الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية خطوة أولى نحو اتفاق أشمل أم مجرد ترتيبات مؤقتة؟

بقلم: جوناثان بانيكوف
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
إذا كانت التصريحات المتضاربة والضربات العسكرية المتبادلة خلال الأسبوع الماضي بين إيران والولايات المتحدة و”إسرائيل”** وحZب الله قد تركت انطباعاً بالارتباك وعدم اليقين فإن ذلك أمر مفهوم، فالسلوك المتقلب والتصريحات المتناقضة الصادرة عن مختلف الأطراف لا تبعث على الثقة أو الاطمئنان، ومع ذلك فإن أحداث الأسبوع المنصرم أسهمت بطريقتها الخاصة في توضيح بعض ملامح المشهد. فاحتمالات اندلاع حرب شاملة واسعة النطاق تبدو اليوم أقل مما كانت عليه سابقاً، كما تتراجع أيضاً فرضية أن يقرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب التنصل من الأزمة وتركها دون متابعة أو معالجة، ورغم أن كلا الاحتمالين ما زال قائماً من الناحية النظرية فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في التوصل إلى مذكرة تفاهم أولية تمهد الطريق نحو وقف دائم لإطلاق النار. ولا تكمن المؤشرات الأساسية في هذا الاتجاه في التصريحات العلنية أو المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي بل في حقيقة أن المفاوضات بين واشنطن وطهران استمرت بعيداً عن الأضواء، رغم استمرار إغلاق مضيق هرمز عملياً وتواصل الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي استهدفت مواقع في إيران ومنطقة الخليج و”إسرائيل” ولبنان، بل إن هذه المفاوضات توسعت لتشمل طلب وساطة إضافية من الدوحة وهو ما يعكس استمرار المسار الدبلوماسي رغم التصعيد العسكري. ومن الصواب ألا تقبل إدارة ترامب بالشروط التي تسعى إيران إلى فرضها على طاولة المفاوضات فالاتفاق السيئ يظل أسوأ من غياب الاتفاق، غير أن من الضروري التمييز بين ما يجري التفاوض عليه حالياً وما قد يتحول لاحقاً إلى اتفاق رسمي، فالمطروح الآن ليس اتفاقاً نهائياً بل مذكرة تفاهم تمثل إطاراً عاماً وخطوطاً عريضة للمبادئ والقضايا التي يفترض أن يتناولها أي اتفاق مستقبلي.

ومن المقرر أن تعقب هذه المذكرة فترة تمتد ستين يوماً لإجراء مفاوضات تفصيلية بشأن البرنامج النووي الإيراني، إلا أن هذه المهلة تبدو غير كافية على الأرجح سواء بسبب التعقيدات التقنية المرتبطة بالبرنامج النووي أو بسبب النهج التفاوضي الإيراني المعروف الذي يعتمد غالباً على إطالة أمد المحادثات وكسب الوقت، ويبدو أن طهران تراهن على أن ترامب حتى إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق خلال هذه الفترة، لن يعود إلى الخيار العسكري وهو تقدير قد يكون أقرب إلى الواقع. ومع ذلك سيحتاج ترامب إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من أوراق الضغط خلال تلك المرحلة، ولهذا ينبغي عليه اتخاذ خطوتين أساسيتين:
أولاً: يتعين على الولايات المتحدة الإبقاء على أصولها وقدراتها العسكرية في المنطقة، بما يبعث برسالة واضحة مفادها أن فشل المسار الدبلوماسي في معالجة الملف النووي الإيراني سيجعل الخيارات العسكرية الأخرى مطروحة للنظر.
ثانياً: ينبغي لإدارة ترامب أن تنسق بصورة أكثر جدية وفاعلية مع فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة بهدف صياغة سياسة موحدة تجاه إيران، فالرئيس الأميركي لم ينجح في تحقيق هذا التنسيق قبل اندلاع الحرب، وهو ما أسهم في تعميق الشكوك إزاء القيادة الأميركية، سواء في “الشرق الأوسط” أو داخل أوروبا.
ماذا تقول أوروبا و”الشرق الأوسط”؟
خلال الأيام العشرة الماضية شاركتُ في سلسلة من الاجتماعات والمنتديات في عدد من العواصم الأوروبية من باريس وبروكسل إلى أوسلو والتقيت مسؤولين رفيعي المستوى من تلك الدول، إلى جانب عدد من المسؤولين القادمين من دول “الشرق الأوسط” للمشاركة في الفعاليات نفسها، ومن خلال هذه اللقاءات برزت ثلاث رسائل رئيسية تكررت بصورة لافتة لدى المسؤولين الأوروبيين ونظرائهم في “الشرق الأوسط”.
أولاً: يُبدي العديد من المسؤولين الأوروبيين والخليجيين استياءً واضحاً تجاه واشنطن وتجاه إدارة ترامب على وجه الخصوص، بسبب عدم إشراكهم بصورة جدية في المشاورات التي سبقت اندلاع الحرب، وقد تعزز هذا الاستياء مع ظهور ملامح مذكرة التفاهم المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تبدو حتى الآن إطاراً تفاوضياً ثنائياً لا يمنح الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى دوراً مؤثراً في صياغتها.
ولا يتعلق الأمر بمجرد شعور هذه الدول بأنها مستبعدة من العملية التفاوضية، بل بوجود قناعة متزايدة بأن مصالحها ومتطلباتها الأمنية لا تحظى بالاهتمام الكافي، وتجدر الإشارة إلى أن “إسرائيل” تشارك هذه المخاوف بدرجة كبيرة، وإن كانت تنطلق من اعتبارات مختلفة.
فعلى سبيل المثال تتضمن بعض النقاشات المطروحة احتمالات تخفيف العقوبات الأميركية المفروضة على إيران أو إطلاق خطط استثمارية خليجية لدعم الاقتصاد الإيراني في إطار أي تسوية مستقبلية، إلا أن مثل هذه الطروحات تتعارض مع التوجه السائد لدى العديد من القادة الأوروبيين الذين يرون أن العقوبات تمثل أداة ضغط استراتيجية ينبغي الحفاظ عليها لضمان امتلاك نفوذ فعّال على طهران خلال المفاوضات.
ثانياً: تراجع الثقة بالولايات المتحدة كشريك استراتيجي حيث تتنامى في العديد من العواصم الأوروبية و”الشرق أوسطية” قناعة متزايدة بأن الولايات المتحدة لم تعد الشريك الموثوق الذي كانت عليه في السابق، ونتيجة لذلك بدأت دول عديدة في هاتين المنطقتين باتخاذ خطوات عملية لتنويع مصادر تسليحها وتطوير سلاسل إمداد جديدة تقلل من اعتمادها على الولايات المتحدة.
ومن زاوية معينة يمكن النظر إلى هذا التوجه بوصفه تطوراً إيجابياً، إذ لطالما سعت الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى دفع الحلفاء الأوروبيين و”الشرق أوسطيين” نحو تحمل نصيب أكبر من الأعباء والمسؤوليات الأمنية، ويبدو أن هذه الدول بدأت بالفعل في التحرك بهذا الاتجاه. غير أن الدافع وراء هذا التحول لا يقل أهمية عن التحول نفسه، فلو كان يجري في إطار تخطيط استراتيجي مشترك وتنسيق وثيق مع واشنطن لكانت الولايات المتحدة أكثر قدرة على توجيه مساره والتأثير في نتائجه، أما وقد جاء نتيجة تراجع الثقة بالدور الأميركي فإن قدرة واشنطن على التأثير في خيارات حلفائها ستكون أكثر محدودية. كما أن هذا الواقع يزيد من احتمالات توجه بعض الدول الأوروبية و”الشرق أوسطية” نحو توسيع تعاونها مع قوى منافسة للولايات المتحدة وفي مقدمتها الصين، الأمر الذي قد يقلص قدرة المسؤولين الأميركيين على التأثير في القرارات الاستراتيجية لتلك الدول، ومع ذلك لا يعني هذا التراجع في النفوذ انعدامه بالكامل، فالحلفاء ما زالوا يعتزمون تعزيز اعتمادهم على القدرات العسكرية الأميركية والمظلة الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة، لكنهم باتوا أكثر اقتناعاً بأن واشنطن لم تعد قادرة أو ربما لم تعد راغبة في توفير مستويات الحماية والقدرات الأمنية التي تتطلع إليها دول المنطقتين.
ثالثاً: “إسرائيل” تُنظر إليها بشكل متزايد بوصفها مصدراً لعدم الاستقرار، لم يعد الاعتقاد السائد في أوروبا و”الشرق الأوسط” يقتصر على اعتبار إيران المصدر الوحيد لعدم الاستقرار في المنطقة، فهناك شعور متزايد بل راسخ بأن هذا الدور بات تتقاسمه إيران و”إسرائيل” معاً. في المقابل يرى العديد من المسؤولين في المنطقة أن “إسرائيل” أصبحت أكثر ميلاً إلى استخدام القوة العسكرية باعتبارها الخيار الأول لمعالجة التهديدات التي تواجهها، الأمر الذي جعلها تُنظر إليها أيضاً بوصفها عاملاً مهدداً للاستقرار والأمن الإقليميين، ومن وجهة نظر هؤلاء المسؤولين فإن جذور هذه الأزمة تعود أساساً إلى استمرار غياب تسوية للصراع “الإسرائيلي”-الفلسطيني. ومع ذلك فإن هذا التقييم السائد في أوروبا و”الشرق الأوسط” قد ينطوي على سوء فهم للدوافع الأيديولوجية العميقة التي تحرك السياسة الإيرانية، فحتى لو أُعلنت دولة فلسطينية مستقلة غداً فإن ذلك لن يؤدي بالضرورة إلى إنهاء التهديدات الذي تمثله إيران لمواجهة “إسرائيل”.
ومن الجدير بالذكر أن إيران لم تتبنَّ يوماً بصورة رسمية صيغة حل الدولتين ولم تعلن تأييدها لها، ومع ذلك يبقى الاعتقاد بأن غياب الدولة الفلسطينية يمثل السبب الرئيسي لمعظم أزمات “الشرق الأوسط” اعتقاداً واسع الانتشار في العديد من الأوساط السياسية والدبلوماسية، حتى وإن كان هذا التفسير لا يعكس بالضرورة الواقع بكل تعقيداته.
ما الذي يمكن أن يفعله ترامب بعد ذلك؟
يرتبط بهذه الإشكالية تصورٌ خاطئ يسود لدى العديد من الدول الأوروبية و”الشرق أوسطية” بشأن حجم النفوذ الذي تمتلكه الولايات المتحدة على “إسرائيل”، وقدرة واشنطن الفعلية على تقييد قرارات الحكومة “الإسرائيلية” أو منعها من اتخاذ إجراءات عسكرية، ولا سيما تجاه ما تعتبره تهديدات قريبة في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا. ومع ذلك فقد لمستُ لدى معظم المسؤولين الذين التقيتهم شعوراً متزايداً بالإحباط والقلق، فمهما كانت حدود قدرة الولايات المتحدة على كبح السياسات “الإسرائيلية” فإنها لا تزال تمتلك نفوذاً يفوق نفوذ أي طرف آخر، ولهذا السبب يطالب هؤلاء المسؤولون إدارة الرئيس دونالد ترامب باستخدام هذا النفوذ بصورة أكثر فاعلية وهو ما ينبغي عليه فعله بالفعل.
وبغض النظر عن نتائج الانتخابات النصفية المقبلة في الولايات المتحدة لا يزال أمام ترامب عامان إضافيان في ولايته الثانية، وقد اعتاد عدد من الرؤساء الأميركيين استثمار سنواتهم الأخيرة في البيت الأبيض للتركيز على ملفات السياسة الخارجية، إلا أن كثيراً من المراقبين يتوقعون أن يسلك ترامب مساراً معاكساً، وأن يتجه إلى تقليص انخراطه في “الشرق الأوسط” والقضايا الدولية الأوسع بمجرد التوصل إلى مذكرة تفاهم مع إيران. غير أن ترامب وفق هذا المنظور ينبغي أن يثبت خطأ هذه التوقعات وكذلك خطأ الحسابات الإيرانية من خلال تكثيف جهوده وجهود فريقه للتوصل إلى اتفاق شامل ومستدام لا يقتصر على معالجة البرنامج النووي الإيراني فحسب، بل يشمل أيضاً برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني وشبكة الدعم التي تقدمها طهران لمحور المقاومة، بما في ذلك حZب الله وحركة حماس وجماعة أنصار الله الحوثيين وغيرها من الفصائل المرتبطة بها.
علاوة على ذلك ينبغي لترامب أن يعيد الانخراط بشكل مباشر في ملف الصراع “الإسرائيلي”-الفلسطيني، فعلى الرغم من أن خطة “السلام من أجل الازدهار” التي طرحتها إدارته خلال ولايته الأولى لإنهاء الصراع قوبلت آنذاك بانتقادات واسعة من جانب الدول الأوروبية والعربية، في حين حظيت بقبول كبير من رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو فإن المشهد الإقليمي شهد منذ ذلك الحين تحولات عميقة. فبعد هجوم حركة حماس في السابع من تشرين الأول 2023، تراجعت بشكل كبير داخل “إسرائيل” الرغبة السياسية في مناقشة إقامة دولة فلسطينية، حتى بين قطاعات واسعة من الطيف السياسي “الإسرائيلي”.
ومع ذلك وبعد مرور ست سنوات ونصف تقريباً على طرح الخطة أصبحت الأوضاع أكثر تدهوراً وتعقيداً كما ازدادت مستويات الإحباط واليأس لدى مختلف الأطراف، ومن غير المرجح أن تنجح أي مبادرة سياسية سواء استندت إلى حل الدولتين أو إلى أي صيغة أخرى، في إنهاء الصراع بصورة نهائية ما دام كل من نتنياهو ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في موقعيهما الحاليين.
لكن الهدف من إعادة الانخراط الأميركي لا ينبغي أن يكون حل الصراع بشكل كامل بل احتواء الأزمة ومنع تفاقمها، وفي هذا السياق ينبغي لترامب العمل على وقف أي خطوات ضم جديدة للأراضي الفلسطينية والتصدي لأعمال العنف التي يمارسها المستوطنون في الضفة الغربية، وتعزيز الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار في غزة، إلى جانب الاستمرار في دعم الأمن “الإسرائيلي” إذ إن تراجع هذا الدعم من شأنه أن يضعف أيضاً قدرة الولايات المتحدة على التأثير في القرارات “الإسرائيلية”.
ويمثل هذا التوجه طموحاً سياسياً كبيراً ومعقداً لكنه في الوقت ذاته قد يشكل أحد أبرز العناصر التي تحدد الإرث السياسي لترامب في ولايته الثانية، غير أن تحقيق هذا الهدف يبدأ أولاً بإتمام مذكرة تفاهم مع إيران، ورغم حالة الاستياء التي يبديها العديد من القادة الأوروبيين و”الشرق أوسطيين” بسبب استبعادهم من عملية التفاوض، فإنهم جميعاً تقريباً يرغبون في رؤية هذه المذكرة تتحقق باعتبارها خطوة قد تفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقراراً في المنطقة.




