر إيجابية بالنسبة إلى الأسواق العالمية ودول الخليج والقوى الآسيوية، لكنه يتطلب مستوى مرتفعاً من الثقة يصعب تحقيقه بسبب استمرار الخلافات البنيوية بين واشنطن وطهران.

 

السيناريو الثاني: الاستقرار الهش وإدارة الأزمة

يبدو هذا السيناريو الأكثر احتمالاً على المدى القريب، حيث تستمر حركة الملاحة ولكن ضمن بيئة غير مستقرة، مع بقاء ملفات العقوبات والرسوم والتأمين والتوترات السياسية دون حلول نهائية في هذا المسار لا يتحول هرمز إلى منطقة حرب مفتوحة لكنه لا يعود أيضاً إلى وضع طبيعي كامل إذ تستمر علاوة المخاطر الجيوسياسية، وتبقى الأسواق والشركات حذرة، ويظل أي حادث محدود قابلاً للتحول إلى أزمة أوسع ويعكس هذا السيناريو طبيعة التوازن الحالي فالجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تريد فقدان ورقة الضغط والولايات المتحدة لا تريد السماح بتحولها إلى سيطرة إيرانية على قواعد الملاحة وعُمان تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار بين الطرفين.

 

 

السيناريو الثالث: انهيار التفاهم وإعادة عسكرة المضيق

يتحقق هذا السيناريو في حال فشل معالجة الملفات الاقتصادية والقانونية أو عودة التصعيد العسكري بين الجمهورية الإسلامية في إيران والولايات المتحدة أو توسع المواجهة الإيرانية–”الإسرائيلية” وفي هذه الحالة يعود هرمز إلى موقعه التقليدي كنقطة صراع جيوسياسي فتزداد تكاليف التأمين والطاقة والشحن، وتتجه القوى الاقتصادية الكبرى إلى تسريع بناء البدائل، بما يؤدي على المدى الطويل إلى تقليل الاعتماد النسبي على المضيق.

ولا يمكن تقييم مستقبل هرمز بمعزل عن التطورات المتزامنة في البحر الأحمر وخليج عدن؛ إذ شهدت الساعات الأخيرة يوم 6 اب 2026 تصعيداً من انصار الله (الحوثـ ـي) ضد القوات المدعومة سعودياً بالتزامن مع استمرار استهداف المصالح البحرية السعودية في وقت دخلت فيه المفاوضات حول ترتيبات المرور في هرمز مرحلة أكثر تقدماً ولا تكفي هذه الوقائع لإثبات وجود قرار إيراني مباشر بربط التصعيد الحوثي بمفاوضات هرمز إلا أنها تكشف عن حقيقة استراتيجية أكثر أهمية، تتمثل في أن استقرار أحد الممرات لا يساوي بالضرورة استقرار شبكة الممرات المرتبطة به فهرمز وباب المندب يمثلان عقدتين مختلفتين ضمن منظومة واحدة للتجارة والطاقة ويمكن لتحول المخاطر من أحدهما إلى الآخر أن يحافظ على «علاوة المخاطر الجيوسياسية» حتى إذا تحسنت ظروف الملاحة في هرمز وبذلك، فإن قدرة الأطراف على إدارة أزمة هرمز ستظل محدودة الأثر إذا استمرت نقاط الاختناق الأخرى في البحر الأحمر وخليج عدن في العمل كبدائل للضغط البحري، وهو ما يجعل أمن الممرات البحرية قضية شبكية تتجاوز حدود المضيق الواحد.

 

خاتمة

تكشف أزمة مضيق هرمز أن طبيعة القوة في النظام الدولي المعاصر لم تعد تُقاس فقط بمن يمتلك القدرة على السيطرة المباشرة على الجغرافيا، وإنما بمن يستطيع إدارة شروط استخدامها. فالجمهورية الإسلامية الايرانية تمتلك ميزة الموقع والقدرة على التأثير في حركة المرور، والولايات المتحدة تمتلك أدوات الردع العسكري والمالي، وسلطنة عُمان تمتلك قيمة الوساطة بينما تمتلك الأسواق والشركات القدرة على تحويل الاستقرار السياسي إلى واقع اقتصادي أو إبقاء المخاطر قائمة ومن هذه الزاوية، فإن أهمية التفاهم الإيراني–العُماني لا تكمن في كونه أنهى الصراع حول هرمز، بل في كونه محاولة لإعادة تنظيمه ضمن قواعد تمنع تحوله إلى أزمة دائمة. فالمشكلة الأساسية لم تعد فقط إمكانية إغلاق المضيق، وإنما القدرة على ضمان أن يبقى مفتوحاً بصورة مستقرة وقابلة للتنبؤ كما أن التجربة تكشف تحولاً مهماً في مفهوم السيطرة على الممرات الاستراتيجية فالقوة لم تعد تعني امتلاك القدرة على التعطيل فقط، انما امتلاك القدرة على التأثير في البيئة التي تجعل الحركة ممكنة أو مكلفة. ولهذا فإن قوة الردع الإيرانية الأكثر استدامة لا تتمثل في إغلاق هرمز، وإنما في الاحتفاظ بالقدرة على التأثير في شروطه بينما لا تتمثل المصلحة الأمريكية في السيطرة المباشرة على المضيق، وإنما في منع أي طرف من تحويله إلى أداة احتكار استراتيجي وفي هذا السياق، تظهر سلطنة عُمان كفاعل يتجاوز الدور التقليدي للوساطة، إذ يمكن أن تتحول إلى جزء من بنية إدارة الأزمات البحرية إذا نجحت في تحويل التفاهم السياسي إلى آليات اتصال وثقة قابلة للاستمرار. لكن نجاح هذا الدور سيبقى مرتبطاً بقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء قواعد أكثر استقراراً، لذلك فإن مستقبل هرمز سيُحدد ليس فقط في غرف التفاوض، وإنما أيضاً في شركات التأمين، وأسواق الطاقة، ومراكز الاستخبارات، ومنظومات التكنولوجيا البحرية. فالمعركة الحقيقية لم تعد حول سؤال: من يسيطر على المضيق؟ بل حول سؤال أكثر تعقيداً: من يستطيع ضمان استمرار عمله، وتحديد شروط المرور داخله، وإدارة المخاطر التي تحيط به؟ وهنا تكمن الدلالة الأوسع لأزمة هرمز؛ فهي تمثل نموذجاً لتحول طبيعة القوة في القرن الحادي والعشرين، حيث تتوزع القدرة بين الدولة والجغرافيا والسوق والتكنولوجيا والمعلومات، ويصبح النفوذ نتيجة القدرة على إدارة الاعتماد المتبادل لا مجرد امتلاك القوة الصلبة.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى