الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
ما وراء الحوارات الكبرى في العلاقات الدولية
كيف صنعت الأكاديميا الغربية أسطورة تاريخها الخاص؟

بقلم: الباحث محمد مكي الطاهر
السودان
منذ نشأة حقل العلاقات الدولية بوصفه تخصصاً أكاديمياً مستقلاً في مطلع القرن العشرين، اعتاد الباحثون والطلاب على تلقي قصة تبدو للوهلة الأولى منطقية ومتماسكة عن تاريخ هذا الحقل. فالعلاقات الدولية – وفق الرواية الشائعة – لم تتطور عبر تراكم معرفي هادئ، بل عبر سلسلة من “الحوارات الكبرى” التي تناوبت فيها المدارس الفكرية على نقد بعضها البعض، وتجاوز قصورها، وتطوير أدوات أكثر قدرة على تفسير السياسة العالمية. هكذا تبدأ القصة بصدام المثالية والواقعية عقب الحرب العالمية الأولى، ثم تنتقل إلى الجدل المنهجي بين التقليديين والسلوكيين، ثم إلى حروب النماذج الإرشادية، وصولاً إلى السجالات الميتا-نظرية بين الوضعيين وما بعد الوضعيين.
غير أن هذه الرواية التي أصبحت جزءاً من الوعي الجماعي للحقل تبدو، عند إخضاعها للفحص النقدي، أقل شبهاً بالتاريخ وأكثر شبهاً بالأسطورة التأسيسية. فهي لا تقدم وصفاً محايداً لما حدث فعلاً، بقدر ما تقدم تفسيراً انتقائياً للتاريخ صيغ بأثر رجعي من أجل منح الحقل هوية منسجمة وتاريخاً بطولياً يشبه تاريخ العلوم الطبيعية. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري:
هل كانت “الحوارات الكبرى” بالفعل أحداثاً تاريخية حقيقية شكلت تطور العلاقات الدولية، أم أنها بناء هستريوغرافي جرى اختراعه لاحقاً لتنظيم الذاكرة الجماعية للحقل وإضفاء الشرعية على المدارس المهيمنة داخله؟
تكمن أهمية هذا السؤال في أن تاريخ أي حقل معرفي ليس مجرد سجل للأفكار، بل هو أيضاً سجل للصراعات حول السلطة والشرعية والاعتراف. فالمعرفة لا تنتج في فراغ، وإنما داخل مؤسسات وجامعات ومراكز أبحاث ومجلات علمية تتنافس على تحديد ما الذي يُعتبر معرفة مشروعة وما الذي يُصنف باعتباره انحرافاً أو هامشاً أو خطاباً غير علمي. ومن ثم فإن كتابة تاريخ الحقل ليست عملية وصف بريئة، بل هي فعل سياسي ومعرفي في آن واحد.
من هذه الزاوية تحديداً يصبح من الضروري النظر إلى “الحوارات الكبرى” ليس بوصفها سلسلة من المناظرات الفكرية فحسب، بل بوصفها آلية لإنتاج النظام المعرفي نفسه. فالسردية لا تخبرنا فقط بما حدث، بل تخبرنا أيضاً بمن يحق له الكلام، وما هي الأسئلة المقبولة، وما هي النظريات التي تستحق أن تدرّس للأجيال الجديدة. إنها تحدد حدود الممكن التفكير فيه داخل الحقل، وترسم الخط الفاصل بين الأرثوذكسية والهرطقة الأكاديمية.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه السردية أنها تقدم تاريخ العلاقات الدولية بوصفه تاريخاً داخلياً خالصاً للأفكار، بينما تتجاهل بصورة منهجية الظروف الاجتماعية والسياسية التي تشكلت فيها تلك الأفكار. فالحقل يظهر في الكتب الدراسية وكأنه نتاج نقاشات فلسفية مجردة حول الحرب والسلام والتعاون الدولي، في حين أن جذوره الحقيقية كانت متشابكة بصورة عميقة مع المشروع الإمبراطوري الغربي، ومع حاجات الإدارة الاستعمارية، ومع محاولات تنظيم النظام الدولي بطريقة تحفظ الهيمنة الأوروبية ثم الأمريكية.
لقد بينت موجة الهستريوغرافيا النقدية التي ظهرت منذ تسعينيات القرن الماضي أن كثيراً من المسلمات التي تقوم عليها سردية الحوارات الكبرى لا تصمد أمام التدقيق التاريخي. وكان المثال الأكثر شهرة هو ما عرف بـ”الحوار الأول” بين المثاليين والواقعيين. فقد أظهرت أعمال بيتر ويلسون ولوسيان آشورث وغيرهما أن هذا الحوار، بالشكل الذي يروى به عادة، لم يحدث في الواقع. لم توجد مدرسة موحدة تُدعى “المثالية” بالمعنى الذي تصوره الأدبيات التقليدية، ولم يكن مفكرو ما بين الحربين مجموعة من الحالمين السذج الذين تجاهلوا اعتبارات القوة والأمن. بل كان المشهد الفكري أكثر تعقيداً وتنوعاً بكثير مما تسمح به الثنائية المبسطة بين المثالية والواقعية.
في هذا السياق يبدو إدوارد كار، الذي غالباً ما يقدم باعتباره أحد مؤسسي الواقعية الحديثة، شخصية محورية في صناعة هذه الأسطورة. فكتاب “أزمة العشرين عاماً” لم يكن مجرد نقد فكري لخصومه، بل كان أيضاً ممارسة بلاغية أعادت رسم الخريطة الفكرية للحقل بطريقة تجعل الواقعية تظهر بوصفها البديل العقلاني الوحيد الممكن. لقد احتاجت الواقعية إلى خصم مثالي مهزوم كي تبرر صعودها، فتم اختراع هذا الخصم وإعادة تشكيله بأثر رجعي داخل الذاكرة الجماعية للتخصص.
وإذا كان الحوار الأول قد تأسس على بناء بلاغي، فإن الحوار الثاني بين التقليديين والسلوكيين يكشف عن بعد آخر أكثر ارتباطاً بسوسيولوجيا المعرفة. فمن الصعب فهم صعود السلوكية في ستينيات القرن العشرين بمعزل عن السياق الأمريكي للحرب الباردة، وعن الحاجة إلى إنتاج معرفة قابلة للقياس والتنبؤ تخدم المؤسسات الأمنية والعسكرية وصناع القرار. لم يكن الأمر مجرد نقاش منهجي حول أفضل طرق البحث، بل كان أيضاً صراعاً على تعريف ما يعنيه أن يكون البحث “علمياً” في المقام الأول. ومن خلال هذا الصراع نجحت السلوكية في فرض معايير جديدة للشرعية الأكاديمية جعلت من المناهج الكمية والاختبار التجريبي معياراً مركزياً للحكم على جودة المعرفة.

عالِم اجتماع فرنسي
هذا البعد السلطوي في إنتاج المعرفة يصبح أكثر وضوحاً عند الاستعانة بأدوات بيير بورديو وميشيل فوكو. فمن منظور بورديو، لا يمكن النظر إلى العلاقات الدولية باعتبارها فضاءً معرفياً محايداً، بل هي حقل اجتماعي تتنافس داخله جماعات مختلفة على احتكار رأس المال الرمزي. أما من منظور فوكو، فإن الخطابات العلمية ليست مجرد أوصاف للعالم، وإنما أنظمة للسلطة تحدد ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله. وعندما تُقرأ الحوارات الكبرى في ضوء هذين المنظورين، فإنها تظهر كجزء من آلية واسعة لإنتاج الدوكسا الأكاديمية؛ أي ذلك المخزون من المسلمات التي تُقبل بوصفها بديهية دون أن تخضع للفحص النقدي.
ومن هنا يمكن فهم الوظيفة الحقيقية لسردية الحوارات الكبرى. فهي لا تعمل فقط كأداة تعليمية لتبسيط تاريخ الحقل، بل تؤدي دوراً أكثر عمقاً يتمثل في إعادة إنتاج هوية التخصص ذاته. ففي غياب موضوع دراسة محدد ومتفق عليه بصورة نهائية، تصبح هذه السردية هي الخيط الذي يجمع أعضاء الحقل ويوفر لهم شعوراً بالانتماء إلى مشروع معرفي واحد. إنها تؤدي وظيفة شبيهة بالأساطير المؤسسة في الجماعات السياسية، فهي تمنح الأفراد قصة مشتركة عن الأصل والهوية والمصير.
غير أن لهذه الوظيفة ثمناً معرفياً باهظاً. فالسردية لا توحد الحقل فحسب، بل تستبعد أيضاً كل ما لا ينسجم معها. وهكذا تم تهميش التاريخ الاستعماري للعلاقات الدولية، وإقصاء المساهمات القادمة من خارج المركز الأنجلو-أمريكي، وتحويل تجارب الجنوب العالمي إلى مجرد حالات تطبيقية لنظريات صيغت في سياقات مختلفة تماماً. وبذلك أصبحت الحوارات الكبرى إحدى الأدوات الرئيسية التي أعادت إنتاج المركزية الغربية داخل الحقل تحت غطاء الحياد العلمي والموضوعية الأكاديمية.
إن أخطر ما في هذه العملية أنها تجعل الهيمنة تبدو طبيعية. فالطالب الذي يدخل حقل العلاقات الدولية يتعلم منذ البداية أن تاريخ التخصص هو تاريخ تلك الحوارات، وأن النظريات الأساسية هي تلك التي شاركت فيها، وأن أي مساهمة جديدة يجب أن تُعرّف نفسها من خلال موقعها داخل هذه السلسلة التاريخية. وهكذا تتحول السردية إلى إطار ذهني يحدد مسبقاً ما الذي يمكن التفكير فيه وما الذي لا يمكن التفكير فيه.
ومن هنا تنبع الحاجة إلى إعادة كتابة تاريخ العلاقات الدولية بصورة مختلفة، كتابة لا تنطلق من الحوارات الكبرى بوصفها حقائق مقدسة، بل تنظر إليها بوصفها موضوعاً للتحليل والنقد. فالتاريخ الحقيقي للحقل ليس تاريخ انتصار النظريات على بعضها البعض، بل تاريخ الصراعات حول تعريف المعرفة ذاتها، وحول من يمتلك سلطة إنتاجها وتوزيعها ومنحها الشرعية.



