الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

الاستراتيجية “الإسرائيلية” للاستحواذ على الأراضي في جنوب سوريا

بقلم: بختيار أحمد صالح  

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

 

تُعد الأرض أحد أهم عناصر القوة في العلاقات الدولية، فهي ليست مجرد مورد اقتصادي أو مساحة جغرافية، بل تمثل ركناً أساسياً من أركان السيادة الوطنية، ومصدراً للأمن القومي، وأداة لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية. وقد شهد التاريخ الحديث استخدام وسائل متعددة للسيطرة على الأراضي، تراوحت بين الاحتلال العسكري المباشر، والضم القانوني، والاستيطان، واستخدام الأدوات الاقتصادية، وفي مقدمتها شراء الأراضي.

وفي الأدبيات الجيوسياسية، يُنظر إلى شراء الأراضي بوصفه إحدى أدوات التمدد الهادئ حيث يمكن أن يؤدي انتقال الملكية العقارية تدريجياً إلى تغيير في الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، خصوصاً في المناطق الحدودية أو المتنازع عليها. ولا يقتصر تأثير هذه العمليات على البعد الاقتصادي، بل يمتد إلى الأمن، والديموغرافيا، وإدارة الموارد الطبيعية، وإعادة رسم موازين النفوذ.

اكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في “الشرق الأوسط” نتيجة التداخل بين الصراع العربي-“الإسرائيلي”، وقضايا الاحتلال، والاستيطان، والسيطرة على الموارد. وقد شكّل شراء الأراضي في فلسطين خلال أواخر العهد العثماني وفترة الانتداب البريطاني أحد العناصر التي تناولتها الدراسات التاريخية عند تحليل نشوء المشروع الصهيوني، مع الإشارة إلى أن تلك المرحلة اتسمت بظروف قانونية وسياسية مختلفة عن الواقع الحالي.

وفي السنوات الأخيرة، ظهرت تقارير إعلامية تتحدث عن قيام جهات يُزعم ارتباطها “بإسرائيل” بشراء أراضٍ في محافظات درعا والقنيطرة والسويداء في جنوب سوريا، مستفيدة من حالة عدم الاستقرار. وتذهب بعض هذه التقارير إلى أن عمليات الشراء تتم عبر وسطاء محليين أو أفراد يحملون جنسيات أجنبية، وانطلاقاً من ذلك، يسعى هذا التقرير إلى تحليل الظاهرة مع الفصل بين الوقائع التاريخية المثبتة، والادعاءات الإعلامية المعاصرة، وتقييم مدى إمكانية استخدام شراء الأراضي كأداة لتحقيق أهداف استراتيجية في البيئات الهشة.

 

 

اولاً: المقارنة التاريخية (النموذج الفلسطيني مقابل السوري)

 تعتمد الاستراتيجية “الاسرائيلية” الحالية في جنوب سوريا على إعادة إنتاج ذات الأدوات التاريخية التي استُخدمت في فلسطين، وتتضح المقارنة من خلال الجدول التالي:

وجه المقارنة

النموذج الفلسطيني (قبل 1948)

النموذج السوري الحالي (جنوب سوريا)

الوسيط المالي

الصناديق الصهيونية (الوکالة اليهودية، الصندوق القومي)

شبکات رجال أعمال وشرکات عقارية واجهة، ورؤوس أموال غير مباشرة

هوية المشتري الظاهرية

رعايا دول غربية، عائلات إقطاعية غير مقيمة، وسماسرة محليون

مواطنون من دول غربية (کندا، أستراليا، بريطانيا) ومستثمرون عرب بصفة فردية أو تجارية

الغطاء السياسي

الانتداب البريطاني وتسهيلاته القانونية

استغلال حالة الضعف الإداري للدولة السورية والوضع الاقتصادي المتردي

الهدف الاستراتيجي

خلق بؤر استيطانية متناثرة تُربط لاحقاً ببعضها البعض

فرض عمق أمني بعمق 15 کم من الحدود، ومنع التهديد العسکري

 

ثانياً: الأهمية الجيوسياسية لجنوب سوريا ودوافع التنافس الإقليمي

يشكل جنوب سوريا إحدى أكثر المناطق حساسية في المشرق العربي، ليس فقط لقربه من “إسرائيل” والأردن ولبنان، وإنما لأنه يمثل عقدة تربط بين المشرق العربي والبحر المتوسط، وبين هضبة الجولان المحتلة والداخل السوري. ولهذا السبب كان جنوب سوريا على مدى العقود الماضية ساحة تنافس بين القوى الإقليمية والدولية، ويضم جنوب سوريا ثلاث محافظات رئيسية محافظة القنيطرة، محافظة درعا و محافظة السويداء، وتبلغ مساحة هذه المحافظات مجتمعة أكثر من 16 ألف كم²، وتشكل البوابة الجنوبية لسوريا، حيث تحدها “إسرائيل” والجولان المحتل غرباً، الأردن جنوباً، ريف دمشق شمالاً و البادية السورية شرقاً. هذا الموقع يجعل المنطقة نقطة تماس بين ثلاث بيئات استراتيجية بلاد الشام، الجولان المحتل و شمال الأردن.

 

 

 

  1. الجولان… قلب المعادلة الأمنية: منذ احتلال “إسرائيل” لمعظم هضبة الجولان عام 1967، أصبحت المنطقة إحدى أهم الجبهات العسكرية في “الشرق الأوسط”. وتنبع أهمية الجولان من عدة اعتبارات:

  • الارتفاع الطبوغرافي: تتراوح ارتفاعات الجولان بين 300 و1200 متر فوق سطح البحر، ما يمنح من يسيطر عليه أفضلية كبيرة في الرصد والمراقبة والسيطرة النارية.

  • الإشراف على شمال “إسرائيل”: يمكن من مرتفعات الجولان مراقبة أجزاء واسعة من الجليل الأعلى، بحيرة طبريا، شمال فلسطين المحتلة. ولهذا يعد الجولان في العقيدة الأمنية “الإسرائيلية” منطقة إنذار مبكر ضد أي تهديد محتمل من الشرق.

  1. الموارد المائية: تُعد المياه من أهم عناصر الأهمية الاستراتيجية للمنطقة ومن أبرز الموارد روافد نهر الأردن، ينابيع بانياس، الأودية الموسمية و المياه الجوفية. وتشير دراسات هيدرولوجية إلى أن الجولان يسهم بجزء مهم من الموارد المغذية لنهر الأردن وبحيرة طبريا، ما يمنحه قيمة استراتيجية تتجاوز الاعتبارات العسكرية. ولهذا السبب، ترتبط قضية الجولان في الخطاب “الإسرائيلي” أيضاً بالأمن المائي، إلى جانب الأمن العسكري.

  2. الأراضي الزراعية: تتميز المنطقة بـالتربة البركانية الخصبة، الأمطار الأعلى نسبياً مقارنة بمناطق سورية أخرى، زراعة القمح، الزيتون، الكروم والتفاح (خصوصاً في الجولان). كما تشكل المراعي الطبيعية مورداً اقتصادياً مهماً للسكان المحليين. وتجعل هذه الخصائص الأراضي الزراعية ذات قيمة اقتصادية مرتفعة، سواء للاستثمار أو للإنتاج الغذائي.

  3. البنية السكانية: تتسم محافظات الجنوب بتنوع اجتماعي وديني، ينعكس على طبيعة العلاقات المحلية.

  • محافظة درعا: غالبية عربية سنية، مجتمع عشائري قوي، انتشار الملكيات الزراعية الخاصة.

  • محافظة السويداء: غالبية من الطائفة الدرزية، انتشار الملكيات العائلية، دور تقليدي للمرجعيات الاجتماعية.

  • محافظة القنيطرة: تأثرت بشكل كبير بالحروب والنزوح، انخفاض الكثافة السكانية في أجزاء واسعة، وجود قرى مدمرة أو شبه خالية في بعض المناطق.

 

 

ثالثاً: آليات وأساليب الاستحواذ الحديث في جنوب سوريا

تتنوع الوسائل التي يتم من من خلالها شراء الأراضي في مناطق (درعا، القنيطرة، السويداء) لتجنب الرصد الأمني ​​والحظر القانوني السوري:

  1. استخدام مواطني الدول الغربية: يتم الاعتماد على أفراد يحملون جنسيات دول حليفة أو محايدة (مثل کندا، أستراليا، بريطانيا) لشراء مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية. الهدف من هذه الطريقة هو منع إثارة الشبهات وتجاهل القوانين السورية التي تمنع بيع الأراضي لدول معادية.

  2. الواجهة الاستثمارية الإقليمية والشرکات الوسيطة: تشير التقارير إلى دخول أموال تحت غطاء شرکات استثمارية عقارية مسجلة في دول عربية أو إقليمية. يتم شراء الأراضي ثم تدوير ملکيتها عبر سلسلة من العقود القانونية لتنتهي بطرق غير مباشرة تحت تصرف شبکات مرتبطة برؤوس أموال “إسرائيلية”.

  3. سلاح الإغراء المالي والضغط والترهيب:

    • الإغراء المالي: شراء أراضٍ غير صالحة للزراعة أو البناء بأسعار خيالية تفوق قيمتها الحقيقية بأضعاف لاستغلال الأوضاع المعيشية الصعبة للسکان المحليين.

    • الترهيب والضغط: استخدام فزاعة السيطرة العسکرية الوشيکة؛ حيث يتم إقناع الملاک بأن المنطقة ستخضع للسيطرة “الإسرائيلية” في کل الأحوال، والأفضل بيعها الآن والحصول على المال مع البقاء فيها کعاملين بدلاً من خسارتها بلا مقابل لاحقاً.

 

 

رابعاً: ما الذي يمكن أن تحققه هذه الاستراتيجية؟

منذ تأسيس “إسرائيل”، كان مفهوم العمق الدفاعي أحد أهم مرتكزات عقيدتها الأمنية. ويرتبط ذلك بضيق المساحة الجغرافية وكثافة السكان في بعض المناطق، ما جعل صناع القرار ينظرون إلى المناطق المرتفعة والحدودية باعتبارها ذات قيمة استراتيجية. في هذا الإطار، تكتسب هضبة الجولان أهمية خاصة لأنها توفر قدرة على الرصد والإنذار المبكر، إشرافاً على محاور الحركة، موقعاً دفاعياً مرتفعاً و اقتراباً من مصادر مياه مهمة. ومن ثم، فإن أي تغيرات في المناطق الحدودية المجاورة قد تُدرس من زاوية تأثيرها على البيئة الأمنية. في الأدبيات الخاصة بالجغرافيا السياسية، يمكن أن تحقق هذه الاستراتيجية عدداً من المكاسب غير المباشرة:

  1. تعزيز النفوذ الاقتصادي: قد يؤدي امتلاك أراضٍ أو الاستثمار فيها إلى خلق روابط اقتصادية مع المجتمعات المحلية، التأثير في أنماط استخدام الأراضي و المشاركة في مشاريع زراعية أو خدمية.

  2. الوصول إلى الموارد: في بعض الحالات، ترتبط قيمة الأرض بما تحتويه من مياه جوفية، أراضٍ زراعية، مواقع مرتفعة وطرق مواصلات. ولذلك قد تكون القيمة الاستراتيجية لبعض الأراضي أكبر من قيمتها التجارية.

 

خامساً: التداعيات الجيوسياسية والاستراتيجية

إن استمرار عمليات الاستحواذ العقاري في الجنوب السوري يحمل أبعاداً استراتيجية بالغة الخطورة:

  1. سياسة ثقوب الجبن: تهدف هذه السياسة إلى تفتيت الجغرافيا السورية الجنوبية عبر شراء بقع متفرقة وحيوية، ثم ربط هذه البقع تدريجياً لفرض شريط عازل تحت مسمى ملکيات خاصة محميّة عسکرياً وأمنياً.

  2. التحکم بالموارد الطبيعية: ترکز هذه العمليات على محيط هضبة الجولان، وهي منطقة غنية بالمياه والأراضي الزراعية الخصبة، مما يمنح “إسرائيل” قدرة أکبر على التحکم بالأمن المائي والغذائي للمنطقة.

  3. التغيير الديموغرافي والاجتماعي: خلق انقسامات داخل المجتمع المحلي (بين من يرفض البيع ومن يضطر إليه تحت الضغط الاقتصادي)، مما يضعف الجبهة الداخلية السورية في تلک المناطق الحيوية.

 

 

خاتمة

  1. الأرض تبقى عنصراً محورياً في الصراعات الجيوسياسية، وأن ملكيتها قد تحمل في بعض السياقات أبعاداً تتجاوز الاستثمار الاقتصادي. وتؤكد التجربة التاريخية في فلسطين أن شراء الأراضي كان جزءاً من مشروع سياسي منظم في ظروف محددة.

  2. من خلال مراجعة الأدبيات التاريخية والقانونية وتحليل الادعاءات المعاصرة، يمكن استخلاص النتائج الآتية:

  • تاريخياً، كان شراء الأراضي جزءاً من المشروع الصهيوني في فلسطين، وهو أمر موثق في المصادر الأكاديمية والأرشيفية.

  • قانونياً، يظل الجولان، وفق غالبية المجتمع الدولي، أرضاً سورية محتلة، وتخضع أوضاعه لقواعد القانون الدولي الإنساني.

  • جيوسياسياً، يتمتع جنوب سوريا بأهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعه الحدودي، وموارده المائية والزراعية، وارتباطه بالجولان.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى