الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

موسكو وإفريقيا.. معركة النفوذ تتجاوز السلاح إلى الاقتصاد

بقلم: العميد دكتور محمد حجاب / مصر

 

تنعقد القمة الروسية الإفريقية الثالثة في موسكو يومي 28 و29 تشرين الاول 2026، في سياق دولي يتسم بتصاعد التنافس على الأسواق والموارد وممرات التجارة ومناطق النفوذ. ولا ينبغي النظر إلى القمة باعتبارها اجتماعاً دبلوماسياً دورياً فحسب، بل بوصفها محاولة لتوسيع العلاقات الروسية الإفريقية ونقلها من التركيز التقليدي على السياسة والأمن إلى شراكات اقتصادية وتكنولوجية أوسع. وقد أكدت موسكو مشاركة وفود من 48 دولة إفريقية من أصل 54، بينها 22 دولة يمثلها رؤساء دول أو حكومات. ويمنح هذا الحضور القمة وزناً سياسياً واضحاً، لكنه لا يكفي وحده للحكم على نتائجها؛ فالمشاركة الدبلوماسية تعكس اهتماماً متبادلاً، بينما تقاس فاعلية الشراكات بما ينتج عنها من التزامات قابلة للتنفيذ ومكاسب ملموسة. ([1])

وتقوم الفكرة المركزية لهذا المقال على أن اختبار النفوذ الروسي في إفريقيا لن يتحدد بعدد القادة المشاركين أو البيانات الختامية، وإنما بقدرة الطرفين على تحويل التقارب السياسي إلى استثمارات منتجة، ونقل للتكنولوجيا، ومشروعات قابلة للتنفيذ، ومكاسب تنموية يمكن قياسها. ومن ثم، فإن قراءة ملفات الاقتصاد والطاقة والزراعة والتكنولوجيا وخطة العمل المقبلة تقتضي التمييز بين ما تعلنه الأطراف، وما تنفذه فعلياً، وما يمكن استنتاجه تحليلياً من مسار العلاقات. كما تقتضي مراعاة تفاوت احتياجات الدول الإفريقية وأولوياتها؛ فما يناسب دولة غنية بالموارد والطاقة قد لا يلائم دولة تعاني عجزاً في الكهرباء أو الغذاء أو التمويل.

 

أولاً: الاقتصاد والتجارة.. اختبار تحويل النفوذ إلى مصالح

يتصدر التعاون الاقتصادي جدول أعمال القمة. ووفق تصريحات مسؤولين روس نقلتها وسائل إعلام، تجاوز حجم التبادل التجاري بين روسيا والدول الإفريقية 27 مليار دولار في عام 2025، مقابل نحو 16.8 مليار دولار عام 2019، حين انعقدت القمة الأولى في سوتشي. ويعكس ذلك نمواً في القيمة الاسمية للتبادل، لكنه لا يثبت بمفرده قيام شراكة متوازنة أو اختراق روسي واسع للأسواق الإفريقية. فالحكم على هذا النمو يحتاج إلى النظر في تركيبة الصادرات والواردات، وتوزيع التجارة بين الدول، ومدى تنوع السلع، وما إذا كانت الزيادة مرتبطة بارتفاع الأسعار أم بتوسع الكميات والأنشطة الإنتاجية. ([2])

ومن هنا نستطيع أن نقول إن التحدي الروسي لا يتمثل في زيادة حجم التجارة فقط، بل في تغيير بنيتها. فالتبادل الذي يتركز في مجموعة محدودة من السلع، ولا يصاحبه استثمار مباشر في الإنتاج المحلي والتصنيع والبنية التحتية، يظل أقل قدرة على إحداث تحول اقتصادي مستدام. وتزداد أهمية هذه المسألة عند مقارنة التجارة الروسية الإفريقية بعلاقات القارة مع الصين والاتحاد الأوروبي، اللذين تتجاوز أحجام تبادلهما التجاري مع إفريقيا بكثير المستوى الروسي. ولا تعني هذه المقارنة أن روسيا لا تملك فرصاً، بل تشير إلى أن قدرتها التنافسية ستتوقف على المجالات التي تستطيع فيها تقديم قيمة مضافة، وشروط تمويل مناسبة، ومشروعات تستجيب لأولويات التنمية الإفريقية. ([3])

وعليه، فإن معيار النجاح لا ينبغي أن يكون مجرد إعلان هدف تجاري جديد، بل وجود آليات تمويل وتسوية مالية، ومشروعات إنتاجية، وشراكات بين الشركات، وجداول زمنية ومؤشرات تنفيذ. كما ينبغي التمييز بين الاتفاقات الموقعة والمشروعات التي دخلت حيز التنفيذ، لأن الفجوة بين الإعلان والتنفيذ تظل أحد أهم الاختبارات العملية لأي شراكة دولية. ويمكن للحكومات الإفريقية أن تعزز قدرتها التفاوضية عبر اشتراط نقل المهارات، وإشراك الموردين المحليين، وتحديد نسب واضحة للمحتوى المحلي، وإجراء مراجعات دورية للعقود، بحيث لا تبقى المنافع محصورة في تدفقات تجارية قصيرة الأجل.

 

ثانياً: الطاقة.. من توريد الموارد إلى بناء القدرات

تمثل الطاقة مجالاً مهماً في التعاون الروسي الإفريقي، سواء عبر الوقود والغاز والكهرباء أو الاستخدامات المدنية للطاقة النووية والطاقة المتجددة. وتحتاج دول إفريقية عديدة إلى توسيع إنتاج الكهرباء وتحسين شبكات النقل والتوزيع، بما يدعم النمو الصناعي ويخفض كلفة النشاط الاقتصادي. وتوفر الخبرة الروسية في بعض هذه المجالات فرصاً للتعاون، لكن حجم الفرصة لا ينبغي الخلط بينه وبين تحقق نتائج ملموسة. فمشروعات الطاقة لا تقاس بقدرات التوليد الاسمية وحدها، وإنما كذلك بانتظام الإمداد، وكلفة الكهرباء على المستهلك، ومدى وصول الشبكات إلى المناطق المحرومة، وقدرة المؤسسات الوطنية على تشغيل الأصول وصيانتها. ([4])

فالمشروعات النووية، على وجه الخصوص، تتطلب تمويلاً طويل الأجل، وإطاراً رقابياً مستقلاً، وضمانات للسلامة، وخططاً واضحة لإدارة الوقود والنفايات وتدريب الكوادر. كما أن مشروعات الطاقة المتجددة لا تحقق أثرها الكامل بمجرد إنشاء محطات التوليد، بل تحتاج إلى شبكات حديثة وقدرات تخزين وإدارة فعالة للطلب. وتبرز هنا أهمية تقييم دورة حياة المشروع كاملة، بما يشمل كلفة التمويل والتشغيل والصيانة والالتزامات المستقبلية، لا كلفة الإنشاء فقط. لذلك فإن السؤال الأهم هو ما إذا كانت الشراكة ستنقل المعرفة وتبني قدرات محلية، أم ستظل قائمة أساساً على التوريد والتعاقد الخارجي.

 

ثالثاً: الزراعة والأمن الغذائي.. شراكة تتجاوز استيراد الحبوب

يحتل الأمن الغذائي موقعاً متقدماً في العلاقات الروسية الإفريقية، بالنظر إلى دور روسيا في تصدير الحبوب والأسمدة. وقال مسؤولون روس إن بلادهم صدّرت إلى الدول الإفريقية أكثر من 18 مليون طن من الحبوب خلال عام 2025، كما أشارت تصريحات سبقت القمة إلى استمرار الإمدادات خلال عام 2026. وتظل هذه الأرقام منسوبة إلى الجانب الروسي، وينبغي التعامل معها على هذا الأساس ما لم تتوافر بيانات مقابلة متطابقة من الجهات الإفريقية المعنية. كما أن حجم الشحنات وحده لا يكشف أثرها في الأسعار المحلية أو قدرة الدول المستوردة على تأمين الإمدادات بصورة مستقرة، ولا يوضح مدى توزيعها بين الأسواق الإفريقية المختلفة. ([5])

ولا يقتصر الأمن الغذائي على ضمان وصول الشحنات، بل يتصل باستقرار الأسعار، وتوافر الأسمدة، وتحسين الإنتاجية، وتطوير التخزين والنقل والتصنيع الغذائي. وفي تقديري، فإن الاعتماد على الاستيراد وحده لا يوفر أساساً كافياً لأمن غذائي مستدام؛ فالأولوية هي بناء القدرات الزراعية المحلية، وتحسين نظم الري، ونقل التكنولوجيا، وتقليل الفاقد، وتطوير الصناعات المرتبطة بالمحاصيل. ويمكن للتعاون الروسي أن يحقق مكاسب متبادلة إذا دعم هذه الأولويات بدلاً من الاقتصار على علاقة بائع ومشترٍ. ويشمل ذلك تطوير سلاسل إمداد الأسمدة، والتدريب الزراعي، ومراكز التخزين، وتبادل الخبرات في البذور الملائمة للمناخ، مع مراعاة اختلاف البيئات الزراعية واحتياجات كل دولة.

 

رابعاً: التكنولوجيا والتعاون المؤسسي.. اتساع الأجندة وحدود التنفيذ

تتجاوز أجندة القمة الملفات التجارية والزراعية لتشمل التكنولوجيا والتعليم والبنية التحتية والتعاون الإنساني، إلى جانب إعلان منفصل مرتقب بشأن التعاون في الاستخدامات المدنية للذكاء الاصطناعي. كما أفادت التغطيات المنشورة قبل انعقاد القمة بأن المشاركين يتوقعون اعتماد إعلان ختامي وخطة عمل للتعاون للفترة 2027–2029، فضلاً عن مجموعة من الاتفاقات الحكومية والتجارية. وتفتح هذه المجالات باباً للتعاون في التدريب والبحث العلمي والخدمات الرقمية وتطوير المهارات، لكنها تثير في الوقت نفسه أسئلة تتعلق بحوكمة البيانات، وحماية الخصوصية، وإتاحة التكنولوجيا، ومدى قدرة المؤسسات الإفريقية على استيعابها وتطويرها محلياً. ([6])

ويعكس هذا الاتساع محاولة لبناء علاقات متعددة المستويات، إلا أن تعدد المجالات لا يعني بالضرورة عمق الشراكة. فالتعاون الأمني أو السياسي لا يضمن تلقائياً توسع الاستثمار، كما أن إعلان نوايا في التكنولوجيا لا يثبت انتقال المعرفة أو بناء القدرات. ومن ثم، يجب تقييم كل مسار وفق نتائجه الخاصة، مع وضع مؤشرات معلنة للتنفيذ ومراجعة دورية لما تحقق وما تعثر وأسباب التعثر. وفي ملف التكنولوجيا تحديداً، ينبغي أن تتجاوز الشراكة شراء المعدات أو البرامج إلى بناء الخبرات المحلية، ودعم الجامعات ومراكز البحث، وتدريب الكوادر، ووضع قواعد واضحة لنقل المعرفة والصيانة والتحديث.

 

 

خامساً: خطة العمل 2027–2029.. من الوثائق إلى النتائج

تمثل خطة العمل للفترة 2027–2029 فرصة لتحديد أولويات التعاون الروسي الإفريقي في السنوات المقبلة، لكنها لن تكون ذات قيمة عملية ما لم تتحول إلى برامج محددة بمسؤوليات واضحة ومصادر تمويل وجداول زمنية. وتزداد أهمية ذلك في ضوء تحليلات أشارت إلى أن اتساع الانخراط الروسي في إفريقيا لم يقابله دائماً مستوى مماثل من الإنجاز الاقتصادي، وأن عدداً من الاتفاقات في بعض القطاعات لم يتحول بعد إلى مشروعات مكتملة. ومن ثم، فإن قيمة الخطة ستتوقف على قدرتها على ترتيب الأولويات بدلًا من جمع ملفات كثيرة في وثيقة واحدة، وعلى تحديد الجهات المسؤولة وآليات فض التعثر والمتابعة. ([7])

ولذلك، ينبغي أن تتضمن المتابعة مؤشرات قابلة للقياس، مثل قيمة الاستثمارات التي دخلت التنفيذ، وعدد المشروعات التي اكتملت، وحجم التصنيع المحلي، ونسبة نقل التكنولوجيا، وفرص العمل التي نشأت، وتحسن إمدادات الطاقة أو الإنتاج الزراعي. ومن شأن نشر تقارير متابعة دورية أن يحد من اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي والنتائج، وأن يمنح الحكومات الإفريقية أساساً أوضح لتقييم العائد من الشراكة. وأرى أن نشر بيانات مشتركة ومراجعتها بصورة دورية سيخدم الطرفين: فهو يتيح لروسيا إثبات جدوى تعاونها، ويمنح الشركاء الأفارقة أدوات أفضل للمساءلة وإعادة توجيه الموارد نحو المشروعات الأكثر أثراً.

 

سادساً: الدلالات الاستراتيجية ومستقبل التنافس الدولي في إفريقيا

تتمتع إفريقيا بأهمية جيوسياسية واقتصادية متزايدة بسبب مواردها الطبيعية وأسواقها الناشئة وموقعها المتصل بالمحيطين الهندي والأطلسي والبحر الأحمر والبحر المتوسط. وتسعى موسكو إلى تعزيز حضورها في القارة، فيما تعمل الحكومات الإفريقية على تنويع علاقاتها الخارجية وتوسيع خياراتها. لكن الحضور الدبلوماسي والأمني لا يساوي تلقائياً قدرة اقتصادية تضاهي قدرات الصين أو الاتحاد الأوروبي، إذ تتطلب المنافسة المستدامة تمويلاً واسع النطاق وسلاسل إنتاج وبنية تحتية ومشروعات ذات أثر محلي. وتكشف هذه المعادلة عن اختلاف بين أدوات النفوذ: فالحضور السياسي قد يحقق مكاسب سريعة نسبياً، بينما يحتاج النفوذ الاقتصادي المستدام إلى مؤسسات تمويل وشركات قادرة على تحمل المخاطر، وإلى ارتباط واضح بأولويات التنمية الوطنية.([8])

وفي المقابل، لا ينبغي التعامل مع الدول الإفريقية باعتبارها ساحة سلبية للتنافس الدولي؛ فهي تملك مصالح وأولويات مختلفة، ويمكنها استخدام تعدد الشركاء لتحسين شروط التمويل والتكنولوجيا والتجارة. ويتوقف ذلك على قدرة مؤسساتها على التفاوض، وتقييم كلفة الاتفاقات، وقياس العائد التنموي، وتجنب الاعتماد المفرط على شريك واحد. فالتنافس الدولي قد يوسع الخيارات المتاحة، لكنه لا يضمن وحده التنمية ما لم تصاحبه سياسات وطنية واضحة. ومن المهم كذلك ألا تتحول سياسة تنويع الشركاء إلى مجرد استبدال تبعية بأخرى؛ فالتوازن الفعال يقوم على الشفافية وتعدد مصادر التمويل ورفع القدرة المحلية على التفاوض والإنتاج.

 

الخلاصة

تكشف القمة الروسية الإفريقية الثالثة عن رغبة متبادلة في توسيع مجالات التعاون، من التجارة والطاقة والزراعة إلى التكنولوجيا والتنسيق المؤسسي. غير أن ارتفاع حجم التبادل التجاري وكثرة الاتفاقات لا يعنيان بالضرورة قيام شراكة اقتصادية متكاملة. فالمعيار الحاسم هو قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات إلى مشروعات مستدامة، وتوفير التمويل، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز الإنتاج المحلي، مع بناء آليات للمساءلة وقياس الأثر.

وفي تقديري، فإن التحدي أمام روسيا يتمثل في إثبات قدرتها على تقديم شراكات اقتصادية قابلة للتنفيذ تتجاوز الحضور السياسي والأمني، بينما يتمثل التحدي أمام الدول الإفريقية في توظيف التنافس الدولي لتحقيق مكاسب تنموية قابلة للقياس، دون الارتهان لشريك واحد أو الاكتفاء بمكاسب سياسية قصيرة الأجل. وهكذا، فإن مستقبل النفوذ الروسي في إفريقيا لن تحدده البيانات الختامية وحدها، بل ستحدده المشروعات التي تُنجز، والقدرات التي تُبنى، والفرص الاقتصادية التي تصل آثارها إلى المجتمعات الإفريقية.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى