الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
سلاح التقارب البيولوجي – الرقمي
مستقبل الحروب الهجينة في ظل دمج التقنيات الحيوية بساحات المعارك

بقلم: حسن فاضل سليم
باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
لطالما استخدمت الدول الافواج، الالوية، الفرق والفيالق البشرية المزودة بأنواع الأسلحة والاعتدة في عملياتها العسكرية والحروب المتبادلة حيث كان البشر يخوضون صدامات دامية تودي بحياة العديد منهم، ومع تطور الأسلحة وأنظمة الحرب ومع دخول عصر الحروب الهجينة والذكاء الاصطناعي تراجع تأثير الجندي البشري في ساحة المعركة وبات صيداً سهلاً لأنواع مختلفة من الأسلحة الأكثر فتكاً، وهو ما يحفز المفكرين والمنظرين العسكريين للتفكير ليس فقط بتقليل الاعتماد على الجندي البشري الى حد استبداله بالكامل بل أيضاً التفكير بطريقة جديدة يمكن ان يحموا بها الجندي البشري او ينشئون أنواع جديدة من الجنود البشر المهجنين، ساعدهم في ذلك تطور التقنيات البيولوجية ودراسات الحمض النووي والجينات وغيرها، من الدراسات البيولوجية المتطورة، تحاول هذه المقالة قراءة اهم الأفكار والطروحات والمشاريع القائمة على التقارب بين البيولوجيا والتكنولوجيا العسكرية.
مفهوم التقارب البيولوجي – الرقمي
يعرف التقارب بانه عملية الاندماج التفاعلية بين التكنولوجيا الرقمية التي تصل احياناً الى حد الدمج الكامل بين التقنيات والأنظمة الرقمية البيولوجية وهو تقارب يحدث بثلاث طرق هي:
-
التكامل المادي للكيانات البيولوجية والرقمية: حيث يتم زرع التكنولوجيا الرقمية في الكائنات الحية، او جعل التقنيات الرقمية تتضمن مكونات بيولوجية مثل الروبوتات التي يمكن أن تزود بأدمغة حية او الأجسام الحية التي تزرع فيها انظمة الكترونية.
-
التطور المشترك للتقنيات البيولوجية والرقمية: وهو تطور يحدث عندما تحدث تطورات في أحد المجالين بما يؤثر في تطور المجال الآخر بشكل كبير، فلولا الحواسيب الفائقة وبرامج الذكاء الاصطناعي، لما تمكنا من فهم الجينات والأنظمة الحية المعقدة (كالبكتيريا أو جسم الإنسان) بهذا العمق. لقد أعطت التكنولوجيا الرقمية علماء الأحياء أدوات تحليل ضخمة جعلت من الممكن دراسة الحياة وتعديلها بطرق كانت تعتبر مستحيلة قبل سنوات قليلة. في المقابل، دراسة الطبيعة تلهم المبرمجين لصنع أنظمة رقمية أذكى، مثال ذلك خضوع البكتريا والفطريات والنباتات والحيوانات والبشر الى الفحص والفهم المستمر من قبل الأدوات والتطبيقات الرقمية سيما مع ميزة التعلم الذاتي للذكاء الاصطناعي وهو امر يؤدي لفهم أعمق للمشكلات من قبل التقنيات مما يخضع العلم الأحيائي للتأثير والتلاعب الرقمي الذي لم يكن ممكناً قبل سنوات.
-
التقارب المفاهيمي بين الأنظمة البيولوجية والرقمية: وهي الطريقة الثالثة للتقارب البيولوجي الرقمي والتي لا ترتبط بالأجهزة والأنظمة بل بتبدل مفهوم وفلسفة الحياة ذاتها، حيث ان ما تعودنا عليه هو ان الكائنات الحية لها حياة ترتبط بالروح بشكل طبيعي اما الآلات تمثل أدوات جامدة لا تتحرك الا اذا قام الانسان بتشغيلها، لكن في العصر الرقمي حيث تذوب الحدود الفاصلة بين الحياة والجماد، اصبح العلماء يتعاملون مع علم الأحياء كعلم رقمي، فعلى سبيل المثال باتت الجينات المسؤولة عن نقل المورثات تعامل كقاعدة بيانات يمكن قراءتها وتوقع سلوكها ونتائجها والعمل على ادارتها رقمياً، إذ يتعامل الجيل الجديد من علماء الأحياء مع الخلايا الحية بنفس العقلية التي يتعامل بها المبرمج مع الحواسيب.
آليات توظيف التقارب البيولوجي – الرقمي في الشؤون العسكرية
يؤدي دمج البيولوجيا في التقنيات الناشئة الى فتح آفاق عسكرية غير مسبوقة كما ورد في تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لدراسات السلام (سيبري) صدر في آذار 2019 حدد التقرير عدد من التهديدات والأسلحة الناجمة عن التقارب البيولوجي-الرقمي وتتمثل بـ:
-
أسلحة بيولوجية فائقة التوجيه: بفضل تطور الذكاء الاصطناعي اصبح بإمكان العلماء تعزيز قدراتهم الابتكارية في مجالات تصميم وهندسة عوامل بيولوجية لا تهاجم سوى فرد واحد او مجموعة عرقية محددة بناءً على تركيبتهم الجينية او نقاط الضعف في جهازهم المناعي([1]).
-
أتمتة مسببات الامراض: يمكن استخدام الروبوتات وخوارزميات تعلم الآلة في المعامل المختبرية لتحليل واختبار الخصائص الجينية للفيروسات والبكتريا بكفاءة عالية، وهو ما يمكن ان يستغل عسكرياً لتحسين سرعة انتقال مسببات الامراض او زيادة ضراوتها ومقاومتها للعلاجات الطبية لتكون أسلحة فتاكة([2]).
-
أنظمة توصيل الأسلحة البيولوجية المبتكرة: يمكن ان تعمل الجيوش على استخدام الطباعة الثلاثية الأبعاد كما تستخدمها اليوم في طباعة طائرات الدرونز التي يمكن تعديلها لحمل ورش العوامل البيولوجية مثل الفيروسات والبكتريا والفطريات المسببة للأمراض الخطيرة واستهداف منطقة او مجتمع او دولة محددة بالهجوم البيولوجي، هذا فضلاً عن استخدام الدرونات التجارية والروبوتات المستخدمة في الزراعة والدرونات متناهية الصغر لنقل مسببات الامراض من مكان الى اخر.
-
الطب العسكري والتنبؤي الشخصي: يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل قواعد البيانات الهائلة التي تستحصل من الافراد عبر تطبيقات الصحة المربوطة على أجهزة جوالهم ومن أتمتة المستشفيات والمراكز الصحية التي توفر بيانات طبية هائلة عن الصفات الوراثية والامراض المزمنة والنشاطات اليومية ونمط التغذية حيث تستخدم هذه البيانات عبر فلترتها وتحليلها بواسطة الذكاء الاصطناعي في تعزيز قدرات الجندي وتحديد استجابته لعوامل بيولوجية معينة وتحديد العلاجات المناسبة ليقاوم سلاحاً بيولوجياً معيناً، كما تستخدم هذه البيانات من قبل أجهزة الاستخبارات الدولية لمهاجمة الافراد والمجتمعات عبر أسلحة بيولوجية محددة وتحديد مسببات الامراض المناسبة للتأثير على صحتهم العامة وتخفيض معدلات الحياة لديهم.
فيما تحذر تقارير أخرى ودراسات من إمكانية انشاء ما يعرف بـ”الجنود الخارقين” او “الجنود المهجنين” من خلال دمج التكنولوجيا في الاجسام الحيوية للجنود لتعزيز قدراتهم بما يفوق القدرات البشرية الطبيعية من خلال زرع شرائح تقنية في أدمغة الجنود لربطهم بالحواسيب المزودة بالذكاء الاصطناعي لزيادة تركيزهم وتقليل اجهادهم وتحسين قدراتهم المعرفية والجسدية([3]).
كما تجري بعض الجيوش أبحاث متقدمة لاستخدام العلاج الجيني للوقاية من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية من خلال حقن الجنود بجينات تدمج مع خلاياهم تمكن اجسامهم من إفراز إنزيمات تفكك غازات كيميائية مثل غاز الاعصاب وتضعف فاعليته على الجسد، وكذلك تفرز اجسام مضادة تعزز قدرة الجهاز المناعي على التصدي للأمراض البيولوجية المتطورة مما يجعلها اشبه بأسلحة لقاحات وقائية ضد الأسلحة البيولوجية والكيميائية([4]).
ومن الجدير بالذكر ان التقرير أعلاه صدر عن معهد ستوكهولم المتخصص بمراقبة التسلح الدولي في اذار 2019 مما يعني ان تقنيات ابتكار وتصميم الفيروسات كانت موجودة قبل تاريخ انتشار جائحة كورونا التي انطلقت في كانون الأول من العام ذاته ما يجعل الافتراضات التي صنفت على انها افتراضات ضمن نظرية المؤامرة تبدو دقيقة من الناحية التكنولوجية، وان وصفها بنظرية المؤامرة كان من باب التمويه على حقيقتها.
تداعيات التقارب البيولوجي – الرقمي على الأمن القومي للدول الهشة
يفرض التقارب البيولوجي-الرقمي تحديات جوهرية على مفهوم “السيادة”. في هيكل القوة العالمي الحالي، أصبحت الدول التي تمتلك الريادة في “الذكاء الاصطناعي الحيوي” قادرة على ممارسة هجوم غير مرئي.
إن الدولة التي لا تمتلك القدرة على مواجهة التهديدات البيولوجية-الرقمية ستجد نفسها مخترقة سيادياً في أجساد مواطنيها، وتواجه تهديداً يمس الصحة العامة لمواطنيها وتهديداً يتمثل في إمكانية مواجهتها لجنود خارقين وحشرات او حيوانات او نباتات معدلة ومدمجة بالتكنولوجيا الرقمية تجعل الدولة اكثر انكشافاً وعرضة للهجمات الغامضة على صحة مواطنيها وعلى طبيعة نظامها البيئي، مما يعني ان الدول تواجه تحديات تمس الأمن القومي البيئي الإيكولوجي والأمن القومي الحيوي، مما يفرض على الدول لاسيما الهشة والتي تعاني من تبعية طبية وعلمية ان تعمل على تعزيز سيادتها الوطنية على نظامها البيئي والصحي من خلال دعم البحث العلمي الوطني المستقل وتعزيز السيادة العلمية الوطنية.
خاتمة
إن التقارب البيولوجي-الرقمي ليس مجرد تطور تقني، بل هو إعادة تعريف للسياسة والقوة. في الحروب الحديثة، حيث يصبح الإنسان وبيئته المحيطة هدفاً لهجمات غير مرئية تستهدف صحته العامة وسلامة النظام البيئي الذي يعيش فيه من حيث سلامة الهواء والتربة والمياه والمواد الغذائية التي يتناولها، كما ان التقارب البيولوجي-تكنولوجي يفرض على الاستخبارات الاستراتيجية للدول ان تحتاط حتى من الحشرات والحيوانات التي يمكن ان تكون عبارة عن كائنات مهجنة تعمل كمنصات رصد غير مرئية أو أسلحة هجومية فتاكة لا يمكن رصدها ومواجهتها بالوسائل والأسلحة التقليدية، لذلك فإن فهم هذه الاستراتيجية يعد ضرورة قصوى لصناع القرار والمحللين الاستراتيجيين لضمان صمود الدولة في وجه تهديدات متطرفة تشمل جميع نواحي الحياة وتعسكر وترقمن الكائنات الحية الموجودة في الطبيعة.
المصادر
-
Exploring Biodigital Convergence, What happens when biology and digital technology merge?, ECONOMIC FUTURES Reports, Canada: policy Horizons , 2019.
-
Ciprian Pater, The Emergence of Bio-Digital Convergence as Wide Body Area Control Grid Network, UIA- USA: University of Agder, July/2025.
-
James Giordano & Rachel Wurzman, Neurotechnologies as weapons in national intelligence and defense – An overview, SYNESIS A Journal of Science, Technology, Ethics, and Policy, UNITED STATES Potomac Institute for Policy Studies, 2011.
)[1]( kolja brockmann, sibylle bauer and vincent boulanin, BIO PLUS X Arms Control and the Convergence of Biology and Emerging Technologies, Sipri report, STOCKHOLM INTERNATIONAL PEACE RESEARCH INSTITUTE, Stockholm, march 2019, p18.
)[2]( Ibid, p23.
)[3]( Asmaa M Ammar, Noha A Elleboudy, Shimaa E Mohammed, The future of warfare: Arthropods as blueprints for military innovation, Arthropods in warfare, Vol. 18, No. 2, August, 2025, p99.
)[4]( Peter H. Schwartz, Ethics of Gene Therapy in the Military: Promise and Potential Problems, Molecular Therapy, The American Society of Gene and Cell Therapy,Vol. 28 No 4 April 2020, p987.




