الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

الدلالة الحقيقية لانسحاب الإمارات من أوبك

بقلم: أمير هاندجاني

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

 

عندما تنسحب دولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك في الأول من أيار فإنها لا تنفصل عن تكتل بقدر ما تعلن أن هذا التكتل لم يعد ينسجم مع مصالحها الاستراتيجية، وهذه دلالة جوهرية إذ إن قرار أبوظبي لا يُفسَّر بوصفه استجابة لسبب منفرد بل كنتيجة لتقاطع ثلاثة عوامل رئيسة: الحرب مع إيران، وتصاعد التنافس مع المملكة العربية السعودية، وإعادة تموضع استراتيجي مع الولايات المتحدة تبلور تدريجياً على مدى سنوات. لقد وضعت الحرب الأميركية- “الإسرائيلية”** ضد إيران الإمارات في موقع دولة مواجهة متقدمة على نحو لم يكن متوقعاً بالكامل، فقد برّرت طهران استهدافها للأراضي الإماراتية بالإشارة إلى الاصطفاف الاستراتيجي طويل الأمد بين أبوظبي وواشنطن وهو توصيف اكتسب طابعاً رسمياً عقب تصنيف الولايات المتحدة للإمارات “شريكاً دفاعياً رئيسياً” عام 2024، وقد طالت الضربات الإيرانية المنطقة الصناعية في الفجيرة وأثّرت في ميناء جبل علي كما تصاعدت أعمدة الدخان فوق أفق دبي. ورغم ما لحق بها من أضرار تحمّلت الإمارات هذه التداعيات إلى حد كبير منفردة، وبينما عبّر شركاؤها في مجلس التعاون الخليجي عن تضامنهم فإن استجابتهم السياسية والعسكرية جاءت- بحسب توصيف مستشار الرئيس الإماراتي أنور قرقاش خلال منتدى المؤثرين الخليجيين- “الأضعف تاريخياً”، وقد عكس هذا التصريح الذي صدر عشية إعلان أوبك مستوىً متقدماً من الإحباط ينذر بتحولات أعمق.

أفضى الصراع مع إيران إلى صدمة غير مسبوقة في أسواق الطاقة العالمية فقد تراجع إجمالي إنتاج أوبك بنسبة 27% ليبلغ 20.79 مليون برميل يومياً في آذار نتيجة الضربات الإيرانية على البنية التحتية الخليجية والتهديدات التي طالت الملاحة عبر مضيق هرمز ما أدى إلى تعطّل سلاسل الإمداد، وقد تجاوز هذا الانكماش في العرض- البالغ 7.88 مليون برميل يومياً خلال شهر واحد- مستويات الصدمات التي شهدها العالم خلال حظر النفط عام 1973 وحرب الخليج عام 1991، وفي ظل تحوّل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال إلى نقطة اختناق جيوسياسية تجد الإمارات نفسها في موقع يمتلك قيمة استراتيجية استثنائية بحكم احتفاظها بطاقة إنتاجية فائضة كبيرة واستثمارات طويلة الأمد في توسيعها، وفي هذا السياق فإن البقاء ضمن أوبك- بما تفرضه من حصص إنتاج وآليات صنع قرار قائمة على التوافق- يعني تقييد هذا المورد الاستراتيجي ضمن إطار جماعي لم يعد يعكس مصالح أبوظبي على نحو كافٍ، ومن ثمّ يبدو خيار الانسحاب منسجماً مع منطق المصلحة الوطنية. مع ذلك فإن توقيت وطبيعة هذا القرار يعكسان بعداً أعمق يتمثل في تداعيات التنافس البنيوي المتصاعد مع المملكة العربية السعودية، فالعلاقة بين الرياض وأبوظبي التي لطالما وُصفت بأنها ركيزة الاستقرار في الخليج، شهدت خلال السنوات الأخيرة تصدعات تدريجية حول مسألة محورية تتعلق بالسيطرة على سياسات النفط وإدارته.

 

 

تعود جذور هذا الخلاف إلى عام 2016 مع تأسيس تحالف “أوبك+” بالشراكة مع روسيا حيث بدأت الإمارات ترى أن حصصها الإنتاجية لا تعكس قدراتها المتنامية بوتيرة متسارعة، وقد أسهمت حرب الأسعار خلال جائحة كوفيد-19 عام 2020- والتي قادتها السعودية عبر فرض تخفيضات حادة- في تعميق هذا التباين إذ اعتبرت أبوظبي تلك التخفيضات عبئاً غير متكافئ في ظل استثماراتها الكبيرة لرفع طاقتها الإنتاجية، وبحلول عام 2021 انتقلت الخلافات إلى العلن مع رفض الإمارات تمديد التخفيضات المدعومة من الرياض ما أدى إلى أزمة لم تُحتوَ إلا عبر رفع خط الأساس الإنتاجي للإمارات إلى 3.65 مليون برميل يومياً، غير أن هذا الحل كان مؤقتاً إذ عالج المظهر دون أن يلامس جوهر الخلاف. ومنذ ذلك الحين اتخذت التوترات طابعاً أكثر هيكلية، فالسعودية التي تحتاج إلى أسعار تقارب 80 دولاراً لبرميل خام برنت لتحقيق توازنها المالي وتمويل مشاريع “رؤية 2030” تميل إلى سياسات إدارة العرض والحفاظ على مستويات سعرية مرتفعة، في المقابل فإن الإمارات- التي نجحت في تنويع اقتصادها بدرجة أكبر مع تحوّل دبي إلى مركز عالمي للتمويل والخدمات اللوجستية والطيران- أقل اعتماداً على ارتفاع أسعار النفط، وبناءً عليه فإن هدف أبوظبي لا يتمثل في ضبط الأسعار بقدر ما يتمثل في تعظيم حجم الإنتاج بما يضمن تحقيق عوائد على استثماراتها الضخمة في توسيع قدرات شركة بترول أبوظبي الوطنية، وهذا التباين لا يعكس اختلافاً في السياسات فحسب بل يكشف عن تباين في النماذج الاقتصادية ذاتها. وفي دلالة لافتة على عمق هذا التحول أكد وزير الطاقة الإماراتي أن أبوظبي لم تُجرِ أي مشاورات مع الرياض قبل إعلان قرار الانسحاب، وهي إشارة تعكس بوضوح مستوى التباعد بين الطرفين، فالمملكة العربية السعودية التي تُعد القائد التقليدي لمنظمة أوبك علمت بالقرار عبر بيان صحفي في سابقة تعكس تحولاً نوعياً في طبيعة العلاقة داخل المنظمة.

يُعدّ البُعد المرتبط بواشنطن في هذه القصة ذا أهمية مماثلة فـاتفاقيات إبراهيم وتعميق الشراكات الأمنية مع “إسرائيل” وسعي أبوظبي إلى ترسيخ موقعها بوصفها الحليف الخليجي الذي لا غنى عنه جميعها خطوات تهدف إلى جعل أي انسحاب أميركي من الإمارات مكلفاً سياسياً واستراتيجياً، وقد بات هذا الرهان اليوم قيد الاختبار ويبدو أن واشنطن قد استجابت له بالفعل إذ أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت دعمه العلني لتوفير خط مبادلة طارئ بالدولار لصالح أبوظبي قبيل إعلان أوبك بأيام، كما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لطالما انتقد أوبك واعتبرها كارتلاً يستغل الحماية العسكرية الأميركية منح فعلياً غطاءً دبلوماسياً لأبوظبي لاتخاذ قرار الانسحاب، إن هذا التلاقي بين رغبة إماراتية في تحرير الإنتاج النفطي وتوجّه إدارة ترامب نحو زيادة المعروض العالمي وخفض الأسعار ليس أمراً عارضاً بل يعكس- على المستوى البنيوي- تقاطعاً في المصالح بين واشنطن وأبوظبي تبلور على مدى سنوات. في الوقت ذاته انتهجت الإمارات سياسة متقدمة في توظيف الورقة الصينية فقد أسفرت زيارة ولي عهد أبوظبي خالد بن محمد بن زايد إلى بكين مؤخراً عن سلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية كما ألمح مسؤولون إماراتيون إلى إمكانية تسعير بعض المعاملات النفطية باليوان في حال تراجع السيولة الدولارية، في خطوة تُذكّر بالمناورة السعودية عام 2023 التي دفعت واشنطن إلى تكثيف انخراطها الدبلوماسي مع الرياض، غير أن أبوظبي لا تتجه نحو التحول الاستراتيجي إلى الصين بقدر ما تستخدم هذه العلاقة كورقة ضغط لتحسين شروطها مع الولايات المتحدة ولا تزال صناديقها السيادية موجّهة بشكل كبير نحو الأصول الأميركية والأوروبية، ومن ثم فإن الإشارات الصادرة تجاه بكين ينبغي فهمها بوصفها أداة ضغط محسوبة لا تحوّلاً استراتيجياً ورسالة إلى واشنطن بأن الشراكة مع أبوظبي ليست أمراً مسلّماً به.

أما بالنسبة لتداعيات هذا الانسحاب على منظمة أوبك ذاتها فإن الخسارة تُعدّ كبيرة وقد تكون ذات طابع وجودي على المدى المتوسط، فقد كانت الإمارات ثالث أكبر منتج داخل المنظمة إذ شكّلت نحو 12% من إجمالي إنتاجها قبل اندلاع الصراع، وكانت أنغولا قد انسحبت في عام 2024 على خلفية خلافات تتعلق بحصص الإنتاج فيما سبقتها قطر بالانسحاب في عام 2019، ورغم أن كل حالة خروج قُدّمت باعتبارها استثناءً فإن النمط التراكمي يكشف عن منظمة يجري استنزافها من الداخل بفعل تباينات استراتيجية متزايدة وهي ذات القوى التي دفعت أبوظبي اليوم إلى اتخاذ قرارها، ورغم احتفاظ السعودية بالبنية المؤسسية لأوبك وبالإرادة السياسية لقيادتها فإن إدارة منظمة أصغر وأقل قدرة في ظل اضطرابات غير مسبوقة في الإمدادات تمثل تحدياً بالغ التعقيد وبذلك ستقود الرياض في المرحلة المقبلة منظمة أضعف بنيوياً.

لم تؤدِّ الحرب مع إيران إلى توحيد دول الخليج بل أسهمت في تعميق انقسامها على طول خطوط صدع قائمة مسبقاً تجلّت في تباينات متسارعة في سياسات اليمن والمنافسة الاقتصادية واختلاف مقاربات إدارة العلاقات مع كل من واشنطن وطهران، ويتضح هذا التباين في المواقف المختلفة التي تبنتها دول الخليج تجاه إيران، فعُمان التي استضافت المفاوضات النووية الأميركية- الإيرانية قبل الحرب ولعبت دور الوسيط الإقليمي الأبرز واصلت الدعوة إلى الحلول الدبلوماسية رغم تعرض أراضيها لضربات إيرانية أما قطر التي تتشارك مع إيران أحد أكبر حقول الغاز في العالم فقد شددت على منطق التعايش مؤكدة أن البلدين “سيظلان جارين في مستقبل البشرية”، وفي المقابل أبدت السعودية- رغم تعرضها لهجمات إيرانية- ميلاً نحو التهدئة مدفوعة بحسابات تتعلق بحماية مشروعها للتحول الاقتصادي.

في هذا السياق تبدو الإمارات الدولة الخليجية الوحيدة التي تبنّت موقفاً متشدداً إذ طالبت بتعويضات وإعادة فتح مضيق هرمز دون شروط وتقليص النفوذ الإيراني بشكل شامل، ويعكس الانسحاب من أوبك هذا التموضع الجيوسياسي الذي يميّز أبوظبي ليس فقط عن الرياض بل عن التوافق الخليجي الأوسع، فقد خلصت الإمارات إلى أن مصالحها تتحقق على نحو أفضل من خلال التصرف كفاعل سيادي مستقل بدلاً من الالتزام بعضوية تكتل جماعي، غير أن مدى صواب هذا التقدير سيظل رهناً بمآلات الحرب وبالشكل الذي سيتخذه النظام الإقليمي في أعقابها، ومع ذلك فإن ما يكشفه قرار أوبك بوضوح هو أن الصيغة الخليجية التقليدية- القائمة على مؤسسات مشتركة وافتراض وحدة المصالح- قد دخلت مرحلة الأفول.

 

*  By Amir Handjani, The Real Meaning of the UAE’s OPEC Exit The geopolitical realignment goes much deeper than just oil markets, Foreign Policy, May 1, 2026.
**  مقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى