الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
مبدأ الناتو 3.0.. تصاعد الدور التركي مع إعادة ترتيب الأولويات الدفاعية

بقلم: حسن فاضل سليم
باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
تمثل قمة حلف شمال الأطلسي الاخيرة في انقرة واحدة من اهم قمم الحلف التي يمكن لا نبالغ بمقارنتها بقمم سابقة تلت الحرب الباردة انتجت مفهوم الأطلسية الجديدة التي تمثل النسخة الثانية من الحلف في تسعينات القرن الماضي، فإن القمة الجديدة يمكن القول انها انتجت النسخة الثالثة من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتي تقوم على ربط دول الحلف بمنظومة رقمية دفاعية مشتركة ورفع نسبة مساهمة اعضاء الحلف الى أكثر من 2% من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة ضمن موازنة الحلف، مع تعزيز دور تركيا في الحلف، تحاول هذه المقالة قراءة هذه التطورات بشيء من التفصيل.
أولاً: حلف الناتو ومحاولة رأب الصدع
سبق أن قمنا في مقالة سابقة العام الماضي بالكتابة عن ازمة تصدع حلف شمال الأطلسي بفعل سياسة ترامب القائمة على اولوية الولايات المتحدة وارغام دول الحلف على تعزيز مساهمتها في الميزانية لتخفيف الاعباء المالية التي تتحملها الولايات المتحدة من دعم الحلف،([1]) واليوم يبدو أن دول أوروبا تستجيب الرغبة ترامب في تعزيز مساهمتها في الحلف من خلال تفعيل مبدأ الناتو 3.0 حسب ما وصفه مارك روته الأمين العام لحلف شمال الأطلسي في القمة المنعقدة في انقرة.
يقوم مبدأ “الناتو 3.0” على زيادة المساهمة الاوروبية في حلف شمال الأطلسي بشكل اكبر ليس على مستوى زيادة الإنفاق الدفاعي فحسب بل أيضا من خلال زيادة المشاركة رفع وتيرة انتاج الأسلحة والذخائر وزيادة الاستثمار في قطاع الصناعات الدفاعية، بمعنى زيادة عملية توطين الصناعات الدفاعية في دول الحلف بدل الاعتماد بشكل اساسي على الأسلحة المصنعة في الولايات المتحدة، كما اتفقت دول الحلف على انشاء منصة رقمية موحدة تعمل على ربط جيوش الحلف بشبكة إلكترونية واحدة تساعد قوات الحلف على تبادل المعلومات وتنسيق الجهود العملياتية المشتركة من خلال سحابية بيانات رقمية موحدة تسهل عملية تبادل المعلومات الاستخبارية وقيادة العمليات المشتركة.

كما تعمل المنصة الرقمية الموحدة على ربط تقنيات الذكاء الاصطناعي بمنظومة اتخاذ القرار لدول الحلف مما يعمل على ترشيد عملية اتخاذ القرارات من خلال زيادة الدقة والسرعة في اتخاذ القرار.
بالتالي يكون حلف شمال الأطلسي انتقل من فكرة التحالف العسكري التقليدي إلى بناء شبكة أمنية رقمية وصناعية متكاملة.
كما يقوم المبدأ الجديد على تراجع المكانة المركزية للولايات المتحدة في قيادة الحلف وتوزيع اعباء القيادة على عدة أطراف اقليمية داخل القارة الاوروبية ابرزهم تركيا بحكم قربها من الجبهة الاوكرانية والجبهة الايرانية، والاهم من ذلك تركيز بوصلة الحلف الدفاعية باتجاه منطقة “الشرق الأوسط” بدلا من التركيز فقط على التهديد الروسي لأوروبا.
ولعل تسمية “الناتو 3.0” لا تعني فقط نسخة ثالثة من حلف شمال الأطلسي بل تعني ايضا ان الحلف يهتم باستراتيجيته الجديدة على مواجهة التهديدات في ثلاث دوائر جغرافية الاولى هي دائرة اوراسيا حيث التهديد التقليدي للناتو المتمثلة بروسيا، والدائرة الثانية هي “الشرق الأوسط” حيث تداعيات الحرب على الجمهورية الإسلامية في إيران واغلاق مضيق هرمز مما تطلب من هذه الدول التعاون لمحاولة اعادة الملاحة الى المضيق، اما الدائرة الثالثة فتتمثل بمنطقة المحيطين الهندي والهادي حيث النفوذ المتنامي للصين الذي تشعر دول الحلف بأنه يهدد مصالحها وهيمنتها داخل النظام الدولي.
ولعل اتجاه الحلف للأداء الاستراتيجي في ثلاث دوائر جغرافية جاء استجابة لصعود المثلث الاستراتيجي الذي يضم القوى التعديلية الثلاث الرئيسية وهي روسيا والصين والجمهورية الإسلامية في إيران، حيث تخشى دول الحلف بعد لهيمنتها داخل النظام الدولي واستفادتها من الاحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة ان ينفرط عقد الحلف نتيجة للخلافات البينية بما يفضي لتصاعد نفوذ القوى التعديلية الثلاث بشكل يؤدي لخسارة دول الحلف المكتسبات التي حققتها خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة واضطرارها للعودة لحالة الصراعات والازمات الاقتصادية الكبرى والانقسامات البينية فيما بينها، مع هيمنة قوى من خارج الحضارة الغربية على المشهد العالمي، وهو امر قد يؤدي لانقلاب مشهد التبعية العالمية وتحول الدول الصناعية المتقدمة الى دول متأخرة والدول الصاعدة التي كانت في وقت ما دول نامية تتحول الى دول صناعية متقدمة تصدر التكنولوجيا والقيم للدول الغربية ، وهو اكثر ما يخشاه صناع القرار في هذه الدول ومعهم مفكريهم وسائر الانتلجنسيا هناك.
بالتالي وفقاً لما صدر من قمة الحلف الاخيرة فقد كانت محاولة لإنتاج نسخة جديدة من حلف شمال الاطلسي تختلف عن النسختين السابقتين فاذا كانت نسخة “الناتو 1.0” قد رسخت الردع ضد الاتحاد السوفيتي بين عامي 1949-1991 ونسخة “الناتو 2.0” قد وضعت قواعد جديدة لاستمرار الحلف من بينها التوسع شرقاً وزيادة عدد الاعضاء ومكافحة الارهــ ــاب كنمط جديد من التهديدات، فأن نسخة “الناتو 3.0” تعيد تعريف التهديدات التي تستوجب التصدي لها على ثلاث جبهات رئيسية، لكنها ايضا تأتي في ظل انقسام حاد بين الحلفاء وتقليص الولايات المتحدة من مركزيتها والتزاماتها تجاه الحلف محاولةً نقل جزء كبير من اعباء هذه الالتزامات الى الدول الاخرى للحلف وعلى رأسها تركيا.
ثانياً: الدور التركي في الحلف من الهامش الى المركز
تعد تركيا من ابرز أعضاء حلف الناتو الذين كان لهم دور منذ تأسيس الحلف ففي النسخة الأولى من حلف الناتو في مرحلة الحرب الباردة كان الدور التركي هامشيًّا ومقتصرًا على كونها قاعدة متقدمة في مواجهة الاتحاد السوفيتي وتطويقه، كما كان دورها مثيرًا للجدل بسبب خلافاتها وحربها مع اليونان حول جزيرة قبرص، اما في النسخة الثانية فبقي الدور الهامشي مستمرًا، لكن في النسخة الثالثة من حلف الناتو فأنها من الممكن ان تحظى بدور اكبر ومركزي بالتزامن مع تراجع أولوية الناتو بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية ودعوتها الدول لتحمل المزيد من الأعباء في ميزانية الحلف، سيما مع تراجع قدرات المانيا وفرنسا على الاضطلاع بدور مركزي نتيجة انشغالهم بالازمات الاقتصادية ومحاولات دعم أوكرانيا المكثفة وتداعيات الحرب الأوكرانية عليهم، فضلاً عن انكفاء بريطانيا فأن تركيا باتت اللاعب الأبرز الذي يمكن ان يعتمد عليه الحلف لتعزيز الجهود المشتركة في مواجهة التهديدات الجيوسياسية سيما على المحورين الاوراسي و”الشرق اوسطي”.
كما ان ريادة تركيا في قطاع الصناعات الدفاعية تطورت بشكل ملحوظ، إذ فرضت الشركات التركية (مثل “أسيلسان”) نفسها كعنصر لا غنى عنه لإمداد أوروبا بالأسلحة والتقنيات المتقدمة بوتيرة أسرع وتكلفة أقل([2]). وهو ما شجع أردوغان على الإعلان عن تخصيص 24 مليار دولار لمشروع منظومة “القبة الفولاذية” للدفاع الجوي لدعم منظومة الناتو بحلول عام([3]) 2030.
ويعود ذلك الى استغلال تركيا لقمة الناتو المنعقدة على اراضيها للتخلص من القيود والعقوبات المفروضة عليها بموجب “قانون كاستا” سيما تلك المفروضة على قطاع الصناعات الدفاعية التركية مما أدى الى الاتفاق على محاولة ادماج الصناعات الدفاعية التركية في المنظومة الأمنية للحلف بما يعزز من مكانة تركيا الاستراتيجية ضمن الحلف، إذ عقد الرئيس التركي اجتماعا مع الرئيس الأمريكي على هامش القمة اتفقا فيه على عودة تركيا الى برنامج طائرات “f35” وطائرات “قآن” التركية مقابل قيام تركيا ببيع منظومة “S-400” الروسية التي سبق ان اشترتها تركيا قبل سنوات وكانت سببا في الخلافات مع إدارة ترامب الأولى، وهي تطورات تجعل الدور التركي لا غنى عنه لادارة المنظومة الدفاعية والعسكرية للحلف مع ادماج الأسلحة التركية ضمن القدرات العسكرية لحلف الناتو بشكل رئيسي.
بالإضافة الى ثورة الصناعات الدفاعية التي يعمل حلف الناتو على اطلاقها استجابة للتحديات الجيوسياسية التي تواجه دول الحلف ودور تركيا بهذه الثورة في تغطية حاجة الحلف، فإن دور الأخيرة لا يقتصر على جانت الصناعات الدفاعية بل دورها الدبلوماسي كفاعل محوري في مواجهة مناطق الازمات القريبة من الحلف، فتركيا على الرغم من تزويدها لأوكرانيا بالأسلحة في الحرب ضد روسيا الا انها تحتفظ بقنوات اتصال مفتوحة مع روسيا ما يجعلها شريكا أساسيا في عملية تسوية دبلوماسية للحرب التي تقض مضاجع أوروبا، كما انها أيضا تحتفظ بعلاقات إيجابية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولعبت دوراً مهماً في المفاوضات الإيرانية الامريكية لوقف اطلاق النار ما مكنها من التحول لفاعل استراتيجي على المستويين السياسي والعسكري لا غنى عنه لدول حلف الناتو وفي استراتيجية الحلف الجديدة، كما ان دور تركيا في سوريا وعلاقاتها الإيجابية مع العراق يجعلها قادرة على أداء دور كبير في ضبط استقرار منطقة “الشرق الأوسط” وتهدئة الاضطرابات فيها.
ثالثاً: الاحتواء والتأجيل بدلا من الحل والتسوية
على الرغم من استجابة الدول الاوربية لبعض مطالب ترامب سيما تلك المتعلقة بزيادة انفاقها الدفاعي ضمن حلف الناتو، الا ان الكثير من النقاط الخلافية ظلت عالقة بين الولايات المتحدة ودول الحلف من ابرزها عدم رغبة الأوروبيين المشاركة في الحرب ضد الجمهورية الإسلامية في إيران ومساعدة واشنطن في إعادة فتح طريق الملاحة عبر مضيق هرمز حيث استمر ترامب بالهجوم على الأوروبيين لرفضهم الانجرار لهذه الحرب المكلفة، كما ان بعض الدول الأوروبية الرئيسية مثل بريطانيا وفرنسا قرروا المشاركة في مهمة لتنظيم الملاحة بمضيق هرمز خارج مظلة الناتو ، خوفًا من التورط في حرب واشنطن على طهران.
بالإضافة الى ذلك تبرز ازمة غرينلاند كواحدة من اهم النقاط الخلافية بين الولايات المتحدة وسائر دول الحلف، حيث مازالت إدارة ترامب تطالب بالسيادة على الجزيرة فيما ترفض الدول الأوروبية خروج الجزيرة من السيادة الدنماركية، وهي ازمة مازالت قائمة ويمكن ان تتطور لاحقا لتتوتر بشكل اكبر في حال قرر ترامب بمزاجيته المعهودة للعودة لفتح ملف الجزيرة والضغط على الاوروبين.
فضلاً عن ذلك كله يتخذ ترامب مواقف عدائية تجاه بعض الحلفاء في حلف الناتو وعلى راسهم اسبانيا وكندا، فخلافه مع اسبانيا نابع من موقفها المعارض لسياسيات “إسرائيل” في “الشرق الأوسط” ودعمها لحقوق الفلسطينيين على عكس رغبة الولايات المتحدة وفرضها عقوبات على “إسرائيل” في قطاعات محددة، كما ان اسبانيا باتت اكثر استقلالية وتلعب دوراً مؤثراً في قضايا “الشرق الأوسط” الأخرى الى جانب القضية الفلسطينية من خلال رفضها تقديم التسهيلات اللوجستية للقوات الامريكية المتوجهة لشن الحرب على الجمهورية الإسلامية في إيران وهي سياسات اغضبت ترامب من اسبانيا ودفعته لمهاجمتها في اكثر من مناسبة وادت الى تراجع العلاقات بين الطرفين، سيما ان اسبانيا محكومة حاليا بواسطة أحزاب تقدمية ليبرالية على النقيض تماماً من توجهات ترامب الأيديولوجية.

والحال في كندا لا يختلف كثيراً وهي الجار الشمالي للولايات المتحدة حيث سعى ترامب لضم كندا الى جانب غرينلاند وهو يتعارض مع سياساتها الليبرالية ويرى انها تستغل الاقتصاد الأمريكي لتحقيق مكاسب اقتصادية، وهي خلافات تنعكس بالطبع على طبيعة التعاون بين البلدين ضمن حلف شمال الأطلسي ويمكن ان يؤدي بقاء هذه الخلافات الى عرقلة جهود التعاون المشترك بين دول الحلف في مواجهة التحديات الاستراتيجية التي تواجه الهيمنة الامريكية بشكل خاص والهيمنة الحضارية الغربية بشكل عام.
يضاف الى ذلك كله يعمل ترامب على سحب قواته من بعض القواعد المهمة في أوروبا ما يجعل الموقف الأمريكي تجاه أوروبا والحلف غامضاً ويبقي الدول الأوروبية الحليفة في حالة من عدم اليقين حول إمكانية احتفاظ إدارة ترامب بالتزاماتها الدفاعية تجاه القارة الأوروبية، ما يجعل قمة الناتو ومبدأ “الناتو 3.0” فرصة لهذه الدول لتعزيز قدراتها الذاتية عسكريًا وعدم الاعتماد على الضمانات الأمنية الامريكية.
خاتمة
بناءً على ما تقدم يمكن القول أن قمة أنقرة تمثل نقطة تحول استراتيجية أدت الى ولادة مبدأ “الناتو 3.0″، حيث انتقل الحلف من عقيدة الردع التقليدي التي ميزت حقبة الحرب الباردة وما تلاها، إلى تبني هندسة أمنية قائمة على الرقمنة، وتوطين الصناعات الدفاعية، وتوزيع أعباء القيادة. ومع ذلك، فإن هذه النسخة الجديدة لم تنبثق من حالة انسجام أطلسي طبيعي، بل جاءت كاستجابة قسرية لمتغيرين أساسيين: تصاعد نفوذ القوى التعديلية في النظام الدولي، وتنامي النهج الانعزالي والتبادلي في السياسة الأمريكية الذي زعزع ثقة الحلفاء الأوروبيين بالضمانات الأمنية لواشنطن.
في خضم هذه التحولات، برزت تركيا باعتبارها الرابح الأكبر والفاعل الاستراتيجي الذي لا يمكن تجاوزه. فقد استثمرت أنقرة حالة التصدع الأطلسي والتراجع الأوروبي لتعيد صياغة دورها من حارس للخاصرة الجنوبية إلى شريك صناعي وعسكري ودبلوماسي في قلب القرار الأطلسي. إن قدرة تركيا على ممارسة الغموض الاستراتيجي، وامتلاكها مفاتيح الحوار مع القوى المنافسة، فضلاً عن قفزاتها النوعية في الصناعات الدفاعية المستقلة، مكنتها من فرض شروطها لتجاوز العقوبات، من أجل أن تصبح حجر الزاوية في بناء الشبكة الأمنية الجديدة للحلف، خاصة في الدائرتين الأوراسية و”الشرق أوسطية”.
ختاماً، يمكن القول إن “الناتو 3.0” يمثل محاولة طموحة لإطالة عمر الهيمنة الغربية وإعادة ضبط أدواتها بما يتلاءم مع تهديدات القرن الحادي والعشرين، إلا أنه يبقى تحالفاً محكوماً بإدارة الأزمات البينية وتأجيل الحلول بدلاً من حسمها. إن غياب التوافق القيمي بين الأعضاء، واستمرار الخلافات حول تقاسم الأعباء وتحديد الأولويات الجغرافية، يجعل من التماسك الحالي للحلف تماسكاً تكتيكياً تفرضه الضرورة المتبادلة. وفي ظل هذا المشهد المعقد، ستستمر القوى الإقليمية الوازنة كتركيا في استثمار هذه الفراغات لتعزيز استقلاليتها الاستراتيجية، مما يجعل مستقبل الناتو مرهوناً بقدرته على موازنة هذه التناقضات الداخلية قبل التفرغ لمواجهة خصومه الخارجيين.




